المواقع الأثرية القديمة بمنطقة الجوف في المملكة العربية السعودية

الكاتب: ولاء الحمود -
المواقع الأثرية القديمة بمنطقة الجوف في المملكة العربية السعودية

المواقع الأثرية القديمة بمنطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.

 
تميز عدد كبير من الحواضر والمواقع الأثرية في منطقة الجوف باستمراريتها خلال العصور القديمة والإسلامية سيتم تناولها مرة واحدة من خلال استعراض الفترة القديمة ثم الفترة الإسلامية، أما تلك المواقع التي تعود إلى فترة واحدة فسوف يتم تناولها حسب عصورها.
 
أ - إثرة:
 
تقع بقايا بلدة إثرة القديمة على مسافة 25كم شمال غرب مدينة القريات وتعد من أهم الحواضر التي ازدهرت في شمال وادي السرحان خلال العصور القديمة السابقة للإسلام، وبالنظر إلى حجم بقايا المدينة القديمة التي تمتد إلى عدة مئات من الأمتار طولاً وعرضًا وبقايا المواقع الأثرية التي تنتشر في أرجائها، ومن أبرزها: القصر النبطي الذي لا تزال مبانيه قائمة بارتفاع طابقين، فإن كل تلك الدلائل تؤكد أن المدينة كانت مركز ثقل سكاني وحاضرة مهمة تحكمت في طريق التجارة الذي يمتد عبر وادي السرحان باتجاه جنوب بلاد الشام.
 
يعود تاريخ الاستيطان بالموقع إلى فترات تسبق الإسلام؛ فقد تم اكتشاف أقدم الأدلة الأثرية إلى الجنوب من موقع إثرة، والعثور فيها على مدافن قديمة تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، إلا أن المواد الأثرية المكتشفة بالموقع تعود إلى نهاية الألف الأول قبل الميلاد، وتحديدًا إلى العصر النبطي، إذ تؤكد معظم الآثار المنتشرة في البلدة أن فترة العصر النبطي تُعد أهم عصور المدينة وأزهاها. وبعد سقوط الدولة النبطية في بداية القرن الثاني الميلادي تأثرت اقتصاديات المدينة؛ بسبب الخلل الاقتصادي الذي نتج من سقوط البتراء، وتخلخل حركة القوافل التجارية، وفقدان المدينة دورها الرقابي على حركة القوافل النبطية، حيث يعتقد أن الأنباط اتخذوا من إثرة مركز تحكم وسيطرة على تجارتهم بين جنوب الجزيرة العربية، ومدينة بصرى في منطقة حوران.
 
وفي الفترة من 106م إلى بداية العصر الإسلامي عاشت المدينة وسكانها تحت النفوذ البيزنطي في بلاد الشام، بل إن تجارة الملح التي كانت من أبرز اقتصاديات المدينة أسهمت في ازدهار المدينة خلال هذه المرحلة من خلال التبادل التجاري الذي يتم مع أسواق بصرى وغيرها من أسواق بلاد الشام. كذلك استمرت المدينة مزدهرة خلال العصور الإسلامية المختلفة، حيث تدل بقايا موقع الرسلانية في الجزء الشمالي من موقع بلدة إثرة على بقايا أثرية تعود إلى العصرين: الأموي والعباسي  
 
يحتوي موقع إثرة على آثار مطمورة تمثلت في بقايا البلدة القديمة التي تمتد إلى معظم أرجاء الموقع الحالي، كما يحتوي على آثار شاخصة، أبرزها: قصر حجري يسمى القصر النبطي  ، وقصر أم قصير، وقصر الرسلانية، وبقايا منشآت مائية تتكون من آبار، وقنوات مائية مشيدة من الأحجار 
 
وعلى مسافة 200م شرق القصر النبطي توجد بقايا تل أثري تتخلله أساسات حجرية ويسمى هذا التل قصر أم قصير، وقد تعرض لعمليات جرف حديثة أدت إلى إزالة جزء كبير من مكوناته المعمارية، إلا أن البقايا المعمارية تشير إلى أن هذا الجزء من البلدة يتكون من مجموعة من المباني الحجرية، ربما كانت تشكل منطقة سكنية مستقلة، وقد ذكر وينت   أن موقعًا باسم رأس العاينة تنطبق عليه أوصاف هذا الموقع، ومن أهم معالمه مبنى قديم مساحته 20×18م تظهر أساساته الحجرية على السطح؛ وهو سور مستطيل يحيط بغرفة مستطيلة تقع داخله، ويعتقد أنه بقايا مبنى ديني، وقد أرخ للعصر النبطي بناء على الفخار المنتشر داخل المبنى  
 
تنتشر داخل موقع إثرة منشآت مائية تتكون من عدد من الآبار ذات الفوهات الواسعة والمطوية بالأحجار البازلتية المقطوعة. كذلك يظهر على سطح الموقع عدد من فوهات القنوات الأرضية التي تظهر على مسافات شبه متقاربة؛ ما يشير إلى أن هناك نظام قنوات أرضية يغطي معظم مساحة الموقع  ،  وتؤكد هذه الأنظمة المائية وجود نشاط زراعي كثيف ومستمر في البلدة خلال عصورها المختلفة، خصوصًا فترة العصر النبطي الذي شهد نشاطًا عمرانيًا واقتصاديًا كبيرًا، كما تدل على ذلك بقايا الآثار النبطية في الموقع، وربما يؤرخ جانب من هذه الأنظمة المائية لتلك الفترة المهمة، حيث شهدت إثرة اهتمامًا كبيرًا من قِبل الأنباط؛ نظرًا لتحول تجارتهم عبر وادي السرحان باتجاه مركزهم التجاري في بصرى الشام  
 
الموقع الإسلامي في إثرة:
 
تُعد إثرة واحدة من واحات شمال الجزيرة العربية التي استمر الاستيطان فيها حتى العصر الحديث قبل أن تنكمش وتتمدد تبعًا للظروف السياسية والاقتصادية التي مرت بها. ويتركز الموقع الإسلامي بإثرة في المنطقة الشمالية من موقع الرسلانية، وهي تنحصر بين سفح جبل الرسلانية شمالاً وبقايا البلدة القديمة وبساتين النخيل جنوبًا، ويتوسط الموقع بقايا منـزل ومسجد صغير شيد من حجر البازلت والطوب اللبن، وهما من المباني الإسلامية المتأخرة، وربما شيدا فوق طبقات أثرية إسلامية. يعرف الجزء الشمالي من موقع الرسلانية بقصر خراب نسبة إلى بقايا مبنى خرب لا تزال بقاياه قائمة، أما الجزء الأوسط من الموقع فيعرف بقصر الرسلانية، وتشغل معظمه مزرعة العجاج التي يوجد بها عدد من الحجرات الطينية ذات الأساسات الحجرية، بالإضافة إلى بقايا عين ماء قديمة تتصل بها قنوات أرضية. 
 
تنتشر على سطح هذا الموقع كسر من الفخار والخزف الإسلامي المبكر التي يرجع تاريخها إلى العصرين: الأموي والعباسي، ويعتقد أن البلدة أصبح لها شأن خلال العصر الأموي؛ لقربها من مركز الخلافة الأموية في دمشق، ولوقوعها على مسالك طرق الحج والتجارة التي تربط بلاد الشام بوسط الجزيرة العربية وشمال غربها، خصوصًا الحجاز  
 
ب - الحديثة:
 
تقع الحديثة إلى الشمال الغربي من مدينة القريات، وتبعد عنها قرابة 20كم فيما تقع نقطة الحدود السعودية الأردنية على مسافة 5كم إلى الغرب منها. عرفت الحديثة في المصادر الإسلامية باسم (المحدثة) وهو الاسم القديم الذي يُعتقد أن الحديثة محوَّر عنه. يعود تاريخ الاستيطان بالموقع إلى عصور ما قبل الإسلام، وقد استمر بصورة متصلة حتى العصر الحديث، وتضم القرية الحالية بقايا بيوت طينية مهجورة ومبنى حجريًا شُيّد عام 1371هـ / 1952م في عهد الملك عبدالعزيز، - رحمه الله - وقد استخدم المبنى المذكور مقرًا لإمارة الحديثة  التي كانت في تلك المرحلة المنفذ الحدودي المعتمد، ولم تهجر إلا في عام 1393هـ / 1973م عندما شُيّد المركز الحدودي الحديث على مسافة 5كم إلى الغرب منها  
 
وطبقًا للدراسات الآثارية فقد استغل الموقع القديم في الوقت الحاضر؛ حيث وجدت وسط البلدة الحديثة بقايا منشآت مائية، أهمها: قنوات ري قديمة محفورة تحت مستوى أرض الموقع، ويظهر على سطحه عدد من فتحات القنوات (الخرز) التي شيدت بأحجار بازلتية على هيئة مستديرة  ، وقد استخدمت هذه الفتحات لصيانة القنوات واستخراج المياه من خلالها، بالإضافة إلى تلك القنوات هناك عدد من الآبار القديمة التي تنتشر في الجزء الأوسط القديم من الموقع، وهي مطوية بالأحجار البازلتية المنحوتة التي تشبه الأحجار المستخدمة في بناء القنوات والفتحات؛ ما يؤكد أنها جميعًا تعود إلى الفترة الحضارية نفسها، وهي عمومًا سابقة لاستخدام الموقع في العصر الحديث، فوجود القنوات والآبار التي تتخلل منازل البلدة، بالإضافة إلى وجود عدد من المدافن القديمة على الحافة الجنوبية الغربية للموقع تشير إلى تزامن هذا الموقع مع موقع إثرة الذي لا يبعد عنه سوى 20كم  
 
ج - دومة الجندل: 
 
تقع دومة الجندل إلى الجنوب الغربي من مدينة سكاكا - المركز الإداري لمنطقة الجوف، وعلى مسافة 45كم منها، وهي واحدة من أهم الحواضر القديمة في شمال الجزيرة العربية. وقد أسهمت عدة عوامل في ازدهارها خلال عصورها القديمة والإسلامية، وأبرز تلك العوامل: موقعها المتوسط بين حضارات الشرق الأدنى القديم، حيث شكل موقعها بالقرب من العراق، وبلاد الشام، ومنطقة الحجاز عاملاً مهمًا في سيطرتها على حركة التجارة من وإلى داخل الجزيرة العربية، بالإضافة إلى كونها أهم المراكز الحضارية للقبائل العربية في شمال الجزيرة العربية، فضلاً عن خصائصها المحلية التي من أهمها: وفرة المياه، والأرض الصالحة للزراعة، والمراعي الجيدة التي تحيط بها. كل تلك العوامل إلى جانب اتصالها بالحضارات المجاورة مكّن دومة الجندل من تأدية دور رئيس في حركة التحضر، حيث تشهد على ذلك المواقع الأثرية المنتشرة داخل حدود المدينة وفي محيطها  
 
بزغ نجم مدينة دومة الجندل على مسرح الأحداث بصورة لافتة للنظر خلال النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد، حيث قدمت لنا السجلات المدونة لملوك آشور وبابل معلومات مهمة جدًا عن المدينة ودورها في الحياة السياسية والاجتماعية في شمال جزيرة العرب، فقد أشارت حوليات الملك الآشوري سنحريب 705 - 681 ق.م إلى أن ملك آشور قام عام 688 ق.م بحملة عسكرية ضد مملكة دومة الجندل؛ حيث دخل المدينة وخربها، ونقل آلهتها المحلية إلى نينوى بالعراق، وكذلك فعل كل من الملك أسرحدون 680 - 669 ق.م والملك آشور بانيبال 668 - 626 ق.م أما في القرن السادس قبل الميلاد؛ فقد خضعت المدينة لسلطة الملك البابلي نبونيد 555 - 539 ق.م الذي استولى على دومة الجندل قبل استيلائه على تيماء واتخاذها عاصمة له مدة عشرة أعوام؛ ما يعني أن المدينة خضعت خلال فترة وجود نبونيد في تيماء للحكم البابلي المباشر  
 
وفي نهاية الألف الأول قبل الميلاد نشطت حركة التحضر في المدينة تزامنًا مع ازدهار حركة تجارة القوافل بين الجزيرة العربية، وبلاد الشام، والعراق، ومصر، ونظرًا للموقع المتميز للمدينة فقد كانت محط أنظار القوى السياسية في جنوب الجزيرة العربية وشمالها. إن فترة الازدهار الرئيسة التي شهدتها المدينة خلال العصر النبطي جعلت من دومة الجندل واحدة من مراكز تجارة القوافل، ومحطة رئيسة لمراقبة حركة التجارة؛ ما انعكس على وضع المدينة العمراني والحضاري، ويعتقد أن كثيرًا من المباني الأثرية الشاخصة والمطمورة تعود إلى هذه المرحلة الحضارية المهمة  
 
وبعد سقوط دولة الأنباط أصبحت دومة الجندل مركزًا لكثير من القبائل العربية التي نـزحت من جنوب بلاد الشام إلى شمال الجزيرة العربية حسب بعض النقوش النبطية المتأخرة في منطقة الجوف التي تؤكد استمرار الحضارة والثقافة النبطية في المنطقة خلال الفترة التي أعقبت سقوط الدولة النبطية. وقد أسهمت تلك الظروف في بروز دومة الجندل بوصفها سوقًا تجارية موسمية تفد إليها القبائل العربية من مختلف مناطق الجزيرة العربية حتى أصبحت سوقها واحدة من أهم أسواق العرب في الفترة التي سبقت الإسلام  
 
تحتوي دومة الجندل على بقايا أثرية شاخصة ومطمورة تعود إلى مختلف الفترات الحضارية، وقد استمر بعض تلك الآثار مستخدمًا في كل الفترات، وأبرز هذه الآثار: قلعة مارد التي شيدت قبل القرن الأول قبل الميلاد، واستمر استخدامها حتى العصر الحديث.
 
1 - البلدة القديمة:
 
تتركز بقايا البلدة القديمة في المنطقة المتاخمة لقلعة مارد من الجهات: الغربية والشمالية والشرقية  ، وعلى الرغم من أن معظم المباني القائمة عدا قلعة مارد، تعود إلى الفترة الإسلامية، إلا أنها تقوم فوق مدينة أقدم منها تعود إلى عصور مختلفة تسبق العصر الإسلامي، وقد أجريت في مواضع مختلفة من البلدة القديمة أعمال حفر محدودة في المنطقة الواقعة شرق القلعة، وفي المنطقة الملاصقة للقلعة من الجهة الغربية، وبالقرب من مئذنة مسجد عمر، وداخل حي الدرع، وقد أظهرت نتائج تلك الحفريات وجود طبقات أثرية تعود إلى عدة مراحل حضارية تسبق العصر الإسلامي، حيث وجد في الطبقات السفلى في المجس الذي حفر داخل حي الدرع عدد من كسر الفخار المدهون الذي يؤرخ لمنتصف الألف الأول قبل الميلاد، وتعدُّ هذه الكسر حتى الآن أقدم الأدلة الأثرية في المناطق التي تم الحفر فيها. كذلك كشف المجس الذي حفر بالقرب من مئذنة مسجد عمر والآخر الذي حفر أسفل قلعة مارد من الجهة الغربية، عن وجود أساسات حجرية لأعماق تصل إلى أكثر من ثلاثة أمتار وعلى مادة أثرية تعود إلى العصر النبطي  
 
ووجد نقش نبطي على حجر استخدم في بناء أحد الجدران داخل حي الدرع  ، وهذا النقش هو شاهد قبر كتب بالخط النبطي يؤرخ لفترة حكم الملك الحارث الرابع النبطي  .  وهناك شواهد تدل على نقله من موقعه الأصلي وإعادة استخدامه في فترة لاحقة؛ ما يؤكد أن معظم المباني القديمة في دومة الجندل أعيد استخدام أحجارها في مراحل لاحقة. كذلك عثرت وكالة الآثار والمتاحف أثناء عمليات ترميم قلعة مارد على مواد أثرية نبطية، وأحجار منحوتة ذات طابع روماني، أبرزها: رأس تمثال محفوظ الآن في متحف الآثار والتراث الشعبي بدومة الجندل، إلا أن بقايا قلعة مارد تظل أهم الآثار الشاخصة التي تعود إلى عصور ما قبل الإسلام، وقد أثبت المجس الذي حفره المعيقل عام 1406هـ / 1986م داخل القلعة وجود طبقات ومواد أثرية تعود إلى فترات ما قبل الإسلام، فقد ظهرت في الطبقات الأثرية العليا، أرضيات مرصوفة بمكعبات الفسيفساء باللونين الأحمر والأبيض الباهت على هيئة مربعات متعاقبة، وتعود هذه الأرضيات إلى فترة ما قبل الإسلام، ربما القرن الخامس - السادس الميلادي، وهي الفترة التي ارتبطت فيها دومة الجندل وحكامها بالسلطة البيزنطية في بلاد الشام، ومن هنا ربما جاء التأثير باستخدام الفسيفساء في الأرضيات. أما الطبقات الأثرية السفلى التي امتدت حتى عمق 3.20م فقد أظهرت جدرانًا حجرية وأرضيات من القرميد والأحجار، واحتوت على مواد أثرية، أبرزها: فخاريات نبطية مماثلة لما وجد في المجسات في أجزاء المدينة الأخرى  
 
استمر استخدام قلعة مارد في مختلف العصور، ولم تهجر إلا في العصر الحديث؛ ما أدى إلى تعرضها لأعمال ترميم وإضافة، إلا أن أساسات القلعة خصوصًا في الجزء الجنوبي الشرقي الذي يضم مدخل القلعة تعد أقدم أجزاء القلعة إلى جانب بقايا الجدار الغربي الذي ما زالت بقاياه قائمة بارتفاع 17م. أما الأجزاء العلوية من الجدران والأبراج، فهي تعود إلى مرحلة لاحقة، وقد استطعنا تحديد خمس مراحل بناء مرت بها القلعة أقدمها يعود إلى العصر النبطي وأحدثها الأجزاء الطينية العلوية في الأبراج والجدران التي تعود إلى مرحلة إعادة ترميم القلعة في الفترة بين 1338 و 1340هـ / 1920 و 1922م  
 
2 - موقع الصنيميات:
 
يتكون هذا الموقع من عدد من التلال الأثرية الصغيرة تقع في الجزء الشمالي الغربي من دومة الجندل وهي متباعدة، وتتخلل المساكن الحديثة، بل إن بعضها وجد داخل ساحات بعض المنازل. في عام 1405هـ / 1985م قام فريق من وكالة الآثار والمتاحف بحفر ثلاثة من تلك التلال، واستكمل العمل في السنة التالية؛ حيث كشفت أعمال الحفر عن أن الموقع يتكون من مقابر جماعية مشيدة بالأحجار، ويعتمد تخطيطها على جدران متوازية شُيّدت في منخفض صناعي محفور، وقد استخدمت المساحة التي تفصل الجدران بعضها عن بعض لدفن الموتى، وقد تكرر هذا النمط المعماري في التلال الثلاثة المحفورة  
 
وقد عثر داخل تلك المقابر على كميات كبيرة من العظام الآدمية تختلط بها مواد أثرية منوعة، أبرزها: المواد الفخارية، والزجاج، والخرز، والمسكوكات النبطية والرومانية، ومجموعة من الحلي الذهبية.
 
عُرف هذا النمط من المقابر خلال العصر النبطي، وقد وجد في عدد من المواقع، وبخاصة في موقع ممبسس (Mampsis) بصحراء النقب بفلسطين. إلا أن مقابر الصنيميات استخدمت في فترتين مختلفتين: الفترة النبطية، والفترة التي توازي العصر الروماني المتأخر (القرن الثاني - الثالث الميلادي)؛ لأن المواد الأثرية المكتشفة تعود إلى هاتين الفترتين، فقد وجدت مسكوكات نبطية تؤرخ إحداها لفترة حكم الملك النبطي الحارث الرابع 9 ق.م - 40م، أما المسكوكات الرومانية  فتؤرخ إحداها إلى سنة 118م. وهذا يشير إلى أن المقابر استمر استخدامها أو أنه أعيد استخدامها في فترة القرن الثاني الميلادي  ؛  ما يؤكد أن دومة الجندل استمرت بعد سقوط البتراء في سنة 106م، واستطاعت أن تتعايش مع الوجود الروماني في بلاد الشام طبقًا لاكتشاف نقش لاتيني في دومة الجندل يتحدث عن مهمة قام بها الفيلق الثالث الروماني في دومة الجندل، ويعود تاريخ هذا النقش إلى فترة حكم الإمبراطورة سبتموس سايروس وكاركلا 197 - 211 ق.م ما يؤكد اهتمام الرومان بدومة الجندل وتأمين حركة تجارة القوافل عبر وادي السرحان  
 
3 - أسوار دومة الجندل: 
 
تتميز مدينة دومة الجندل بتحصيناتها، إذ كان يحيط بها سور ضخم يمتد عدة كيلومترات وتبعد أقصى نقطة لهذا السور من مركز المدينة مسافة 2كم تقريبًا، أما الأجزاء المتبقية منه فتقع في الجزء الغربي وجانب من الجزء الشمالي من المدينة في حين اختفت أسوار المدينة في الأجزاء الجنوبية والشرقية؛ وربما كان ذلك بسبب تمدد المدينة العمراني باتجاه الجنوب، وتوسع الرقعة الزراعية باتجاه الشمال والشرق. تتركز بقايا السور في منطقة المرتفع الصخري الذي يحف بالمدينة من جهة الغرب، حيث تظهر على قمة ذلك المرتفع بقايا جدران السور التي تنحدر باتجاهين نحو الشمال لتحيط بالمدينة من ضلعها الغربي ونحو الشمال الشرقي باتجاه أطراف المدينة الجنوبية الغربية. وفي سنة 1405هـ / 1985م قام فريق من وكالة الآثار والمتاحف بإجراء أعمال تنقيب في الجزء الغربي من السور، كشفت عن أجزاء من سور المدينة الذي شُيّد بالأحجار، ودعمت واجهته الغربية بأبراج مربعة صغيرة، أُضيف إليها أبراج مربعة كبيرة في مرحلة لاحقة، حيث يبلغ سمك الجدار الحجري للسور مترًا واحدًا، وترتفع بعض أجزائه نحو خمسة أمتار  ،  ولم تحدد التقارير المنشورة عن هذا العمل الفترة الزمنية التي شيد فيها السور، إلا أن دراسة المواد الأثرية المنتشرة على سطح الموقع في منطقة السور تشير إلى الفترة النبطية التي ظهرت أدلتها في مواقع أخرى من دومة الجندل سواء في البلدة القديمة، أو داخل قلعة مارد، وترجع نسبة هذا السور إلى العصر النبطي؛ لأن هناك احتمالاً يشير إلى أن هذه التحصينات الضخمة شيدت في مرحلة ازدهار المدينة الاقتصادي، وعلى يد سلطة سياسية قوية عملت على تحصين المدينة وحمايتها، عندما تحولت إلى مركز تجاري مهم كان يسيطر على طرق قوافل التجارة التي كانت تعبر وادي السرحان باتجاه بلاد الشام، ووادي الرافدين، ولأن الدراسات التي تمت في الموقع أكدت أن أهم الفترات الحضارية في تاريخ المدينة هي الفترة النبطية، فإن نسبة هذه الأسوار إلى الفترة المذكورة؛ ربما تحتاج إلى أن تؤكدها الأعمال الأثرية المستقبلية  
 
شارك المقالة:
251 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook