النية ببساطة: تجربة أيام لتوجيه النية

الكاتب: المدير -
النية ببساطة: تجربة أيام لتوجيه النية
"النية ببساطة
تجرِبة أيام لتوجيه النية




مقدمة: النية لماذا وكيف؟

سؤال يطرح في دوامة الحياة العصرية؛ حيث يعتبر البعض توجيه النية وتجديدها مبالغة في التقوى، أو تلكُّؤًا لا وقت له، ولكن تأمَّلْ رغم هذا الاستباق واللهاث المتسارع أنك كلما تعهدتَ نفسك بالإيمان والتقوى، ونأيت بها عن السوء والفحشاء والمنكر والبغي (النحل 90)، ستكون أسعدَ، وتعيش في انسجام مع نفسك ومع الكون من حولك، ويكتمل لك ذلك إذ تُذكِّر نفسك بتوجيه النية في أقوالك وأفعالك.

 

فالنية يقين إيماني عملي، لا ترف فكري، وللتبسيط، فقد اعتدت أن أكرر لنفسي في أعمال معتادة: نويت أن أدخل السرور على قلب مسلم (وهي كما تعلم نية قلبية)، فوجدتها تفتح لي أبواب الخير، حتى في عملي، وتغلق أبواب الشقاق والزيغ، علاوة على الهدف الأعم: أن أصحح لنفسي أي غرض آخر لا ثواب فيه، فأضمن زيادة الخيرات في الدنيا، والحسنات وربحها في الآخرة؛ لذلك أحببتُ مشاركة القراء في حديث عن النية ببساطة، وتجرِبة أيام لتوجيه النية.

 

أهمية النية وضرورتها:

لقد بلغ من إعظام علمائنا للنية أن أغلبهم جعلها موضوع خطبة كتابه (المقدمة بلغة العصر)، أو أهم أركانها، مثل الإمام البخاري الذي صدَّر كتابه الصحيح بحديث: إنما الأعمال بالنيات المتفق عليه، وبه بدأ الإمام النووي رياضه في باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال[1]، وهذا إيجاز لبعض معالم أهميتها وضرورتها:

• النية بلغة العصر: مقابل ما سبق، كلما تعقدت الحياة وغلبتنا الدنيا وتنافسنا زخرفها، وكلما سيطرت تفاصيل النمط الاستهلاكي على عيشنا - كَسَتِ الضبابيةُ أعمالنا، وغطت الغشاوة وسائلنا (من سمع وبصر وفؤاد)، وبالتالي زادت مسؤوليتنا في تحديد نوايانا، وبلغة العصر فإن علم التخطيط اليوم - وهو مِن أهم العلوم، وللدول وزارات باسمه - هو من أسس الفكر الإسلامي، وعبر مراحل الأعمال: وضع هدف/التخطيط/التنفيذ، فإن النية التي نبدأ بها نجد أنها تلقائيًّا ترافق كل مرحلة، ومع التنفيذ الذي يحظى بالاهتمام الأكبر، لأنه ينقل الفكرة للواقع، يبرُزُ دور رد المشيئة لله تعالى - الاستثناء: ? إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ? [الكهف: 24] - وتطبيقه الميسر: الاستخارة[2]، ومعها تلحُّ قضية النية، فيصبح لزامًا على مَن غفل عن توجيهها وتقويمها أن يفعل؛ لأنه بداهة لا يستقيم أن تستخير ربك في نية باطلة (كالغش أو الفسق).

 

• النية والتقوى: إن مِن أهمية النية اشتراكها مع التقوى في أنها بين العبد وربه حصرًا:

? النية في القلب؛ قال تعالى عن نية مَن يوالي الكفار: ? قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ? [آل عمران: 29].

 

? والتقوى في القلب: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: ((التقوى ها هنا)) ويشير إلى صدره ثلاث مرات؛ صحيح مسلم.

 

ومطلعه: ((لا تحاسَدوا، ولا تناجَشوا، ولا تباغَضوا، ولا تدابَروا))، وعلاوة على ذلك فإن مربِطَ صلاح النية التقوى؛فالمرء يُقيم نيته لوجه الله تعالى، ويهم باذلًا أقصى الجهد، وقد يتحقق الذي نواه وهمَّ به، وقد لا يحصل ما أراد، ولكن يتم حفظ أجر نية العمل الصالح كأنه أداة، بلى، سبحان الله! إنما نَيْلُ ذلك منوطٌ بالتقوى، وبما تُخفي السرائر ويعلمه الله تعالى مِن:

• صدق النية؛ قال تعالى: ? لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ? [الحج: 37]، وبتدبُّرِها فإن تقوانا في نية النُّسك - طاعةً له تعالى وابتغاء مرضاته - هو ما يريده منا سبحانه وما يُثيبنا عليه، كذلك لو تم العملُ على غير نيتك الصادقة، فإن صلاحَها وتقواك هما ضمانتُك لتثابَ، كأنه تم كما شئت، وله شاهد في السنة[3]، ويقاس عليها عموم النية.

 

• حقيقة عدم المقدرة على العمل بالنية رغم علو الهمة وبذل الوُسع، وهذه كذلك تحدِّدها تقوى المرء؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن بالمدينة لرجالًا ما سِرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم، حبَسهم العذر))، وفي لفظ: ((إلا شرِكوكم في الأجر))؛ رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: ((إن الله كتَب الحسنات والسيئات، ثم بيَّن ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عَشْرَ حسنات إلى سبعمائة ضِعف، إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة))؛ رواه البخاري ومسلم، ومِن جيد ما ورد في شرح هذا الحديث وربطه بالنية أنه: مَن هم بحسنة وعملها كانت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والذي نوى الحسنة ولم يعملها لعدم قدرته فهو والأول سواء، وهذا محلُّ تجارة النيات[4].

 

• ومِن أهمية النية وضرورتها: أن إخلاص النوايا هو الفيصل بين نجاح العمل وفشله، وفرق بين أن نخلص في توجيهها للاعتصام بحبل الله، أو أن تتشتت النوايا بزيغ الشقاق، قال ابن عجلان: لا يصلح العمل إلا بثلاث: التقوى لله، والنية الحسنة، والإصابة[5]، قلت: والإصابة إن لم تحصُلْ رغم صدق النية وتمام الاجتهاد فهي لا تنقص مِن ثواب العمل!

 

• ومِن أهميتها أنها دليلُ استقلال إرادة المرء؛ قال تعالى: ? مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ? [آل عمران: 152]، فلا أحدَ يستطيع التحكم بما يريد هذا أو ذاك، حتى لو قام بعمل تحت وطأة القهر والتعذيب خلافًا لإرادته فنيته نافذة.

 

وأنها تدرأ النفاق، وتمنَع حبوط العمل، بل تَزيد أجره، وهذه تصبُّ في الفوائد التي سيلي ذكر بعضها:

النية فوائد وأرباح:

مما سبق فإن النية هي رحمة ربي لمن استحضرها، قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: ((اعمَلوا؛ فكل ميسَّر لِما خُلق له))؛ صحيح البخاري، فالنية أحد أركان الأقوال والأعمال، التي بمجرد قرنها بنية صالحة والتوجه بها لِما يُرضي الله تعالى يثبُتُ أجر بعضها، ويَزيد أجر بعضها الآخر، مما يرسخ قناعتنا بأهمية وضرورة النية، وإن ربح النية هو تحديدًا للإنسان القائم بها، فهو المنتفع، ليس الجهة المستقبِلة للعمل أو القول، وبداهة ليس رب العباد الغني عنا، بل هو المتفضل علينا بثواب النية وحده سبحانه، فقد تقابل نوايانا الصالحة بالجحود، وينكر المتلقُّون الفضل، حتى لو كانوا أرحامًا وغمرتهم بالإحسان والصلة!

وإن مِن تمام صلاح النية ألا نتوقع ربحها إلا مِن خالقنا، وما أعظم ما يكافئنا!

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي قرابةً أصِلُهم ويقطعوني، وأُحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلُمُ عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: ((لئن كنتَ كما قلتَ، فكأنما تُسفُّهم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمتَ على ذلك))؛ رواه مسلم.

 

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لئن كنت كما قلت)) يشير إلى تعليق حُكمه صلى الله عليه وسلم بصدق نية السائل في الصلة والإحسان والحِلم؛ إذ يترتب عليها شأنٌ عظيم، هو دعمٌ مباشر من الله تعالى! ودعوة ضمنية لمقابلة إساءتهم بالعفو، وأينا يطمع في أكثرَ مِن معية الله تعالى؟!

 

• فوائد عامة: إن إحداث نية لكل عمل أو قول قدر الإمكان:

? يذكِّرك أن الله معك دائمًا، يسمع ويرى، وأنه أغنى الأغنياء عن الشرك؛ فيقوَى إيمانك وتوحيدك، وتسربلك السكينة إذ تتوجه له وحده بنيتك، تطلب بها الهدى والرشد في كل عمل؛ قال تعالى: ? وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ? [الكهف: 24]، وهذا يجعلك متوازنًا ومنسجمًا في أقوالك وأفعالك مع نفسك ومع الكون وسكَّانه، وعلى رأسهم البشر، لا سيما الأقربين.

 

? والنية ترفع درجة التوكل عند مَن جرَّبه وعرَف طيب ثمراته، أو تدخلك في رحابة التوكل إن كنت ممن لم يحسنه من قبل، أو كنت ممن لم يوقن به للفهم الخاطئ له، (كما نلمس مِن نقاش نسبة من شبابنا للتوكل! في عصر المادة).

 

• فائدة النية في تنقية العمل من المراءاة:

صدقُ نيتِك يطرد عنك الوسواس إن أثنى الناس عليك، أو صار لك مكانة في نفوسهم لعمل صالح قمت به بعد إخلاص النية لله؛ فهذا الثناء لا غبار عليه، وفي صحيح مسلم عن أبي ذرٍّ: أن الحبيب صلى الله عليه وسلم سُئل عن الرجل يعمل العمل لله في الخير يحمده الناس عليه، فقال: ((تلك عاجل بُشرى المؤمن)).

 

? الرزق: من الأمثال المتداولة: حسب نياتكم ترزقون، وبعض الناس تفهمها ترزقون في الدنيا، ولكن المعنى أوسع؛ فالنية ابتغاءَ وجه الله رزق ثوابها في الدارين؛ قال تعالى: ? مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ? [الشورى: 20]، ومِن عجبٍ أنْ لا حدود لكرم الله تعالى عندما تصح النية، انظر لفتية الكهف وقد صدقوا النية في اعتزالهم لوجه الله تعالى، طلبوا بتواضُع العبد من لدُنْه رحمةً، فآتاهم بكرم وقدرة رب العبد نشورًا من رحمته عريضًا واسعًا.. بلغت سَعتُه أم الأفلاك: الشمس، بدت آثاره على أبدانهم وأرواحهم، وغيَّر تعالى لأجلهم نواميسَ الكون.. بما فيها الموت والحياة.

 

• فوائد محددة أو خاصة بأعمال معينة:

? إن النيةَ تبثُّ حياة جديدة في أقوال أو أعمال إيجابية، ولكن غطاها الخمول للإِلْفِ والعادة:

? إما أنك تقوم بها كتكليف قد تستثقله، مثل بر الوالدين: فعند تجديد النية تنشط فيه وتتحراه، بل تضمَن ثواب الله!

? أو تجد صعوبة فيها، مثل الإقلاع عن التدخين، أو إنهاء خصام، أو تجنُّب مواطن الشبهات، هنا توجيه النية يقتلعك من مخاوفك وتردُّدك وأنت تجد نفسك مع الله تعالى مباشرة دون حجاب ولا وسيط!

 

• والنية تساعدنا على ضبط ردود أفعالنا والاحتساب: فلدى عمل أو قول غير محرَّم ولكن سلبي أو مكروه، مثل العُبوس في وجه أهلك، وتمييز أحد أبنائك وتفضيله على إخوته، والجهر بالسوء من القول، وعدم إمهال المستدين، وغيرها من أمثلة - عندما تتذكر توجيه النية تراجع نفسك، وغالبًا تمتنع عنه فتثاب.

 

• وأمام الحيرة بشأن عمل مباح: فتوجيه النية يثبت القصد والإرادة (وهما من مرادفاتها)، ويدعمه دعاء الاستخارة، مثل السفر، أو تحديد اختصاصك الجامعي، أو صفقة تجارية، ويتم تجديدُ النية بعد الاستخارة، وفي كل خطوة لمحوِ التردُّد.

أما العمل أو القول المحرَّم فلا تردُّد، النية تنسخه وتُلغيه حتمًا.

 

• الشطر العملي: تجرِبة أيام للنية:

مما سبق نجد أنه من المهم والمفيد للإنسان استحداث نية لأقواله وأعماله قدر الإمكان، وإن القيام بتطبيق عملي لمدة معينة (أسبوع مثلًا) للتدرُّب على النيةهو تجرِبة ثرية تحمل خيرًا كبيرًا، وهي توضح الأفكار النظرية، وتكشف لنا بعض نقاط ضعفنا، وتعالج بعض عيوبنا، وهي عمومًا علاج للتقصير في توجيه النية، ولعلنا بعد انقضاء الأسبوع نكرر التجربة إلى أن نعتاد استحضار النية في كثير من شؤوننا:

1 - وأهم خطوات بَدء تلك التجرِبة العملية (منفردًا أو شادًّا عضُدَك بقريب أو إخوة في الله):

? أحدِثْ نية وتوجه بها لله تعالى - جدِّد نيتك - صحِّحِ التوجُّهَ كل حين.

 

• وتذكَّر أن تحقيق النية الصالحة يستلزم الصبر والعزم:

موسى عليه السلام عندما نوى تعلُّم الرشد تبين أن هذه النية تستلزم الصبر، وأَخْذَ النفس بالعزائم حتى في طاعة المعلم؛ (الكهف 66 - 69).

? ومع هذا وذاك دع نوايا الآخرين: لستَ موظَّفًا على شق الصدور وفتح الأدمغة.

 

2 - وتجد للنية خلال التجرِبة قسمين، مثال السفر: وهذا مثال عام يمكنك النسجُ على منواله، وقِسْمَا النية فيه:

أ) النية الخاصة بالعمل بعينه: نية العزم على السفر لتمضية إجازة مثلًا.

ب) وتوجيه هذه النية لما يُرضي اللهَ تعالى: ففي حال السفر في إجازة: أنوي تجنُّبَ ما لا يرضي اللهَ خلاله، وأُوجِّه نيتي لما يرضيه، مثل: التأمل في عظمة الله في خَلقه وأرضه الواسعة، فأزداد إيمانًا وقربًا منه تعالى، والترويح عن نفسي وأهلي: بنية إدخال السرور عليهم، وأن أنشط بعده للعمل ونفع الخَلْق والكسب الحلال، وهذا القسم من توجيه النية منسيٌّ غالبًا!

 

? وقد يندمج القسمان ابتداءً، ويتطابق إحداث النية مع توجيهها، ففي مثالنا: النية منذ اللحظة الأولى للهمِّ بالسفر ولكل دقائقه هي ابتغاء وجه الله تعالى؛ كالسفر لغَوْث ضحايا المَخمصة في أفريقيا، ولإقامة المشاريع لهم (مثل د.عبدالرحمن السميط رحمه الله)، وسفر العاملين في إغاثة ضحايا الحروب والزلازل، كذلك مثال التعليم والتعلُّم لأمور الدِّين.

 

3 - وتوجيه النية يصح لكافة شؤونك خلال التجرِبة:

? مِن أبسطها: مثل توجُّهك للعمل صباحًا بنية الرزق الحلال ونفع العباد؛ قال زيد الشامي: إنني لأحب أن يكون لي نية في كل شيء، حتى في الطعام والشراب[6].

 

• لأعقَدِها: مثل توجيه النية لتذليل الصعوبات، ولترغم أنف الشيطان إذ يصرِفُك عن الصالحات:

مثال: صلة رحم كنت قطعتها، وتطوِّع لك نفسُك الإمعانَ في القطع، استثمر أسبوع النية واسأل نفسك: عدم الوصل كيف أوجه النية بحيث أرضي الله تعالى به؟ أحاول صياغة النية: نويت متابعة قطع أخي رغم أنك أمرتني ربي بصلته؟! نويت ألا أزعج زوجتي، نويت ألا تمتهن كرامتي.. ألا أطيع أختي حتى لا تظن كلمتها نافذة! رباه، كيف تستقيم نوايا كهذه! وضع يجعلني أستحيي بشدة من ربي، وأتنبه كيف أتوجه له سبحانه، يثقلني نزغ الشيطان، وكم أخسر مِن أجر!

 

عندها تصحيح النية سيتوجه بك لله تعالى: يا رب، نويتُ أن أصل رحمي رغم أنه هو من بدأني بالقطع والأذى، امتثالًا لأمرك، وابتغاء مرضاتك، فارضَ عني، ويسر لي تحقيق نيتي؛ فإن الأمر عليَّ ثقيل... ومع الجهد وإخلاص التوجه ستتخفف من المثبطات الأرضية، ومن نزغ الخنَّاس، وتستعيد إرادتك السليبة المعطلة في توجيه النية لعمل الصالحات، وتنطلق لصلته بعون الله، ومثل ذلك لأخ في الله أو قريب، أو جار...

 

• مرورًا بشؤون نستهين بها على خطرها، مثال: النية في علاج آفات اللسان، عندما تشرع في اغتياب أحدهم، تتوقف وتسأل نفسك: كيف توجه النية لله في عمل كهذا؟! فتحت فمك، تذكرت أن هذا أسبوع النية! ابتلعت العبارة، ولم تجارِ محدِّثك في الغِيبة، ونجوت من إثم نميمة كدت تلفظها ولله الحمد ... وعمومًا في تحسين تخالُقِك مع الناس ومعاملاتك - مثل العفو وكظم الغيظ - تتيسر الأمور، وتَزيد طاقة احتمالك بتوجيه النية لما يُرضي اللهَ تعالى.

 

4 - توجيه النية يعالج ضعف التوادِّ والتراحم اليوم في المجتمع المسلم، والانكفاء والانغلاق:

أنت مطالَب بزيارة صديق في المشفى، تشعر أنه عبء اجتماعي، لا تحب المشافي، وهو ليس صديقًا حميمًا، ولديك عمل ستؤجله لأجل الزيارة، وواحد من الصاحبين الزائرين معك لا يروق لك، فجأة يخطر لك ثواب عيادة المريض في الدنيا قبل الآخرة، وأنك لو زُرتَه لوجدتَ الله عنده كناية عن عِظَمِ الفضل![7]، تتيسر كلُّ العثرات بتوجيه النية لما يرضي الله تعالى، فتشعُرُ أن الزيارة لم تعُدْ عِبْئًا، وتغمرك طمأنينة عجيبة وأنت تُدخل السرور على قلب المريض، وتدعو له - مع النية - وتقول لك الملائكة: ولك بمثل ذلك، كذلك توثق علاقتك مع مرافقيك، سبحان الله! دخلت وأنت تبتلع ريقك وتقول: يا رب، أعني، وتستدعي الابتسامة غصبًا، وخرجتَ والبِشر والطلاقة على مُحيَّاك وأنت تقول: الحمد لله!

 

ونذكر من المثال السابق والأمثلة في تتمة المقال، نذكر أن النية المقصودة في البحث عمومًا قلبية، لا يلزم التلفظ بها حتى وأنت خالٍ، ولكن بوسع المرء ذلك إن أحب التذكرة، أو أن يسمعها لنفسه ليقاوم الهوى والأنا، ويحبط نزغ الشيطان وشبهة الرياء، يروى أنه قيل لتابعي: ألا تشهد الجنازة؟ فقال لمن دعاه: كما أنت حتى أنوي[8].

 

5- وخلال التطبيق، ورغم أن المقال ليس للنية الخاصة بالشعائر التعبدية، فإنه قد يلزم تصحيح النية العامة عند أدائها، لا سيما إذا خِيف الزيغ؛ كأن يُحسن أحدنا صلاته بوجود ناس يراقبونه، وينقرها نقر الديك خاليًا، أو أن يداخل المرءَ العُجْبُ بعد عقد النية للحج أو العمرة كشعيرة ويهتم بالمديح، وأن يقال: فلان اعتمر، عندها لا بد أن يسارع قبل الوقوع في محذور وقد قيل[9] لمراجعة نيته وتوجيه العمرة خالصة لله تعالى، فلا ينزلق: من زيغ نية إلى حبوط عمل.

 

6 - وهنالك نوايا لطيفة نستفيدها من الكتاب والسنة، تُبعِد الإِلْف والعادة، عن العمل اليومي عمومًا كالدراسة، وعن الشعائر التعبدية خصوصًا كالوضوء والصلاة، وتَزيد الأجر، مثلًا: أسبغ الوضوء، أقول: نويت أن أطيل حليتي، وأن أحشر مع الغر المحجلين، أتعلَّم سنة الحبيب وأعلمها لأولادي موثَّقة، أنوي علاج السموم والشبهات التي تنشر عنه وتهز إيمانهم!

 

7 - تذكَّر خلال التجرِبة أنه بوسعك بتوجيه النية جَمْعُ أكثرَ مِن ثواب في عمل واحد، مثال: الصدقة على ذي الرحم، فتجمع نية الصدقة والصلة متلطفًا بزيارته؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الصدقةَ على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتانِ؛ صدقة وصلة))؛ رواه النسائي واللفظ له، والترمذي وحسَّنه.

 

? ويقاس عليه قولك لأخيك في الله: إني أحبك في الله، تجمع فيه نيةَ كلٍّ مما يلي وثوابَه بإذن الله:

1) الاقتداء بالحبيب؛ فقد أمرنا بفعل ذلك.

2) إدخال السرور على قلب مسلم.

3) صلة الرحم إن كان مِن الأرحام.

 

? ويدخل فيه اجتهادُك في إصلاح نفسك:

1) تبتغي الجنة.

2) وتنوي أن تكونَ قدوةً صالحة لطلَّابِك وصحبك ولأبنائك.

3) وتنوي أن تترك خبيئة لولدك مِن بعدك يحفظها صلاحك؛ قال تعالى: ? وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ? [الكهف: 82].

 

علاج صعوبات التطبيق: الصعوبة تتفاوت بين الظروف والأشخاص، وتستنتج من النص بعض التدابير، وهذا مزيد:

• معالجة صعوبة التوجيه: كرِّرْ - ولو مرةً في يومك - أدعية تجبُرُ السهو في توجيه النية، مثل: اللهم أعنِّي على ذِكرك، وشُكرك، وحُسن عبادتك، اللهم اجعل عملي خالصًا لوجهك، واجعله صالحًا، واجعله صوابًا، واللهم إني أسألك رضاك والجنة، وتذكَّرْ أن الله تعالى يثيبنا، وهو أعلم بنا، ولو لم نتذكر التوجيه في كل مرة، وأن إدامة العمل مندوبة ولكن قد نقصر، ومع الدعاء والتكرار تتسع مساحة أعمالنا وأقوالنا المشفوعة بالنية، ويصبح الأمر ميسورًا وتلقائيًّا بإذن الله.

 

• صعوبة تنقية النوايا: التشخيص والعلاج:

انظُرْ ما يفعله زيغ النية، تعرف ضرورة تصحيحها، والبحث عن وسيلته:

? ومِن أسوئِه ضلال السعي في الحياة الدنيا، والخسران المبين ولو ظن نجاحًا؛ قال تعالى عن: ? الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ? [الكهف: 103] بأنهم ? الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ? [الكهف: 104]؛ فمبدأ الضلال زغَل النوايا.

 

ومبدأ التدبير معالجة الرياء، وبذل الجهد في تجنُّب مراءاة الناس: فهي مِن أعدى أعداء صلاح النية، وأهم سُبل العلاج:

? إدامة ذِكر الله، والاستغفار والتوجه له سبحانه بأنه هو الذي ? يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ? [غافر: 19].

 

? التجديد والتصحيح لنوايانا: حتى لو أطلق الإنسان نية عامة، كأن ينويَ وجه الله في كل ما سيقوم به من عمل كما في الأدعية المذكورة، فإن التجديدَ والتصحيح بين حين وآخر ضروري؛ لأن الزيغ يتسلَّل في غفلة من المرء، ولو كان من العلماء وصالحي الأمة، قال الإمام سفيان الثوري: ما عالجتُ شيئًا أشدَّ عليَّ من نيتي؛ لأنها تتقلب عليَّ في كل حين، وإن تحري تجديد النية في كل عمل وقول - ولو حققناه جزئيًّا - سيغربل الكثير من أخطائنا.

 

? وأنه علاوة على أن للعمل أجره في الدنيا وثوابه في الآخرة، فإن النية تستأثر بالطرفينِ، فتزيد في الأجر أو تنقصه، بل إن عينَ العمل تجديدُ النية وتصحيحها يغيِّرُه 180 درجة، في الأكل والدرس والسهر و... حتى في الجلوس في المسجد.. وأن العمل يشرُفُ أو ينحط حسب نية العامل ونصيبه من العُجْب، وتحكيم المصلحة المادية؛ قال ابن المبارك: ربَّ عملٍ صغير تعظِّمه النية، ورب عملٍ كبيرٍ تصغِّره النية[10]، وقوله حق نلمسه؛ فالأعمال المبهرة للناس المتضخمين قد تكون لأجل أنا أكثر تضخمًا، بينما تحركها نوايا هزيلة! ولا يعلم حقيقةَ السرائر والنوايا إلا الله سبحانه، أبعَدَ الله عنا الاغترار!

 

والموضوع مستمر في حياتنا ويتجدد، ولكن نتوقف راجينَ النفع بما تم، بحمد الله وحده.




[1] عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه))؛ رياض الصالحين بتحقيق شعيب أرناؤوط، ونشر مؤسسة الرسالة 1985م - 1406هـ، وقال المحقق: وفي هذا تنبيه على امتناع قبول الأعمال إذا عَرِيَتْ عن نيةٍ صحيحة.

[2] صلاة الاستخارة عن جابرٍ رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: ((إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلَم ولا أعلم، وأنت علامُ الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر (هنا تسمي حاجتك) خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدُرْه لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أن هذا الأمر (هنا تسمي حاجتك) شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، ويسمي حاجته))، وفي رواية: (ثم رضِّني به)؛ (رواه البخاري - 1166).

[3] عن مَعْنِ بن يزيد قال: كان أبي يَزيدُ أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردتُ، فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لك ما نويتَ يا يزيدُ، ولك ما أخذت يا معنُ))؛ صحيح البخاري، كتاب الزكاة.

[4] عن ملتقى أهل الحديث www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=168890

[5] جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم؛ ابن رجب الحنبلي البغدادي، المكتبة العصرية صيدا (1423 /2002).

[6] المرجع السابق، شرح الحديث الأول.

[7] كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا بنَ آدم، مرضتُ فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أمَا علمت أن عبدي فلانًا مرِض فلم تعُدْه، أما علمت أنك لو عُدتَه لوجدتني عنده)).

[8] المرجع السابق، شرح الحديث الأول.

[9] في حديث طويل من صحيح مسلم، هو أخوف الأحاديث في النية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أولَ الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استُشهد، فأُتي به فعرَّفه نعمته فعرَفها، فقال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استُشهدتُ، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار))، ومثله لمن تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، ولمن وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله.

[10] جامع العلوم والحكم مرجع سابق - ص 15.


"
شارك المقالة:
5 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook