المداراة والمداهنة والفرق بينهما

الكاتب: المدير -
المداراة والمداهنة والفرق بينهما
"المداراة والمداهنة والفرق بينهما




قال ابن بطا[1] رحمه الله: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة.

 

وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط، لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق يتضح من التفصيل: فالمداهنة من الدهان: وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه.

 

والمداراة هي: الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك[2].

 

فالحد الذي لا يتجاوزه الداعية في مراعاته للمدعوين، هو معاصي الله، وما يكرهه تعالى، فيبذل للمدعو من الرفق والمعاملة الحسنة ما يجلبه إلى الهداية، ويميل قلبه إلى الحق دون الوقوع في مداهنته.

 

وقال ابن حِبان رحمه الله: (والمداراة التي تكون صدقة للمداري، هو تخلق الإنسان بالأشياء المستحسنة مع من يدفع إلى عشرته، ما لم يشبها معصية الله، والمداهنة هي استعمال المرء الخصال التي تستحسن منه في العشرة، وقد يشوبه ما يكره الله تعالى)[3].

 

وإذا حرص الداعية على نجاح دعوته، دارى المدعوين وعاملهم بما يحبون، حتى لو كان مضطرا إلى قسر نفسه على ذلك ما دام يظن أن عاقبة الأمر إلى خير، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:( جاء مخرمة بن نوفل[4]، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم به، قال:(( بئس أخو العشيرة))، فلما دخل، بشَّ به. قالت: فلما خرج، كلمته في ذلك، فقال:(( يا عائشة، أعهدتني فحاشا، إن شر الناس من يُتقى شره))[5].

 

وقال أبو حاتم البُستي رحمه الله: (من التمس رضا جميع الناس، التمس ما لا يدرك، ولكن يقصد العاقل رضا من لا يجد من معاشرته بد، وإن دفعه الوقت إلى استحسان أشياء من العادات كان يستقبحها، واستقباح أشياء كان يستحسنها، ما لم يكن إثما، فإن ذلك من المداراة، وما أكثر من دارى فلم يسلم، فكيف توجد السلامة لمن لم يدار)[6]،وما أكثر ما دارى الداعية المدعوين، فلم يستجيبوا له، فكيف تحصل الاستجابة لمن لم يدار!

 

والداعية إذا لم يدار المدعوين ملُّوه، وانفضوا من حوله، وقد قيل:

دار من الناس ملالاتهم
من لم يدار الناس ملوهُ
ومكرم الناس حبيب لهم
من أكرم الناس أحبوهُ[7]

 

ومن أمثلة مداراة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة، تلطفه لهم بالقول في خطابه وعفوه عنهم، بلا منة، رغم ما لقيه منهم.

 

والتلطف بصفوان بن أمية، رغم فظاظة خطابه مع النبي صلى الله عليه وسلم.

 

وإلانة القول لمن حاول إلحاق الأذى به منهم مثل شيبة وفضالة[8] رضي الله عنهما.

 

وكذلك مداراته لهم بالفعل، وذلك كعفوه عمن طلب الأمان منهم، ثم تأليفهم بالهبات والعطايا بعد غزوة حنين.

 




[1] هو العلامة أبو الحسن علي بن خلف بن بطال البكري القرطبي، يعرف بابن اللجَّام، شارح صحيح البخاري، كان من كبار المالكية ومن أهل العلم والمعرفة، توفي رحمه الله سنة 449هـ. بتصرف سير أعلام النبلاء 18 /47، ومعجم المؤلفين 7 /87.

[2] بتصرف، فتح الباري 10 /528 ح 6131. وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الأدب باب بعنوان باب المداراة مع الناس، وروى فيه قول أبي الدرداء رضي الله عنه : إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم. 7 /102.

[3] الآداب الشرعية والمنح المرعية 3 /478.

[4] هو مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، من مسلمة الفتح، كان له سن عالية وعلم بالنسب، كان عالما بأنصاب الحرم، وبعثه عمر رضي الله عنه ليجدد أنصاب الحرم وبعثه عثمان رضي الله عنه بعد ذلك، كان في خلقه شدة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتقي لسانه ويتألفه. مات رضي الله عنه سنة 55هـ وعمره 115 سنة. بتصرف، سير أعلام النبلاء / 543، الإصابة 3 /390.

[5]صحيح البخاري كتاب الأدب باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفاحشاً 7 /81، وصحيح مسلم كتاب البر والصلة باب مداراة من يتقى فحشه 4 /2002 ح 2591، بلفظ: أن رجلا استأذن. واللفظ المروي ذكره الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء 2/543، وقال المحقق: قال غير واحد من أهل العلم أنه عيينة بن حصن الفزاري، وقال بعضهم أنه مخرمة بن نوفل، واستدلوا بالرواية التي ذكرها الإمام الذهبي.

[6] روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص 71.

[7] المرجع السابق ص 70 والأبيات لعلي بن محمد البسامي رحمه الله.

[8] سبق تخريجه ص 137، و ص 180.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook