النبي صلى الله عليه وسلم معلما

الكاتب: المدير -
النبي صلى الله عليه وسلم معلما
"النبي صلى الله عليه وسلم معلمًا




قُمْ للمعلم وفِّه التبجيلَا ??? كاد المعلمُ أن يكون رسولَا

تتزيَّن به كل مدرسة، ويتعطَّر به كل محراب، وتتقلَّد به كل جامعة، بيت من الشعر، لم يأتِ من فراغ؛ فقد كان الرسول الكريم والنبيُّ العظيم هو المعلمَ الأول من البشر، لكن الذي علَّم الأنبياء والملائكة هو الله تعالى: ? وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ? [البقرة: 31].

 

ساءت الأخلاق، وضاقت الأرزاق، وضاعت الأذواق، وضلَّت الأسواق؛ لذلك فالأمة في حاجة ماسة إلى معلم من الطراز الرفيع، الأمة في حاجة ماسة إلى عودة الأخلاق الحسنة والآداب الرفيعة والقيم العالية، ولن يتحقَّق ذلك إلا بالعودة إلى النَّبع الصافي، والدواء الشافي، والعلم الكافي؛ كيف؟ ? لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ? [آل عمران: 164].

 

بعد الضلال المبين كانت التزكية والحكمة؛ عن طريق التعليم من الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، كان يعلمهم الكتاب الحكمة ويزكيهم ويطهرهم، ويقرأ القرآن عليهم، وكانت دارُ الأرقم بن أبي الأرقم المدرسةَ الإسلامية الأولى، كان المسلمون يَصِلون إلى هذه الدار سرًّا، اجتمعوا في هذه الدار، وتلقَّوُا العِلم من الرسول لعدة سنوات، ولا يعلم بهم أحدٌ غيرهم، رغم أن الدار كانت في وسط مكة؛ كانوا يَصِلون إليها في غاية الخفاء، وقد كانوا أشتاتًا؛ حرًّا وعبدًا، شريفًا ووضيعًا، أبيضَ وأسود، صغيرًا وكبيرًا، تخرجوا في هذه الدار عظماءَ، كيف؟ تعلموا دينَهم، وأطاعوا ربَّهم، واتبعوا نبيَّهم، وسلكوا طريقهم، وسطَّروا مجدهم... جيل الصحابة الأطهار وأئمة الهدى الأبرار، ? وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ? [الأنبياء: 73].

 

كانوا يعرضون مشاكلَ الدعوة على الرسول، وينتظرون جواب الله عنها في لهفة وشوق؛ فكان الجوابُ ينزل من السماء على قلب المعلم الأول قرآنًا غضًّا طريًّا، كانوا يَخرجون بعد كل درس من هذه المدرسة الفريدة ورؤوسُهم تُطاول السماء عظمةً وعزة، سعادة وفرحة، وظهورهم تنوء بالحمل الثقيل الذي حملوه من أمانة الدعوة والتبليغ.

 

نوَّع النبي الكريم في أساليب العرض، واستحدث طرقًا للتدريس، فكان صلى الله عليه وسلم يُحدِّث أصحابه وهو جالس أحيانًا، وهو واقف أحيانًا، وهو متَّكئ أخرى؛ كما جاء في الحديث: ((ألا أدلُّكم على أكبر الكبائر؟)) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((الشركُ بالله، وعقوقُ الوالدين)) وكان متَّكئًا فجلس، فقال: ((ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور...))؛ الحديثَ.

 

وكان صلى الله عليه وسلم واسعَ الصدر في التعليم؛ لم يُعنِّف سائلًا قطُّ لسؤاله، ولا معترضًا قطُّ لاعتراضه؛ فقد كان يسأل ويناقش، ويُغلَّظ عليه أحيانًا في المسألة، وكل هذا وهو حليم واسع الصدر، وكان يأتيه الأعرابي الجاهل فيبولُ في المسجد، فيقع الصحابة به، فيقول لهم: ((لا تُزرِموه، دَعوه حتى يُتمَّ بولَه)) فتركه ليكمل بوله في المسجد، ثم يُعلِّمه أن هذا لا يجوز؛ لأن المسجدَ مكانٌ وضع لعبادة الله والصلاة.

 

وصلَّى معه أعرابي مرةً فعطس أحدُ الصحابة، فقال له الأعرابي: يرحمُك الله فنظر الصحابي إليه أن اسكت، فصرخ الأعرابي بأعلى صوته قائلًا: وا ثُكلَ أمَّاه! ما لكم تنظرون إليَّ هكذا؟!، وبعد أن انتهتِ الصلاةُ تبسَّم له الرسول صلى الله عليه وسلم، وناداه وعلَّمه، فقال الأعرابيُّ: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: ((لقد حجَّرت واسعًا))؛ أي: ضيَّقت رحمةَ الله وهي واسعةٌ تسع كلَّ مؤمن، وخرج الأعرابي وهو يقول: بأبي هو وأمي، ما رأيت معلِّمًا قطُّ أرحمَ منه! فوالله ما ضربني ولا شتَمني ولا كهَرني، ولكن قال لي: ((إن هذه الصلاةَ لا يصلحُ لها شيء من كلام الناس)).

 

وكان صلى الله عليه وسلم يستخدم وسيلةَ الإيضاح المناسبة؛ فكان يستخدم يديه وتعبيرات وجهه - في غير تمثيلٍ أو اصطِناع - وكان يرسم ما يريد أحيانًا على الأرض؛ كما رسم لهم صراطَ الله كخطٍّ مستقيم، وسُبلَ الشيطان بخطوط معوجَّة، وكما رسم لهم مربعًا، وقال: ((هذا أجَل الإنسان)) ورسم دائرة في وسطه وقال: ((هذا هو ابن آدم)) ورسم دائرة خارجةً من المربع، وقال: ((هذا أمَلُه)) ورسم خطوطًا معترضة بين الدائرة الوسطى (الإنسان) وبين الدائرة الخارجة (الأمل)، وقال عن هذه الخطوط: ((هذه الأعراض))؛ أي: المشاكل والحوادث التي تعرض للإنسان قبل الأجَل، ويريد بهذا صلى الله عليه وسلم أن يصوِّر أن الإنسانَ يموت قبل أن يصلَ إلى مراده وأمله، فصوَّرها بصورةٍ حسية عجيبة.

 

وفي موقف آخرَ غَضِب صلى الله عليه وسلم على أسامةَ بن زيد لما عَلِم أنه قتل رجلًا في الحرب بعد أن قال: لا إله إلا الله، قائلًا له: ((هلَّا شقَقتَ عن قلبه))؛ ردًّا على قول أسامة: إنما قالها خوفًا.

 

وهكذا - مِن دار الأرقم، ومع أفضل معلِّم - اصطفاهم اللهُ تعالى لخدمة دينه، واختارهم لصحبة نبيه، هذا الجيل الفريد أنار الدنيا بفهم القرآن، وزيَّن الكون بروائع الإيمان، وحجز لنفسه قصورًا في الجنة بطاعة الرحمن، وخلَّف إرثًا رائعًا لبني الإنسان!

 

نعم كانوا أفضلَ أهل الأرض من البشر، إيمانًا وإحسانًا، شجاعة وإقدامًا، عطاء وإشراقًا، صفاء نفوس، ونقاء سريرة، وحسن سلوك، وزهادة في الدنيا، ورغبة في الآخرة، إقبالًا على الله، بذلًا للنفس والنفيس، وتضحية بكل شيء في سبيل الله عز وجل، هؤلاء الذين أخلصوا لله نواياهم، وصفوا لله سرائرهم، وترفَّعت عن الدنيا هِممهم، وذهبوا عن المتاع المبذول والأمان المتاح، علموا الدنيا العفة والكرامة، السمع والطاعة، الشفافية والنزاهة!

 

لذلك؛ لقب خاتم النبيين بالصادق الأمين قبل البعثة وبالرؤوف الرحيم بعدها، وكان قرآنًا يمشي على الأرض بعد البعثة، أخمد الفتنة يوم وضع الحجر، وكان يحمل الكلَّ، ويقري الضيف، ويكسب المعدوم، ويُعين على نوائب الحق صلى الله عليه وسلم.

 

إن حاجة العالم إلى النبي المعلم صلى الله عليه وسلم – الآن - حاجة المريض إلى الشفاء، والعطشان إلى الماء، والعليل إلى الدواء، والنظر تتمنَّاه العين العمياء.

 

إن اللهَ ربَّى محمدًا ليُربِّي به العرب، وربى العرب ليُربِّي بهم الناس أجمعين، يا ليت العرب يعرفون رسالتَهم، ويحسنون مسؤوليتهم، ويدركون ما لهم وما عليهم!


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook