المحافظة على الصلوات والطاعات

الكاتب: المدير -
المحافظة على الصلوات والطاعات
"المحافظة على الصلوات والطاعات

 

أ‌- بيان فضل الصلوات وشأنها في نجاح الدعاة:

الصلاة أعظم فريضة عملية، وأجل شعيرة دينية بدنية يقوم بها المسلم خمس مرات يوميًا في الفريضة وما شاء الله من النافلة بين يدي ربه تبارك وتعالى، خاضعًا لكبريائه، متذللًا لعظمته، مستسلمًا له بروحه وبدنه، متجردًا لله سبحانه وتعالى بقصده، يرجو القرب منه سبحانه والزلفى لديه، وأن يزحزحه ويبعده عن ناره وأنواع عذابه، وأن يسكنه الفردوس من جناته، ويحل عليه عظيم رضوانه، وكم فيها من تربية للنفس على تحقيق التقوى والإنابة والصبر والمجاهدة والتوكل والمحبة، إلى غير ذلك مما تتطهر به النفس من أدناسها وتنجو به من موجبات خسرانها وإفلاسها، ويتحقق لها به الصلاح والفلاح حتى تتبدل النفس من أمارة بالسوء ولوامة إلى نفس مطمئنة ترجع إلى ربها راضية مرضية، وذلك لمــا جمع الله تعالى لعباده في الصلاة من أخص أعمال العبودية، فقد اشتملت على أكمل الأحوال وأحسن الهيئات وأفضل الأذكار والتعظيمات وأجمع الدعوات لسائر المطلوبات.

 

ب‌- منزلة الصلاة عند المرسلين والنبيين عليهم الصلاة والسلام:

الصلاة خير عمل يستعين به العبد على تزكية نفسه ونهيها عن هواها، ودعوة الأمة إلى الخير والهدى لتسعد في دنياها وأخراها، فنعمت الراحة للروح والبدن، ونعمت المنجية من الفتن والمحن، ونعمت الوسيلة للهداية إلى الحق والجالبة للرزق، ونعمت العبادة الواصلة لصاحبها بالله، والمعينة له على طاعة الله ومجاهدة من أعرض واستكبر واتبع هواه، ولذا سألها إبراهيم عليه السلام لنفسه وبنيه فقال: ? رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ? [إبراهيم: 40]، فاستجاب الله له فجعلها قرة عينه، وعبادة ظاهرة في بنيه من بعده يتقربون بها إلى الملك القدوس السلام، وأصبحوا بها أئمة هداة للأنام، واستعانوا بها على جليل الأعمال وعظيم المهام، قال تعالى: ? وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ? [الأنبياء: 72-73].

 

فلما كانت الصلاة أجل عمل بدني يتقرب به العبد إلى رب العالمين، ومن أعظم أسباب الإمامة في الدين اعتنى بها ورثة إبراهيم من صالحي ذريته وأتباعه على ملته، فذكر الله تعالى إسماعيل عليه السلام مثنيًا عليه بالعناية بالصلاة بقوله: ? وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ? [مريم: 54، 55].

 

وكانت الصلاة أول ما أمر الله بها موسى وأخاه هارون وقومهما فقال تعالى: ? إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ? [طه: 14]، وقال سبحانه: ? وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ? [يونس: 87].

 

ولقد تميز نبي الله شعيب عليه السلام بالعناية بالصلاة، وظهرت آثارها على نفسه وفي دعوته، حتى عرف قومه أثرها في نفسه، وعدُّوها سببًا لما ينصحهم به من التوحيد وإيفاء الكيل والوزن وترك ظلم الناس وما ينذرهم عنه من الشرك والبخل والإفساد في الأرض وعواقب ذلك: ? قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ? [هود: 87].

 

وهكذا عيسى عليه السلام يخاطب قومه في صباه آية على نبوته من الله الذي أوصاه بالصلاة والزكاة مدة الحياة فيقول: ? قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ? [مريم: 30، 31].

 

ت‌- منزلة الصلاة عند نبينًا محمد صلى الله عليه وسلم:

وها هو خاتم النبيين وسيد المرسلين وخليل رب العالمين محمد صلى الله عليه وسلم يرشده الله تبارك وتعالى في أوائل نبوته إلى أن يأخذ حظًّا وافرًا من الصلاة ليستعين بها على تحمل أعباء النبوة ودعوة الأمة، ولتكون له راحة وفرجًا من كل غم يصيبه، فيقول سبحانه: ? يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ? [المزمل: 1 - 5].

 

فكانت الصلاة أول عمل يوجه الله تعالى النبـي صلى الله عليه وسلم إليه، وفريضتها أول فريضة فرضت عليه في وقت بلغ أذى الكفار له غايته وكاد صبره أن يصل نهايته، فأسري به صلى الله عليه وسلم ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السموات العلى فرأى هناك من آيات ربه ما رأى، وفرضت عليه الصلاة هناك بلا واسطة، فرضت خمسين في اليوم والليلة، ثم خففت إلى خمس فصارت خمسًا في العدد وخمسين في الثواب، تكريمًا له وتخفيفًا على العباد، وأمر مع الفريضة بمواصلة النافلة لينال بذلك عليَّ الدرجة وشريف المقام: ? أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ? [الإسراء: 78، 79].

 

فكانت الصلاة مفزع النبي صلى الله عليه وسلم من همومه، وراحة نفسه وقرة عينه، ومنذ فرضت عليه الصلاة وهو صلى الله عليه وسلم في انشراح صدر ويسر أمر وارتفاع ذكر، ودينه في ظهور، وأتباعه في ازدياد وعز، وخصومه في إدبار، وكان صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فإذا قيل له : لم تصنع ذلك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا؟»[1]، وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

 

وكان صلى الله عليه وسلم يقبل بصلاته على ربه، ويطيل الصلاة ـ خاصة في الليل ـ، فكان صلى الله عليه وسلم يقرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم يركع فيقول: «سبحان ربي العظيم» في ركوعه، ويطيل حتى كان ركوعه قريبًا من قيامه، ثم يرفع قائلًا: «سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد»، فيقوم قيامًا طويلًا قريبًا مما ركع، ثم يسجد فيقول في سجوده: «سبحان ربي الأعلى»، ويطيل حتى كان سجوده قريبًا من قيامه، فكان للصلاة عنده صلى الله عليه وسلم منزلة، وكان له فيها شغل وله معها شأن، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «جعلت قرة عيني في الصلاة»[2]، وكانت أول عبادة تميز بها بعد نبوته، وكانت له نعم العون على دعوته.

 

فإذا كانت الصلاة بهذه الأهمية ولها تلك الآثار المباركة، ولصفوة خلق الله من النبيين والمرسلين بها ذلك الاهتمام والاغتباط، وقد قال تعالى: ? أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ? [الأنعام: 90]، وقال سبحانه: ? لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ? [الأحزاب: 21].

 

ث‌- ما ينبغي أن يكون عليه الدعاة من العناية بالصلوات:

فجدير بالدعاة إلى الله تعالى وهم من ورثة النبيين في العلم النافع والعمل الصالح ودعوة الخلق إلى الخير والهدى أن يعتنوا بالمحافظة على فرائض الصلوات في المساجد مع الجماعات، وألا يتساهلوا في شيء منها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا؛ فإنها أعظم الفرائض بعد التوحيد، وخير الوسائل لعلو المقام في الدنيا والآخرة، وأعظم ما يستعان به على هداية الخلق للحق، فما أعظم بركتها، وأحسن عاقبتها على أهلها في الدنيا والآخرة !! قال تعالى: ? وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ? [الإسراء: 79].

 

فعلى الدعاة إلى الله تعالى أن يعنوا بشأنها طلبًا لآثارها، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يأتي إلى الجماعة مع شدة المرض، حتى كان يجاء به صلى الله عليه وسلم إلى المسجد يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، وفي مرضه الذي توفي فيه حاول ثلاث مرات أن يقوم ليغتسل حتى ينشط ويصلي في الجماعة فيغمى عليه في كل مرة، فإذا أفاق قال: «أصلى الناس؟» فيقال له: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله والناس عكوف في المسجد. فبعد المرة الثالثة قال: «مُروا أبا بكر، فليصل بالناس»[3].

 

ج‌- من فضائل الصلوات وخصوصياتها:

وليتذكر الداعية أنه قدوة للناس في ذلك، فإذا تساهل في حضور الجماعة في صلاة واحدة تساهل من حضره من الناس في عدة صلوات، واستشهدوا بما رأوه منه، وربما زادوا عليه.

 

وليتذكر الداعية وليذكر من لقي من الناس أن المحافظة على الصلاة مع الجماعة في المسجد بشارة للمحافظ عليها بحسن الخاتمة والوفاة على الإسلام، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: من سره أن يلقى الله تعالى غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه.

 

فهذا ولا شك مما تلقاه ابن مسعود من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا مجال للرأي، لأنه بيان مقدار ثوابٍ، فهو في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وناهيكم بما ورد في صحيح السنة من فضائل صلاة الجماعة، والتي ينبغي أن يكون الداعية أسبق الناس إليها وأحرصهم عليها، فإن من سَابق إلى الخيرات سبق إما بنيته وعمله أو بنيته فقط، قال تعالى: ? أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ? [المؤمنون: 61].

 

والصلوات الخمس كفارة لما بينهن ما لم تُغْشَ الكبائر فإن الصلوات هن الحسنات اللاتي يذهبن السيئات، ومن أسباب رفعة الدرجات والضيافة في أعلى الجنات، فقد ثبت في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا»[4].

 

وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط»[5].

 

وفيه أيضًا عنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته: إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة»[6].

 

وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا ً ـ يعني: ضيافة ـ، كلما غدا أو راح»[7]، وقال صلى الله عليه وسلم: «بشِّر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة»[8]. فمن أولى من الداعية إلى الله بهذا الفضل.

 

وكثرة السجود لله تعالى ـ أيضًا ـ مما يتوسل به إلى رفعة الدرجة، ومرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، كما ثبت في صحيح مسلم رحمه الله عن ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة»[9].

 

وفيه أيضًا عن ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت أبيت مع النبي صلى الله عليه وسلم فآتيه بوضوئه وحاجته. فقال: «سلني». فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: «أَوَ غَيْر ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود»[10].

 

فلما كانت الصلاة فريضة ونافلة متميزة بهذه الفضائل الكثيرة والخصائص العظيمة، ولها هذه الآثار المباركة، مع أنها أكبر الذكر ورأس الشكر، والداعية إلى الله تعالى لا غنى به عن بركة الله، ولا مشبع له من فضله، وقد أنعم الله تعالى عليه بما يسر له من العلم النافع، وفتح له من أبواب العمل الصالح، وشرح صدره للدعوة إليه والنصح لعباده، وهذه نعم كبرى ومنح جليَّة كان جديرًا به أن يعتني بأمر الصلاة عامة، وأن يكثر من السجود، وخاصة الفرائض.

 

ومن تكميل الصلاة واستكمال فضائلها العناية بنافلتها، ذلك لأن نوافل الصلاة يكمل بها نقص فريضتها ويستوفي ثوابها وتزيد حب الله للعبد، ويزداد بها العبد من الله فضلًا كما في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشر ركعة تطوعًا غير فريضة إلا بنى الله له بيتًا في الجنة»[11].

 

وفي الأحاديث الصحاح الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم الترغيب في صلاة الليل، وأنها أفضل الصلاة بعد الفريضة، وكم أثنى الله على الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ووعدهم الوعد الجميل وحسن المقيل: ? فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ? [السجدة: 17]، ويكون ختامها الوتر قبل الصبح عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»[12]، متفق عليه، وعند مسلم قال صلى الله عليه وسلم: « أوتروا قبل أن تصبحوا»[13]، وعند أبي داود وغيره قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن»[14].

 

وصلاة الضحى لها شأن عظيم، فهي صلاة الأوابين، وتعدل ثلاثمائة وستين صدقة التي من أداها في يوم أمسى وقد زحزح نفسه عن النار.

 

فإذا تحرى الداعية إلى الله المحافظة على هذه الصلوات، وأداها على أحسن الأحوال وأكمل الهيئات، قد أكمل حقوقها وأركانها وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يضيع شيء منها، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها وإتمامها على الوجه المرعي، قد استغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه تبارك وتعالى فيما اختار الله لها من الأوقات، وقد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز وجل على أكمل الحالات، فتراه مقبلًا بقلبه على ربه، فرحًا بإقباله له، ممتلئًا من محبته وتعظيمه وخشيته فيقف بين يدي ربه كأنه يراه ويشاهده، يرجو أن يكون مقربًا من ربه وممن قرت عينه بمناجاته وذكره، حتى يكون من المفلحين الموعودين بالفردوس من الجنات مع المصطفَيْن من البريات.

 

ح‌- فضل بقية فرائض الطاعات ونوافلها المستحبات:

كما أن الصلاة توحيد لله تعالى بالأفعال والأقوال والمال فإن الزكاة توحيد لله تعالى بالمال، والصوم توحيد لله تعالى في ترك المحبوب المألوف، والحج توحيد لله تعالى في جميع هذه الأمور، ولذا كان أحد الفرائض الشريفة، وفرضه الله على هذه الأمة كل عام، ويكفي في بيان عظمة شأن تلك العبادات أنها أركان الإسلام، وأنها أعظم الفرائض الظاهرة بعد التوحيد والصلاة.

 

فلذلك جعلها الله أركان دينه وأعظم فرائضه الظاهرة على عباده، وهي شعائر ظاهرة وكم في نوافل تلك الفرائض العظيمة من عظيم الغنيمة كالصدقات، وصيام الأيام الفاضلات، وتكرار العمرة والحج، والجهاد، والمجاهدة للنفس على أنواع الطاعات، وخصوصًا نافلة الصلاة من الأجر العظيم والثواب الكريم.

 

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد لله تعالى بنوافل جنس هذه العبادات في أول دعوته قبل هجرته، وبعدها حتى فرضت عليه فرائضها، فكان صلى الله عليه وسلم أكمل الناس عناية بفريضتها، وإكثارًا من نافلتها مع الإحسان فيها والمداومة عليه، وهديه صلى الله عليه وسلم في هذه العبادات معلوم لدى أهل العلم بسيرته وسنته منذ فرضها الله عليه حتى الممات، ووصاياه للأمة بتلك القربات ثابت بالأحاديث الصحيحات.

 

فليكن الداعية من أئمة الناس في ذلك حتى يكون له أجره ومثل أجر من اقتدى به مع ثواب إحياء السنن ونشر الهدى، فإن التقرب إلى الله بالنوافل مما يكمل الله به الفرائض، فإن أول ما يحاسب عليه العبد من عمله صلاته، فإن وجدت تامة كتبت تامة، وإن وجدت ناقصة قال الله تعالى للملائكة أنظروا هل لعبدي من نوافل؟ فيتم بها ما انتقص من فريضته، ثم يسار بسائر العمل على نحو ذلك، كل فريضة تكمل من نافلتها التي من جنسها، مع أن التقرب بالنوافل من أسباب محبة الله للعبد وحفظه له في حواسه وجوارحه واستجابة دعائه ودفاع الله تعالى عنه، وحفظه له في حواسه وجوارحه، وأن يمتعه الله تعالى بها متاعا حسنًا إلى أجل مسمى، كما في الحديث القدسي الصحيح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه»[15].

 

فالتقرب إلى الله تعالى بالنوافل. بعد أداء الفرائض، يجعل العبد فائزًا بولاية الله ومحبته، محاطًا بمعية الله وعنايته، مجابًا عند مسألته، مجارًا مما يحاذر في يومه وليلته.

 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثير الصدقة، كثير الصوم، فيصوم حتى يقال: لا يفطر، واعتمر صلى الله عليه وسلم خلال عشر سنوات أربع عمر، مع ما هو فيه من مجاهدة المنافقين والجهاد في سبيل الله، وتعليم العلم والدعوة إلى الله تعالى، ونحو ذلك من أنواع الطاعات وجليل القربات، وهو صلى الله عليه وسلم إمام المسلمين عامة والدعاة خاصة في استباق الخيرات والمسارعة إلى المغفرة والجنات.




[1] أخرجه البخاري برقم (4837)؛ ومسلم برقم (2819).

[2] أخرجه أحمد في المسند (3 /285)، والنسائي برقم (3940).

[3] أخرجه البخاري برقم (664)؛ ومسلم برقم (418).

[4] أخرجه مسلم برقم (667).

[5] أخرجه مسلم برقم (251).

[6] أخرجه مسلم برقم (666).

[7] أخرجه البخاري برقم (662)؛ ومسلم برقم (669).

[8] أخرجه الترمذي برقم (223)؛ وأبو داود برقم (561)؛ وابن ماجه برقم (781).

[9] أخرجه مسلم برقم (488).

[10] أخرجه مسلم برقم (489).

[11] أخرجه مسلم برقم (728).

[12] أخرجه البخاري برقم (998)؛ ومسلم برقم (851).

[13] أخرجه مسلم برقم (754).

[14] أخرجه أحمد في المسند برقم (1218)، والترمذي برقم (453)؛ وأبو داود برقم (1416)؛ وابن ماجه برقم (1170).

[15] أخرجه البخاري برقم (6502).


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook