الواجب الديني

الكاتب: المدير -
الواجب الديني
"الواجب الديني




يَعجبُ من تفقَّه في الإسلام، وعرف أنه دين الحياة بمعناها الفردي والاجتماعي، حين يرى من يحاولون - بأعمالهم وأقوالهم - أن يجعلوه صلةً بين المرء وربه فحسب، لا يستقيم للعاقل معناها، فلا يكون على المرء جُناحٌ بنظر هؤلاء، إن لم يعبأ بالدين، ما دامت أخلاقه الشخصية لنفسه وحده، وما يجب أن تحاسبه الهيئة الاجتماعية عليه، هو الواجب الاجتماعي دون غيره.

 

وقد أدت هذه (النظرية) الخرقاء إلى أن أصبحنا نجد الراعي - وكل امرئٍ راعٍ - يتهاون بما هو مسؤول عنه، وقد يجهر بتعدي حدود الله، فتتبعه رعيته، فتسير على ما سار من غير ترسم وتصير إلى ما صار إليه وقد زينت الذلة بالمغريات، وحفت الهلكة بالشهوات، فقل للفَراش: إن ما تجدنه نوراً هو لكُنّ نار، فرويدكن إن أبيتنَّ حتفكن.

 

ما عرف الإسلام تقسيم (الواجبات) - كما يفهمون - إلى شخصية واجتماعية ودينية، فلم يجعل بين كل منها والآخر سداً. وإذا وقفت على مفارق فلسفته الخلقية، وجدتها تتجه إلى سنن متحابَّة كلآلئ العقد الثمين، لتجعل ذويها إنْ في المسجد أو البيت أو الطريق؛ مثلاً عُليا، في كرم النفوس، وبعد الهمم، وشرف الغايات، وجليل الفعال، ليس بالوهم والخيال، بل بما تحققه الأعمال الصالحة، وتلك آثار أبنائها تدل عليهم وعليها.

 

ولا تكون الأخلاق كذلك، إلا إذا كانت شاملة كل ما يكفل النجاح لصاحبها في أي ناحية من نواحي حياته، بحيث لا يتقدم بدفع بعضها ويتأخر برجع بعض، ولا يعرض له شأن من الشؤون مع نفسه أو إخوانه أو الله سبحانه؛ إلا تخلَّص منه إلى الخير لنفسه وللناس، وكان الله تعالى راضياً عنه.

 

ولهذه النظرة البعيدة جعلت الأخلاقُ الإسلامية، نفس المؤمن عزيزة تصعد في معارج السمو ما شاءت أن تصعد، حتى إذا شاءت أن تسف للأمر الدنيّ؛ كان زمامها إرادة صلبة تغذوها الطاعة لله، فلا تلبث أن تصعد كالمنطاد إلى ما كانت عليه، ثم توغل في أعماق السمو، فتسمو وتسمو...

 

وكذلك جعلَتِ الأخلاقُ عقلَ الرجل حراً لا يوقن إلا بالحقائق، ولا ينقاد إلا إليها، فلا يجده الإكراه، ولا الأوهام، ولا التقليد، إلا صلباً لا تلين قناته، ولا يحلو مذاقه، فيبقى مفكراً في خلواته وغدواته وروحاته.

 

وجعلت الجسد يخدم النفس والعقل وقد أرادتهما سليمين، ويقوى على إذلال الباطل وهو جندي الحق الذي يجب أن تكون له الغلبة كلما دعاه الواجب إلى الدفاع والهجوم.

 

فإذا أنهت الأخلاق عملها في الإنسان، عادت فوصلت ما انتهت منه بالجماعة (وما الجماعة إلا بأفرادها) فكان العلم، والحق، والعدل، والإخلاص، والإخاء، والتعاون، والنصر، والسلام.... وكان ما جعلته حقاً، وما جعلته واجباً للمرء أو عليه، مع ربه، أو مع نفسه، أو مع الناس؛ ديناً على السواء!.

 

لا تحسب أن بضاعة الألفاظ ترسم لي ولك، صوراً يمليها الخيال، فعد إن أردت مصداق ما أقول، إلى ما كنت تظنه واجباً شخصياً كالنظافة مثلاً، واعرضه على مقياس الواجب الإسلامي؛ تجده واجباً دينياً، واذهب إلى ما كنت تظنه واجباً دينياً صرفاً، لا صلة له بغيره كالصلاة مثلاً؛ ترَه يمد شخصك (والهيئة الاجتماعية) بالقوى العديدة فيكون شخصياً واجتماعياً، وافحص هذا بالتعاون مثلاً تلقه واجباً دينياً، وشخصياً أيضاً بالنسبة لما يؤول إليه. وهذه الواجبات كلها يعدها ديناً خاتم المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، القائل: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) لذلك تجد في سيرته الشريفة، مودة للروح والجسد، للفرد والجماعة، للحاضر والمستقبل. ذلك لأن مكارم أخلاقه مكارم للحياة، ومآثر للعالم، وسنن للدهر.

 

فاسمع قوله صلى الله عليه وسلم (يأيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم أم بالناس فليوجز، فإن من ورائكم الكبير والصغير وذا الحاجة).. ونصحه لعبد الله بن عمرو بن العاص - وقد بلغه أنه يصوم الدهر ويقوم الليل -: (يا عبد الله! ألم أخبر أنك تصوم النهار، وتقوم الليل؟) قال عمرو: فقلت بلى يا رسول الله. قال: (فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك[1] عليك حقاً، وإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر كله). قال عمرو: فشددت، فشدد علي، قلت: يا رسول الله، فإني أجد قوة. قال: (فصم صيام نبي الله داود، ولا تزد). قلت وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام؟ قال رسول الله: (نصف الدهر) وكان عبد الله بن عمرو بعد أن كبر يقول: ليتني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم.

 

وكذلك رأى عليه الصلاة والسلام هرماً يمشي بين ولديه، فسأل عنه، فقيل له: إنه نذر أن يحج ماشياً. فقال: (إن الله غني عن تعذيب هذا نفسه) وأمر أن يحمل على بعير.

 

وهكذا كان صلى الله عليه وسلم، يكره أن يرهق الناس في دينهم عسراً، وهو المنـزل عليه آيات ربه سبحانه، التي تكرّم حسنتي الدنيا والآخرة، القائلة: ? وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ? [القصص: 77] ? وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ? [النحل: 30]، ? مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ? [النحل: 97]، ? وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ? [النحل: 41] ? قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? [الأعراف: 32] ? يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ? [المائدة: 87، 88] وغير ذلك من الآيات الكريمة التي تؤيد معنى قوله تعالى ? يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ? [البقرة: 185] ? وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ? [الحج: 78] بشتى الوجوه والمناسبات. ولذلك جعلت الشريعة السمحة الأخذ بالرخص، وعليه بني التخفيف عن المرضى، وإباحة المحظورات عند الضرورات إلى غير ذلك مما يطول شرحه.

 

ومن لطيف ما يذكر في هذا المعنى عن الآخذين به، أن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه، لما فتح أنطاكية صلحاً، كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، يستأذنه بالإقامة في غيرها، مخافة أن يخلد جيشه إلى الراحة، في بلد رق هواؤها، فكان من جوابه: (وأما قولك إنك لم تقم بأنطاكية لطيب هوائها، فالله عز وجل، لم يحرم الطيبات على المتقين الذين يعملون الصالحات، قال تعالى: ? يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ? [المؤمنون: 51]. وكان يجب عليك أن تريح الجند من تعبهم وتدعهم يرغدون في مطمعهم ويريحون الأبدان من نصبها، أنت الشاهد وأنا الغائب).

 

وبعد، فإن بقي الناس سائرين على الأخلاق الناقصة، لا يؤدون في الديوان والطريق والمدرسة والبيت، ما يظنون أنه للمساجد فحسب، مما أوجبه الله تعالى، ليصلح به الفرد، فتصلح به جماعته وليسعد فتسعد، وبقي الدين ورث مريضاً من الآباء، ويؤخذ معوجاً من الدهماء، لا يصدع بأمره من عرفه بأناة ونظام وإحكام؛ فما أكثر العثرات أمام من يحادّون النور في الليل البهيم، وقد يقع الرمي وهو غافل في سمائه عن السهم المُراش: ? وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ? [القصص: 50].

مجلة التمدن الإسلامي، السنة 4، العدد 4 (1357هـ - 1358هـ / 1938م)




[1] أي لزائريك.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook