المنهج الدعوي المستفاد من آيات الجنوح إلى السلم

الكاتب: المدير -
المنهج الدعوي المستفاد من آيات الجنوح إلى السلم
"المنهج الدعوي المستفاد من آيات الجنوح إلى السلم




أولًا: الخصائص؛ ومنها:

الواقعية[1]:

والواقعية - عندنا - ليسَتْ واقعية الغربيين الذين يؤمنون بالواقع المحسوس ويُنكرون الغيب، ويؤمنون بالمادة ولا يقيمون للروح وزنًا، وإنما الواقعية - عندنا - مراعاة واقع الكون من حيث عالمُ الغيب وعالم الشهادة، وأن كل ما في الكون مخلوقٌ لله تعالى، مسخر بأمره، واقع تحت سلطانه، ومراعاة واقع الحياة وأن ما بعدها حتمًا هو الموت والآخرة، وأن الحياة الدنيا قائمةٌ على صراع بين الحق والباطل وبين الخير والشر، ومراعاة واقع الإنسان من حيث إنه مادة من تراب الأرض، ونفخة من روح الله، وأنه مكلَّف بعمارة الأرض وإقامة العدل، وعبادة الله تعالى، لكن هناك العابد الطائع وهناك الكافر العاصي[2].

 

ومِن دلائل الواقعية: التخفيف ومراعاة الضعف الإنساني، ففي السورة الكريمة قولُه تعالى: ? الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ? [الأنفال: 66]، فقد تبيَّن من خلال هذا الفصل أن الله تعالى لم يُكلِّف المؤمنين إلا بما يُطيقون، فبعد ذكر النسبة العددية في حدِّها الأعلى (وهي نسبة الواحد لعشرة)، جاء ذكر النسبة العددية في حدها الأدنى (وهي نسبة الواحد لاثنين)، وهي الحالة التي لا يجوز للمسلم فيها أن يفرَّ، وكان هذا التشريع مراعيًا لحالة الضعف الإنساني، فالله عز وجل خالق الإنسان ويعلم طاقته وقدرته، وهو يعلم طبيعة مَن خلق، قال تعالى: ? أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ? [الملك: 14]، فالإنسان - بطبيعته التي طبعه الله عليها - قد تعتريه حالاتٌ من الضعف المادي أو المعنوي، إلا أنه بإيمانه بالله وصبره وثباته يصمُدُ أمام مثيله ممَّن لا يفقهون ما يفقه، ويرجون ما لا يرجو من ثواب الله عز وجل.

 

ومن دلائل الواقعية أيضًا دعوته لقَبول الجنوح إلى السلم، وإن كان العدو مخادعًا؛ ذلك لأن القتال كرهٌ ومشقة، وفيه إزهاق النفس، ومعاناة الجراح، فكان الجنوح إلى السلم موافقًا لميول الإنسان ورغبته في تجنب مخاطر القتال واختيار السلام، وهو المناخ الملائم والآمن للدعوة.

 

وفي خطابه للأسرى نجد دلائل الواقعية في إثارة نوازع الخير في الإنسان، كما قال تعالى: ? يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ? [الأنفال: 70]، فالإنسان بطبيعته يحمل بين جنباته نوازعَ الخير ونوازع الشر، كما قال تعالى: ? فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ? [الشمس: 8]، كما أن في الخطاب ترغيبًا ووعدًا بالخير في الدنيا والآخرة، فهذا الذي وقع في الأسر، قد يكون على جهلٍ بالإسلام، وقد يكون واقعًا تحت تأثير إعلامِ أهل الكفر، وقد يكون قد خرج للقتال حميَّة وعصبية، وقد يكون مغيبًا أو مغررًا به، وقد أعطاه الكفار فكرةً خاطئة عن الإسلام والمسلمين، فحينما نتلطف معه ونرفق به، ونعامله المعاملة الحسنة، ونقدم له الطعام والكساء، ونرغبه في الإسلام ولا نرهبه، قد تتَّضح أمام عينَيْه الأمور، ويعيد حساباته، وقد يشرح الله صدره للإسلام، ومِن هنا كان على الداعي مراعاة أحوال الناس وظروفهم، ويطرق على أوتار الخير طرقًا خفيفًا ليِّنًا، لا بالقول فقط، ولكن بالبذل والإحسان.

 

ثانيًا: المدعو:

والأسرى نوعان:

النوع الأول: القادة، وهم أئمة الكفر ودعاة الضلال، والمحرضون للعامة على قتال المسلمين، وهؤلاء لا شك خطرُهم شديد، ولا بد من التخلص منهم، خصوصًا إذا كانوا يُمثِّلون أبواق الدعاية المضادة؛ (كالنضر بن الحارث)، فقد يخلط على الناس ويطعن في الإسلام.

 

كذلك الذين يفتنون المسلمين، ويصدون عن سبيل الله، وينفقون الأموال لحرب المسلمين، فأمثالُهم يجب قتلهم حتى يبقى العامة والمخدوعون المضللون بلا قادة ولا دعاة يحرضونهم على الكفر والضلال، فتتحرر إرادتهم ويختاروا عقيدتهم بلا إكراه.

 

أما النوع الثاني: فهم العامة والتابعون لأئمة الكفر، فهؤلاء بعد أسرهم، فإنه يجب الرفق بهم وحسن معاملتهم، بل إن المنَّ عليهم وإطلاقهم أفضلُ وأدعى لتحريك نوازع الخير في نفوسهم، خصوصًا حينما يجدون العفوَ عند المقدرة، فالعبد أسير الإحسان، وخصوصًا الأسير حينما يرى إحسانًا، وهو يتوقَّع القتل، ولنا في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لثمامةَ بن أثال القدوةُ الحسنة، وذلك في تلطفه به وإحسانه إليه.

 

ولقد تبيَّن من خلال هذا البحث دعوة الإسلام وتعاليمه وتشريعاته وأخلاقه بالنسبة للأسرى، وأنها تتَّسِم بالعفو والرحمة والتسامح والكرم، فلقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم سراحَ أناسٍ من أسرى بدر بغير فداء ومنَّ عليهم[3]، وأخذ من البعض الفداء، (لما علم أن لديه مالًا كثيرًا، وقد ينفقه ثانية في حرب المسلمين؛ مثل العباس بن عبدالمطلب).

 

ورأينا ما فعله صلاح الدين الأيوبي بالأسرى والنساء؛ لنعلم الدنيا والعالم بأسره كيف يتعامل الإسلام مع أعدائه بالرحمة والعفو والتسامح، لا بالتشفي والانتقام، كما فعل الصهاينة (اليهود) في حرب يونيو 1967 بالأسرى المصريين، وكما فعل الصليبيُّون بالمسلمين في الأندلس، وكما فعل الشيوعيون بالمسلمين في القوقاز)!

 

وعن شرف الخصومة واحترام الكِيان الإنساني، ما كان من أمر سُهَيل بن عمرو لما وقع في الأسر، قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني انزعْ ثنيتي سُهيل بن عمرو، ويدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبًا في موطن أبدًا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا أُمثِّل به فيُمثِّل الله بي وإن كنت نبيًّا))[4].

 

ومن هنا فقد تبيَّن أن الإسلام أوصى بالأسارى خيرًا، وأمر بحسن معاملتهم وإكرامهم بالطعام والكساء واللطف، كذلك نهى عن إيذائهم بأي نوع من أنواع الأذى، وليس المجال الآن مجال الحديث عمَّا يسمى في الغرب بحقوق الإنسان، والحديث عن كرامة الإنسان، وأن الغربيين يقولون: إنه ليس في الإسلام حقوق إنسان[5]، وأقول: نعم ليس في الإسلام ما يسمى بحقوق الإنسان بالمفهوم الغربي؛ لأن الإسلام بقِيَمه العليا، وأخلاقه السامية، ومبادئه وتشريعاته التي تتَّسِم بالعدل والإنصاف، كما تتَّسِم بالرحمة والرفق واليسر، يغنينا عن تلك الصناعة الغربية الكاذبة المغشوشة، فلا قيمةَ عندهم للإنسان إلا الإنسان الغربي، ولا حرمة عندهم لدين إلا الدين المسيحي أو اليهودي، مع أنهم قد يحترمون البوذية والبوذيين، ولا يحترمون الإسلام ولا المسلمين، وتحت هذا الشعار وشعارات أخرى اخترعوها - حديثًا - كحربِ الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، يحتلُّون بلاد المسلمين، ويقتلون كل يومٍ العشرات والمئات من المسلمين أطفالًا ونساءً، وتحت ستارِ ما يسمونها بالديمقراطية، أو الحرب العادلة - (لاحظ المسميات) - يسرقون ثروات المسلمين، وينهبون أموالهم، بل ويقتلون المسلمين!

 

ثالثًا: الداعي:

إن قدوة الدعاة وأسوتهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد كان في تحريضِه المؤمنين على القتال دليلٌ على حرصه الشديد على إنقاذهم من الهلاك، فإن ترك الجهاد تهلكة، كما أن ترك الإعداد الذي مِن شأنه فرض السلم المسلح، وتخويف الأعداء من الاعتداء على المسلمين، كذلك يعد تهلكة، فإذا كان المسلمون ضعفاء، فإن ذلك يُغرِي الأعداء بالاعتداء، وحينما يكون المسلمون أقوياء فإنهم يقبَلون الجنوح إلى السلم، لكن من منطلق القوة، على أن الوصول إلى السلم يعدُّ هدفًا من أهداف منهج الإسلام، الذي يفضل الرِّفق على العنف، والسلمَ على الحرب، والعفو على الانتقام، فإن الغاية الأسمى للدعوة والدعاة هي إنقاذُ الناس من الكفر والضلال، وإحقاق الحق وإبطال الباطل، وأن مناخَ السلم هو الأفضل والأنسب كي تشق الدعوة طريقها بلا معوقات أو عقبات وتجني الثمار الطيبة.

 

وفي حسن معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للأسرى والتلطُّف معهم، وإطلاق بعضهم بغير فداءٍ، أسوةٌ للمسلمين، وبيان لتعاليم الإسلام السمحة، وأنه لا يُكرِه أحدًا على اعتناقه إلا بحرية واختيار.

 

رابعًا: الأساليب:

وقد تجلَّى أسلوب اللين والرفق واللطف في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للأسرى؛ فقد كان يقول لثمامة بن أثال: ((ماذا عندك يا ثمامة؟))، وكان يأمر بتقديم الطعام له، وكان طلب طعامًا كثيرًا حتى يشبع، وكلما طلب طعامًا أطعمه المسلمون.

 

يقول ابن حجر: قوله: فقال: ((أطلقوا ثمامة))، في رواية ابن إسحاق قال: ((قد عفوتُ عنك يا ثمامة وأعتقتك))، زاد ابن إسحاق في روايته أنه لما كان في الأسر، جمعوا ما كان في أهل النبي صلى الله عليه وسلم من طعام ولبن، فلم يقع ذلك من ثمامة موقعًا (أي لم يشبع)، فلما أسلم جاؤوه بالطعام فلم يصب منه إلا قليلًا فتعجَّبوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء، وإن المؤمن يأكل في مِعًى واحد))[6].

 

أي نظام في العالم - غير الإسلام - يحترمُ إنسانية الأسير بعد أن وقع في الأسر، نعم إذا حمي الوطيس، وتراشقتِ الرماح والنبال وسُلَّت السيوف، وانطلقت المدافع، فإن إزهاق الأرواح وتقطيع الأوصال هنا أو هناك، لا لوم فيه ولا مأخذ؛ فهذه طبيعة الحروب، أما وقد وضعتِ الحربُ أوزارها، وأُوقِف إطلاق النار، فمن أخذ أسيرًا من هنا أو من هناك، فإن له شأنًا آخر.

 

فالأمر يختلف عندما يكون عندهم، أما عندنا، فإن الإسلام يأمر بحسن الخلق، ولا يعرف تصفية الحسابات ولا الانتقام، بل إن الإحسان إلى الأسرى طاعةٌ وعبادة من أسمى القربات، واستجابة لوصايا الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، ووصايا النبي صلى الله عليه وسلم لأمته؛ فمما جاء في السيرة، ما رواه ابن إسحاق: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالأسرى فرَّقهم بين أصحابه، وقال: ((استوصوا بالأسرى خيرًا))، يقول أبو عزيز - وهو أخو مصعب بن عمير رضي الله عنه - قد وقع في الأسر: وكنت في رهط من الأنصار، حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غَداءهم وعشاءهم خصُّوني بالخبز، وأكلوا التمر، لوصيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، قال: فأستحيي فأردها على أحدهم، فيردها عليَّ، ما يمسها)[7].

 

إنه لشيء عجيب، ذلك الخُلق العالي، لقد كانوا قبل قليل يتراشقون بالنبال، ويرفع بعضهم السيف على بعض، ثم تراهم الآن - بعد الأسر - يُؤثِر بعضهم بعضًا، لقد صار الأسير بعد أن كان أسير حرب، فقد أصبح أسير الإحسان والمعاملة الحسنة.

 

خامسًا: الوسائل:

إذا كان الإسلام أقرَّ القتال كوسيلةٍ لتأمين الدعوة ولإزالة المعوقات من طريقها، فإن الإسلام أيضًا قد رغَّب في الجنوح إلى السلم كوسيلة لإقرار السلم وإيجاد المناخ المناسب لانطلاق الدعوة السلمية، وإقرار قاعدة: ? لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ? [البقرة: 256]، بعد بيان (الرشد من الغي)، ولقد عرض الإسلام السلمَ على المشركين قبل أن يأمر بقتالهم، ورغَّبهم في الانتهاء عن قتال المسلمين، كما جاء في قوله تعالى: ? قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ? [الأنفال: 38]، ولكنهم أبَوا إلا القتال استكبارًا في الأرض ومكر السيِّئ.

 

ومن الوسائل المعنوية أيضًا التوكُّل على الله تعالى: (وقد سبق الحديث عنها)، وكذلك وسيلة الصبر، فإنها من أنجح الوسائل لبلوغ الأهداف المرجوَّة، غير أن هناك وسائل أخرى جديدة جاء ذكرها في هذا الفصل؛ وهي:

1- التحريض.

2- تأليف القلوب.

3- التفقُّه في الدين.

 

وهذا حديث عنها بإيجاز:

1 - التحريض:

فقد تبيَّن أن التحريض على القتال إنما هو أمان وضمان لعدم الوقوع في التهلكة، وأن الحثَّ والترغيب في القتال للدفاع عن الدعوة وعن الدين، من شأنه أن يظل المسلمون دائمًا في حال استعدادٍ معنوي، بالإضافة إلى الاستعداد المادي، وأن يظل المسلمون في حال ترقُّب لأي اعتداء، لا أن يناموا ويستريحوا، وتتحول اهتماماتهم إلى الدعة والراحة والعيش والركون إلى الدنيا ومتاعها الفاني، فقد قال تعالى: ? قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ? [التوبة: 24].

 

إن التحريض على القتال يمثِّل إحياء روح الجهاد، كما يمثل تكوين العقيدة القتالية، والاستعداد الدائم والحذر المستمر، كما أنه يبعث على الأمل في النصر، فالله تعالى حسيبُ المؤمنين مؤيدهم وناصرهم، وهو يشير كذلك إلى وضوح الفكرة والهدف.

 

2 - تأليف القلوب:

قال تعالى: ? وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ? [الأنفال: 63]، لقد اجتمعَتْ قلوبُ المؤمنين - بفضل الله عز وجل - على التوحيد، وكانتِ الثمرةُ هي الحبَّ في الله وإصلاح ذات البين؛ كما جاء في أول السورة الكريمة، فإن رباط العقيدة هو الذي أزال الشحناء والعداوة، وأشاع الألفة والمودَّة بين المؤمنين، ومن أجل ذلك كانت الأوامر الإلهية بعدم الاختلاف وترك التنازع، كما جاء في قوله تعالى: ? وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ? [الأنفال: 46]، ولقد ألَّف الله تعالى بين القلوب، واجتمعت الكلمة ساعة أن خرجوا وبعضهم كاره، وبعد أن استشارهم النبي صلى الله عليه وسلم وتكلم المهاجرون، ثم تكلم الأنصار، واجتمعَتِ الكلمة وتوحَّدتِ الصفوف، وكان النصر حليف المتحابِّين المتآلفين.

 

ومِن هنا كان على الدعاة أن يبيِّنوا أهمية الحب في الله والتآلف بين المسلمين من أجل جمع الكلمة، وتحقيق قوة المسلمين، والعمل على إزالة الفُرقة والخلاف، فإن الاتحاد قوة والتفرق ضعف، وإذا تآلف المسلمون وتعاونوا فيما بينهم وساند بعضهم بعضًا، أرهبوا أعداءهم، وحسبوا لهم ألف حساب؛ لأنهم إخوة وكيان واحد كالبنيان المرصوص، روى البخاري عن أبي موسى[8] رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ثم شبَّك بين أصابعه))[9].

 

يقول ابن حجر: قوله: (ثم شبك بين أصابعه)، هو بيان لوجه التشبيه، أي: يشد بعضهم بعضًا مثل هذا الشد، ويستفاد منه أن الذي يريد المبالغة في بيان أقواله يمثلها بحركاته؛ ليكون أوقع في نفس السامع[10].

 

إن التوحيدَ الخالص هو الرباط الذي يجمع بين المؤمنين، وهو أساس المحبة، فإذا كان العبد موحدًا لله مخلصًا في توحيده، أحبه الله عز وجل، وإذا أحبه الله تعالى أحبه الناس، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القَبول في أهل الأرض))؛ ذكره البخاري في باب (الْمِقَة من الله تعالى)، يقول ابن حجر: قوله: (المِقَة من الله)؛ أي: ابتداؤها من الله، المِقَة بكسر الميم وتخفيف القاف هي المحبة)[11].

 

ولهذا كانت الألفة والمحبة منَّةً مِن الله تعالى لعباده المؤمنين المخلصين، ولا يستطيع أحد - ولو أنفق مال الدنيا - أن يُؤلِّف بين القلوب حتى يؤلِّف الله تعالى بينها، وإذا تآلَفَتِ القلوب وتحابَّت في الله عز وجل، ذاق المتآلفون المتحابون حلاوةَ الإيمان، روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يجد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى أن يقذف في النار أحب إليه مِن أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما))[12].

 

جاء في المستطرف: (اعلم أن المودَّة والأخوَّة والزيارة سببُ التآلف، والتآلف سبب القوة، والقوة سبب التقوى، والتقوى حصن منيع، وركن شديد بها يُمنع الضيم، وُتنال الرغائب، وتنجح المقاصد، وقد منَّ الله على قوم وذكَّرهم نعمته عليهم بأن جمع قلوبهم على الصفاء، وردَّها بعد الفرقة إلى الألفة والإخاء، فقال تعالى: ? وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ? [آل عمران: 103]، وقد سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإخاء وندب إليه، وآخى بين أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، وقد قيل في الأخوة والصحبة:

 

إنَّ أخاك الصدق مَن يسعى معكْ
ومَن يضرُّ نفسَه لينفعَكْ
ومَن إذا ريبُ الزمانِ صدَّعكْ
شتَّت فيك شملَه ليجمعَكْ

•  •  •  •




وليس أخي مَن ودَّني بلسانِه
ولكنْ أخي مَن ودَّني وهْوَ غائبُ
ومَن مالُه مالي إذا كنتُ مُعدِمًا
ومالي له إِنْ أعوَزَتْهُ النَّوائِبُ

•  •  •  •

وقيل:

وما المرءُ إلَّا بإخوانِه *** كما يقبض الكفُّ بالمعصمِ

•  •  •  •

وإنَّ قليلًا ألفُ خلٍّ وصاحبٍ *** وإنَّ عدوًّا واحدًا لكثيرُ

 

وقد قيل في قلَّة الإخوان وندرة الصديق:

سمِعنا بالصَّديقِ ولا نراهُ
على التحقيقِ يوجدُ فِي الأنامِ
وأحسَبُه محالًا نمَّقُوه
على وجهِ المجازِ مِن الكلامِ

 

وقيل:

إذا ما كنتَ متَّخِذًا خليلًا
فلا تأمَنْ خليلَكَ أن يَخُونَا
فإنَّك لم يَخُنْكَ أخٌ أمينٌ
ولكنْ قلَّما تلقى أمينَا)[13]

 

ولاختلاف الأهواء والطبائع، وتضارب الأهداف والمصالح، فإنه لا يقدر على تأليف القلوب إلا الله عز وجل، فاللهمَّ ألِّفْ بين قلوب المسلمين، آمين.

 

3- التفقُّه[14] في الدين:

تبيَّن مما سبق أن التفقُّه في الدين كان مكملًا لقلة العدد، فلقد وصف الله تعالى المشركين بأنهم قومٌ لا يفقهون، فهم لا يُقاتلون مِن أجل هدف ذي قيمة، إنهم يقاتلون بطرًا ورياءً وسمعة، أو يقاتلون حمية وعصبية.

 

أما المؤمنون، فهم يقاتلون في سبيل الله، لإعلاء الحق وإحقاقه، ولإزالة الباطل وإبطاله، والمؤمنون يُقاتلون مِن أجل جنة عرضُها السماوات والأرض، والمشركون يقاتلون من أجل إرضاء هُبَل وما نَحَتَتْ أيديهم، قال تعالى: ? الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ? [النساء: 76]، وعلى هذا فالفقه يُعدُّ عنصرًا من عناصر القوة، وعاملًا من عوامل التفوُّق، وسببًا من أسباب النصر، وأدعى إلى جمع الكلمة وتأليف القلوب، على أن التفقه في الدين ليس هو المراد وحده، بل التفقه في جميع فروع العلم النافع؛ كعلم الحروب وفن القتال، وعلم المعادن والصناعات، وغير ذلك.




[1] الواقعية: لغة: وقع: سقط، وقع الحق: ثبت، وقع الكلام في نفسه: أثر فيها، والواقعية في الفلسفة: مذهب يقدم الأعيان الخارجية على المدركات الذهنية، والواقعية في الأدب: مذهب يعتمد على الوقائع، ويُعنَى بتصوير أحوال المجتمع على ما هو عليه - المعجم الوجيز - مجمع اللغة لعربية، ص678، طبعة وزارة التربية والتعليم، وانظر: رسالة التدرج للباحث، ص 187.

[2] انظر: الخصائص العامة للإسلام، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، ط5، 1999، ص144 - وأصول الدعوة، د. عبدالكريم زيدان، ص 71.

[3] ومنهم أبو عزة عمرو بن عبدالله بن عثمان بن أهيب بن حذافة بن جمح، كان محتاجًا ذا بنات، فكلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، لقد عرَفت ما لي من مال، وأني لذو حاجة، وذو عيال، فمُنَّ عليَّ، فمَنَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ عليه ألَّا يُظاهر عليه أحدًا، فقال أبو عزة يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ومَن مُبلِغ عنِّي الرسولَ محمدًا
بأنك حقٌّ والمليكُ حميدُ
وأنتَ امرؤٌ تدعو إلى الحقِّ والهدى
عليكَ مِن الله العظيمِ شهيدُ
فإنَّك مَن حارَبْته لمحاربٌ
شقيٌّ ومَن سالَمْتَه لسَعيدُ

انظر: السيرة النبوية لابن هشام، ج2، ص 225، (فقد ذكر الذين أخلى سبيلَهم من غير فداء).

[4] السيرة النبوية لابن هشام، ج2، ص 217.

[5] انظر: كتاب حقوق الإنسان العالمية، للمؤلف: جاك دونللي ترجمة مبارك علي عثمان، مكتبة الأسرة، 2006، ص 69، ويقول المؤلف - عن بعض الباحثين - إنه لا توجد ترجمة لحقوق الإنسان في المؤلفات الإسلامية المقدسة، غير أنها تقع في قلب التعاليم الإسلامية، ويقول الباحث: الحقوق القانونية مصدرها القانون، والحقوق التعاقدية من العقود، وهكذا فإن حقوق الإنسان هي الطبيعة الأخلاقية للإنسان، أي: إنَّها تنبع من الكرامة المتأصلة في الشخصية الإنسانية، ص 29 (ذات المرجع).

[6] فتح الباري، ج8، ص 72.

[7] السيرة النبوية، لابن هشام، ج2، ص213.

[8] هو أبو موسى الأشعري، عبدالله بن قيس بن سليم، أسلم بمكة وهاجر إلى الحبشة، ثم قدِم مع أهل السفينتينِ، بعثه مع معاذ بن جبل إلى اليمن ليعلما الناس القرآن، توفي سنة 52 هـ، ودفن بمكة، وقيل: دفن بالثوية على ميلينِ من الكوفة.

[9] فتح الباري، ج10، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا، ص 396.

[10] المرجع السابق، ص 379، باب: المِقَة من الله.

[11] المرجع السابق، قال ابن حجر: (وقد وَمِق يَمِق، والأصل الوَمْق، والهاء فيه عِوَض عن الواو، فالمِقَة من الله...، والصِّيت من السماء، فما من عبدٍ إلا وله صيت في السماء، فإن كان حسنًا وضع في الأرض، وإن كان سيئًا وضع في الأرض.

[12] المرجع السابق، ص 380.

[13] المستطرف في كل فن مستظرف، ص 130 - 134.

[14] الفقه: الفهم، وقد فقِه الرجل بالكسر فقهًا، ثم خص به علم الشريعة، والعالم به فقيه، وقد فقُه (بضم القاف)؛ أي صار فقيهًا، وفاقَهه؛ أي باحثه في العلم؛ مختار الصحاح، مادة (ف ق هـ).


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook