النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بالعمل بالقرآن

الكاتب: المدير -
النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بالعمل بالقرآن
"النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُوصِي بالعملِ بالقرآن




إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أمَّا بعد:

إنَّ خير مَنْ عَمِلَ بكتاب الله تعالى، وطَبَّقَه في ظاهره وباطنه، وأصبح خُلُقًا له هو نبيُّنا وقدوتنا محمدٌ صلّى الله عليه وسلّم، الذي أثنى اللهُ تعالى على خُلُقِه ونَعَتَه بقوله تعالى: ? وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ? [القلم: 4].

 

وقد بَيَّنَتْ عائشة رضي الله عنها هذه الآية أوضح بيان، عندما سألها سَعْدُ بنُ هشام بن عامر فقال لها: «يا أُمُّ المُؤمِنينَ أَنْبِئِيني عَنْ خُلُقِ رَسُول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ الْقُرآنَ»[1]. قال النووي رحمه الله: «معناه: العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدُّب بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، وتدبُّره، وحسن تلاوته»[2].

 

وقال ابن كثير رحمه الله - في معنى الآية: «ومعنى هذا أنه عليه السلام، صار امتثالُ القرآن؛ أمرًا ونهيًا، سجيَّة له، وخُلُقًا تَطَبَّعَه، وترك طبعه الجِبِلِّي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه. هذا مع ما جَبَله الله عليه مِنَ الخُلُقِ العظيمِ؛ من الحياء والكرم والشجاعة، والصَّفح والحلم، وكل خُلُقٍ جميل. كما ثبت في الصَّحيحين[3] عن أنسٍ قال: خَدَمْتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم عَشْرَ سنينَ، فَمَا قَالَ لي: أُفٍّ قَطُّ، ولا قال لِشَيءٍ فَعَلْتُه: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ ولا لِشَيءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ: أَلا فَعَلْتَهُ. وكان صلّى الله عليه وسلّم أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا»[4].

 

وخلاصةُ القول: إنَّ جميع ما فُصِّلَ في القرآن العظيم من مكارم الأخلاق فإن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان مُتَحَلِّيًا به[5].

 

ولم يقتصرْ صلّى الله عليه وسلّم على ذلك، بل كان يحثُّ أصحابَه الكرام وأمَّتَه من بعدهم على العمل بالقرآن العظيم، ويُؤَكِّد على ذلك بصور مختلفة، مرة بالترغيب في ثواب العمل بالقرآن، وأُخرى بالترهيب من مغَبَّةِ ترك العمل بالقرآن، ومن أقواله المباركة في ذلك ما يأتي:

1- عن النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانِ الْكِلاَبِيِّ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم يقُولُ: «يُؤْتَى بالْقُرآنِ يَوْمَ القِيامَةِ وأَهْلِهِ الَّذِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُ[6] سُورَةُ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ». وضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم ثَلاثَةَ أمْثَالٍ، ما نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ. قَالَ: «كَأَنَّهُمَا غَمَامتَانِ[7] أو ظُلَّتَانِ سَوْدَاوانِ، بَيْنهُمَا شَرْقٌ[8]، أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ[9] مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ[10]، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا»[11].

 

فالقرآن العظيم يشفع لصاحبه الذي كان يعمل به في الدُّنيا، وفي مقدمة ذلك سورةُ البقرةِ وآلِ عمران، تتقدَّمان في الشَّفاعة، والذَّود عن حافظهما، والعامل بهما خصوصًا؛ لكثرة ما تحويان من أحكام وأمور عظام. وهذا من أعظم فوائد العمل بالقرآن[12].

 

2- عن أبي مُوسَى رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «المُؤْمنُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرآنَ ويَعْمَلُ به كَالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ ورِيحُهَا طَيِّبٌ. والمُؤْمِنُ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرآنَ وَيَعْمَلُ به كالتَّمْرَةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلاَ ريحَ لَها. ومَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرآنَ كالرَّيْحَانَة، ريحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ. ومَثَلُ المُنافِقِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرآنَ كَالحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ، أَوْ خَبِيثٌ، ورِيحُهَا مُرٌّ»[13]. في هذا الحديث تَبيَّن لنا فضيلة حافظِ القرآن العاملِ بما فيه، وأنَّ المقصود من التلاوة هو العمل بما دلَّ عليه القرآن، لا مجرد تلاوته[14].

 

قال ابن بطَّال رحمه الله في شرحه للحديث: «قراءة الفاجر والمنافق لا ترتفع إلى الله ولا تزكو عنده، وإنما يزكو عنده ما أُريد به وجهه، وكان على نية التقرب. وشبَّهَهُ بالرَّيحانة حيث لم ينتفع ببركة القرآن، ولم يفز بحلاوة أجره، فلم يجاوز الطِّيبُ موضعَ الصَّوت وهو الحلق، ولا اتَّصَلَ بالقلب»[15] الذي هو موطن الاعتبار، فكيف يَعْمَلُ بالقرآن مَنْ هذا حاله[16].

 

فالقرآن العظيم لا تنفتح أسراره ولا ينتفع به إلاَّ مَنْ يعمل به، ويتحرك به، لتحقيق مدلوله في عالم الواقع. لا لمن يقرؤه لمجرد التَّبرك! أو الدِّراسة الفنِّية أو العِلْمية! أو لمجرد تتبُّع الأداء البياني فيه! فالقرآن العظيم لم يتنزَّل ليكون مادة دراسة على هذا النحو؛ إنما تنزَّل ليكون مادة عمل وتوجيه.

 

3- سُئِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبي أَوْفَى رضي الله عنهما: هَلْ كَانَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أَوْصَى؟ فَقَالَ: لاَ، فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ علَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ، أَوْ أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ [17]. قال ابن حجر رحمه الله: «أي: بالتَّمسك به والعمل بمقتضاه»[18]. وقال أيضًا: «فإذا اتَّبَعَ الناسُ ما في الكتاب؛ عملوا بكل ما أمرهم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم به، لقوله تعالى: ? وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ? [الحشر: 7]»[19].

 

ولهذا لم يكن رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم ليوصي أُمَّته من بعده بأفضل من اتِّباع كتاب الله؛ لكونه أعظَمَ وأهَمَّ من المال والخلافة - على أهمِّيَّتِهِما - فمن اتَّبع كتابَ الله لن يضلَّ أبدًا، بنصِّ حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الذي قال فيه: «إنِّي تَاركٌ فِيْكُمْ ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي؛ أَحدُهُما أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلى الأرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ، فانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُوني فِيهِما»[20].

 

وأخرجه مسلمٌ - مِنْ وَجْهٍ آخَرَ - ولَفظُه: «أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ! فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأتِيَ رَسُولُ رَبِّي فأُجِيبَ. وأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ[21]: أوَّلُهُما كِتَابُ الله فِيه الهُدَى والنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ واسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ ورَغَّبَ فِيهِ[22].

 

فكتاب الله تعالى إِنْ عَمِلَ به الناس واستمسكوا به، كفاهم كُلَّ شيء: قال تعالى: ? أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ? [العنكبوت: 51].

 

4- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «القُرآنُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، ومَاحِلٌ[23] مُصَدَّقٌ، مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إلى الجَنَّةِ، ومَنْ جَعَلَهُ خلْفَهُ سَاقَهُ إلى النَّارِ»[24]. ومعنى الحديث: أنَّ مَنْ اتَّبع القرآن وعمل بما فيه، فإنه شافع له مقبول الشفاعة في العفو عن زلاَّته وسقطاته، فَمَنْ جعله أمامه بالعمل به قاده إلى الجنة. ومَنْ ترك العمل به وجعله خلف ظهره أَثِمَ على إساءته، ومُصَدَّق عليه فيما يُرْفَعُ مِنْ مَساوِيه وعند ذلك يسوقه إلى النار[25].

 

فهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على وجوب اتِّباع القرآن العظيم والعمل به، فأين نحن مِنْ هذه التَّحذيرات النبوية المباركة، حتى نفوز بسعادة الدنيا والآخرة. اللَّهم اجعل هذا الأمرَ حُجَّةً لنا لا علينا.




[1] رواه مسلم، (1/ 513)، (ح746).

[2] صحيح مسلم بشرح النووي (5/ 268).

[3] رواه البخاري، (4/ 1908)، (ح6038)؛ ومسلم، (4/ 1804)، (ح2309).

[4] تفسير ابن كثير (8/ 164).

[5] انظر: عون المعبود (4/ 154).

[6] (تَقْدُمُه)؛ أي: تتقدَّمه.

[7] وفي رواية أخرى عند مسلم: «كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ». قال أهل اللغة: الغمامة والغياية كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة وغبرة وغيرهما. قال العلماء: المراد: أن ثوابهما يأتي كغمامتين. «صحيح مسلم بشرح النووي (6/ 331)».

[8] (بَيْنَهُمَا شَرْقٌ): هو بفتح الراء، وإسكانها؛ أي: ضياء ونور. وممن حكى فتح الراء وإسكانها: القاضي وآخرون. والأشهر في الرواية واللغة الإسكان.

[9] وفي رواية أخرى عند مسلم: «أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ». الفِرقان والحِزقان، معناهما واحد. وهما قطيعان وجماعتان. يقال في الواحد: فِرق وحِزق وحزيقة.

[10] (مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ): جمع صافَّة، وهي من الطيور ما يبسط أجنحتها في الهواء. انظر: تعليق محمد فؤاد عبد الباقي على مسلم (1/ 553).

[11] رواه مسلم، (1/ 554)، (ح805).

[12] انظر: هذا القرآن في مائة حديث نبوي، د. محمد زكي محمد خضر (ص42).

[13] رواه البخاري، (3/ 1628)، (ح5059).

[14] انظر: فتح الباري (9/ 85).

[15] المصدر نفسه (13/ 657).

[16] انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (6/ 83).

[17] رواه البخاري، (2/ 842)، (رقم 2740).

[18] فتح الباري (5/ 443).

[19] المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

[20] رواه الترمذي (5/ 663)، (ح3788)، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (3/ 227)، (ح2980).

[21] (ثَقَلَيْنَ): سُمِّيا ثَقَلَين: لعظمهما وكبير شأنهما. وقيل: لثقل العمل بهما. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (15/ 181)

[22] رواه مسلم، (4/ 1871)، (ح2408).

[23] (مَاحِلٌ)؛ أي: مُجادِلٌ ومُدافِعٌ، وقيل: سَاعٍ مُصَدِّق، مِنْ قولهم: مَحَل بِفُلان إذا سعى به إلى السلطان. «النهاية في غريب الحديث (4/ 303)، مادة: «محل».

[24] رواه الطبراني في «الكبير» (10/ 10450). وصححه الألباني في «صحيح الجامع»: (2/ 818)، (ح4443). «والصحيحة» (5/ 31)، (ح2019).

[25] انظر: فيض القدير (8/ 4399)؛ النهاية في غريب الحديث (4/ 303)، مادة: «محل».


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook