المراقبة علم القلب بقرب الرب

الكاتب: المدير -
المراقبة علم القلب بقرب الرب
"المراقبة علم القلب بقرب الرب




المراقبةُ عِلمُ القلب بقربِ الرب، فعلم الإنسان بمراقبة الله له واطلاعه عليه ونظره إليه هو أعظم ما يعينه على مقاومة هذه الآفة الخطيرة، وكلما ازداد العبد يقينًا وتذكرًا لاطلاع الله على حركاته وسكناته، ازداد أمله في الوقاية من هذا المرض العضال وفي العلاج منه إن كان وقع فيه.

 

فليتذكر الإنسان أن الله عز وجل ? يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ? [غافر: 19]، وأن أعضاءه ستشهد عليه يوم القيامة، قال تعالى: ? حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ? [فصلت: 20 - 21].

 

وفي صحيح مسلم من حديث أنس قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: «هل تدرون مما أضحك؟» فقلنا: الله ورسوله أعلم. فقال: «من مخاطبة العبد ربه، فيقول: يا رب ألم تُجرني من الظلم؟ فيقول رب العزة: بلى. فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني. فيقول رب العزة: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا وبالكرام الكاتبين شهودًا. قال: فيختم على فيه فيقال لأركانه: انطقي. فتنطق بأعماله. قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول لأعضائه: بعدًا وسحقًا لَكُنَّ، فعنكنَّ كنت أناضل»[1].

 

والمراقبة تورث الاستحياء من الله عز وجل حق الحياء، ليعمل العبد بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «اتق الله حيثما كنت».

وقد قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله في شرح هذا الحديث كلامًا نفيسًا ننقله هنا بطوله حيث قال: فقوله صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت». مراده في السر والعلانية، حيث يراه الناس وحيث لا يرونه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: «أسألك خشيتك في الغيب والشهادة». وخشية الله في الغيب والشهادة هي من المنجيات، وفي حديث أبي الطفيل عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «استح من الله استحياء رجل ذي هيبة من أهلك». وهذا هو السبب الموجب لخشية الله في السر؛ فإن من علم أن الله يراه حيث كان وأنه مطلع على باطنه وظاهره وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته أوجب له ذلك ترك المعاصي في السر، وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن بقوله تعالى: ? وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ? [النساء: 1].

 

كان بعض السلف يقول لأصحابه: زهدنا الله وإياكم في الحرام زهد من قدر عليه في الخلوة فعلم أن الله يراه فتركه من خشيته.

وقال الشافعي: أعز الأشياء ثلاثة؛ الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى أو يخاف.

وكتب ابن السمَّاك الواعظ إلى أخ له: أما بعد، أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله من بالك على كل حال في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منه حذرك، وليكثر منه وجلك، والسلام.

 

وكان وهب بن الورد يقول: خف الله على قدر قدرته عليك، واستح منه على قدر قربه منك.

وقال له رجل: عظني. فقال له: اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك.

وقال بعضهم: ابن آدم، إن كنت حيث ركبت المعصية لم تصفُ لك من عين ناظرة إليك، فلما خلوت بالله وحده صفت لك معصيته ولم تستحي منه حياءك من بعض خلقه، ما أنت إلا أحد رجلين؛ إن كنت ظننت أنه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت علمت أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أضعف خلقه لقد اجترأت.

وسئل الجنيد: بم يستعان على غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظره.




[1] صحيح مسلم (2969).


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook