الوسطية

الكاتب: المدير -
الوسطية
"الوسطية




إن من سنن الله الجارية في خلقه للكون والحياة: التكامل والتوازن، ولا يمكن الوفاء بهذه السنّة إلا بتوازن يكملها، فلا يغلب جانباً منها على حساب جانب آخر.

 

وذلك التوازن هو: الوسطية التي جاء بها الإسلام.

 

إن هذا المصطلح (الوسطية) يعد من أبرز سمات وخصائص الإسلام وأهله، حتى بلغ الاهتمام به أن أخذ مكاناً بارزاً في فاتحة الكتاب، التي يتلوها المسلم في اليوم الواحد على الأقل سبع عشرة مرة: ? اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ? [الفاتحة: 6، 7]

 

إنه دعاءٌ بالتزام الوسطية والحذر من طرفيه: طرف الغضب، وطرف الضلال.

 

والذي بوصف الوسطية منح أفراده مهمة الشهادة على الخلق والأمم الأخرى، قال الله تعالى: ? وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْشُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ? [البقرة: 143].

 

إنه بالنظر إلى هذه الوسطية التي قصد بها الشهادة نستجلي من خلالها عدة أمور، منها:

1 - إن الشهادة في الأمر العادي، تتطلب عدالة الشاهد الذي لا بد من اتصافه بالعقل والصدق والأمانة، وكونه عالماً بما يشهد به، فكيف يكون الأمر حين يكون الإشهاد على كل الأمم.

 

2 - إن هذه الشهادة تثير في نفس الشاهد مشاعر الاعتزاز والكرامة والمسؤولية والثقة في آنٍ واحد؛ لأن فيها معنى الوصاية على الخلق، والإشراف على قيادتهم ورقابتهم.

 

3 - إن هذه الشهادة وإن كانت أخروية إلا أن لها بعداً دنيوياً، فهي ولا بد أن تبدأ في الدنيا، بحيث تتوافر لدى الأمة الوسط الشاهدة، أكرم السجايا وأجلّ المزايا؛ إذ لا يعقل أن يتخلف الشاهد عن مستوى المشهود عليه.

 

4 - إن هذه المهمة وهي مهمة الشهادة تحمل أصحابها مسؤولية إنقاذ البشرية، فهم أصحاب الوسط السوي، وهم الشهداء المكلفون بجلب الناس إلى هذا الطريق الوسط، من مهالك الإفراط والتفريط، فالإنسان لا يمكن أن يبقى محايداً في ظل إغراءات الانحراف عن يمينه ويساره، وهو المختار، وهو الشاهد على من حوله.

 

5 - إن مهمة الشهادة تضفي بعداً حضارياً لازماً على الأمة الوسط أمة الإسلام، وهو الحضور الحضاري والعلمي؛ لأن الشاهد لابد وأن يكون حاضراً عالماً معايناً لما يشهد عليه، غير غائب ولا ذاهل.

 

6 - إن التفريط في هذا الواجب، أو الإخلال به، أو التنازل عنه، يعني فقدان الوسطية، وحرمان الشهادة، وتضييع سمة وشعار وسَمَ الله تعالى به هذه الأمة، وجعله شعاراً تتميز به في كل أمور حياتها.

 

إن الأمة الإسلامية هي أمة الوسط بكل معاني الكلمة: شرفاً وإحساناً وفضلاً وتوازنا، واعتدالاً، وقصداً، وعقيدة ومنهاجاً[1].الخ.

 

ولما كانت الوسطية أمر نسبي كل يدعيه وينسبه لنفسه، ويزعم أحقيته بهذا الوسم واللقب، وغيره إما: غالي منحرف، وإما مفرط منحرف، أشارت الآية إلى المعيار الذي يحدد الوسطية، إنه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال تعالى:? وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ? [البقرة: 143] فهو الحكم صلى الله عليه وسلم وقد بين المعيار الدقيق في ذلك حين قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن أمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة [2]

 

فسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين - رضي الله عنهم - هما الوسط، فكل من قرب منهما كان أقرب إلى الاعتدال والوسطية، وما زاد عليهما يعد إفراطاً وغلواً وتطرفاً، وكذلك من قصر عنهما يكون مفرطاً ومقصراً ومتطرفاً.

 

لذا كان سلف الأمة الصالح أعرف الناس، وأحرصهم على التزام الوسطية لحرصهم على التزام سنة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الأطهار يشهد على ذلك سيرتهم وحياتهم وآثارهم العلمية والدعوية.

 

إن الوسطية التي تميز بها الإسلام عما سواه من الأديان هي (العدل) وهذا هو المراد بقوله تعالى: ? أُمَّةً وَسَطًا ? [البقرة: 143] أي: عدولاً خياراً.

 

وهو محل اتفاق بين أهل العلم.

 

ويتبين ذلك من خلال هذه النقاط:

1 - إن هذا المعنى هو المتسق مع بقية الآية، فقد كانت الوسطية علة لتكليف الأمة بالشهادة على الأمم الأخرى ? لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ? [البقرة: 143] والشهادة لا تقوم إلا بالعدل، ولا تقبل إلا من عدل.[3]

 

2 - قوله تعالى: ? كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ? [آل عمران: 110] فبين وصف الخيرية والوسطية تلازم؛ إذ أن من معاني الوسط في لغة العرب الخيار[4].

 

3 - إن السنة قد جاءت صريحة بأن الوسطية هي العدالة، فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب! فتُسأل أمته، هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته، فيجاء بكم فتشهدون ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ? وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطً ? [البقرة: 143] قال: عدلاً ? لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ? [البقرة: 143] [5].

 

4 - أنه قول علماء التفسير من السلف، نحو: ابن عباس - رضي الله عنهما - ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة - رحمهم الله - وغيرهم من علماء التفسير المتأخرين.[6]

 

5 - أنه هو الجاري على كلام العرب، قال الطبري رحمه الله: (وأما الوسط، فإنه في كلام العرب: الخيار، يقال منه: فلان وسط الحسب في قومه. أي: متوسط الحسب؛ إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه) وقال أيضاً: (الوسط العدل وذلك معنى الخيار؛ لأن خيار الناس عدولهم)[7].

 

وهو الذي قال به علماء اللغة كالخليل وقطرب - رحمهما الله - وغيرهما[8] مع التنبيه إلى أن من معاني الوسط الجزء بين الطرفين[9]، وليس في ذلك تعارض بين القول بأن الوسط هو العدل، والقول بأنه الجزء بين الطرفين؛ إذ أن الجزء بين طرفين في موضع اعتدال عن جانبي الانحراف.

 

قال الطبري - رحمه الله -: (وأرى أن الله - تعالى ذكره - إنما وصفهم بأنهم وسط؛ لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه. ولا هم أهل تقصير فيه. ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها)[10].

 

والعدل يأتي في غالب الأمر وسطاً بين طرفين ذميمين، قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما: (اتقوا الله يا معشر القراء، خذوا طريق من كان قبلكم، والله إن سبقتم لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن تركتموه يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً)[11].

 

وفي كتاب عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - لأحد عماله قال فيه: - بعد أن أوصاه بلزوم طريق من سلف -: (ما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، لقد قصر دونهم أقوام فجفوا، وطمع عنهم قوم آخرون فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدي مستقيم)[12].

 

وقد أكد هذا الأمر أهل العلم يقول ابن القيم - رحمه الله -: (ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو.

 

ودين الله وسط بين الجافي عنه، والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد)[13].

 

ويحسن التنبيه هنا على مقولة دارجة وهي: أن الفضيلة وسط بين رذيلتين فهذه مقولة خاطئة؛ لأنها أعطت للبشر الحق في الحكم على الرذائل والفضائل، وهذا ليس بصحيح؛ لما يلي:

1 - إن تحديد الفضيلة والرذيلة هو حق لله تعالى، وليس الأمر متروكاً للبشر.

2 - إن هذه الوسطية هي بالهبة والجعل الإلهي قال تعالى: ? وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ? [البقرة: 143].

3 - إن تحديد الوسط أمر صعب، اعترف بصعوبته القائلون بأن الوسطية معيار، حيث يقول أرسطو: (إن إدراك الوسط في كل شيء أمر صعب جداًُ)[14]

 

ويقول الغزالي رحمه الله عن تحديد الوسط بأنه: (من أعقد الأمور وأصعبها)[15].

 

1 - إن تحديد الوسط أمر نسبي، يختلف باختلاف الأشخاص ولذلك يقول ابن سينا: (ليس وسط الشيء عينه، بل الوسط بالنسبة إلينا)[16].

 

وبهذا يتبين أن الوسطية ليست معياراً بشرياً تحدد من خلاله الفضائل، لكنها خاصية أختص بها دين الإسلام، وتميزت بها شرائعه، فالدين وأهله بُراء من الانحراف، سواء الجانح إلى الغلو، أو الجانح إلى التقصير.[17]

 

والوسطية كمفهوم يلاحظ في جميع جوانب الإسلام، وجزئياته، فهي تشمل الحياة في كل جوانبها ومعانيها، كما أنها تترك أثراً في نفسية المسلم الحق، فتصبغه بصبغتها؛ ليتصرف بعد ذلك وفق ضوابطها وأهدافها وهذا ما جعل للإسلام ذلك الانتشار السريع وأخذه المكانة العالية في السلم الحضاري.

 

إن الوسط يحمل دائماً معنى الفضل والخير، فالوسط خير من الطرف دائماً، وهذا التفضيل يرجع إلى كونه رمز للتوازن والعدل، ورمز للوحدة، ورمز للتكامل والترابط والالتقاء.

 

فوسط الشيء المادي هو مركز التوازن فيه ويلاحظ ذلك مثلاً في كفتي الميزان، هذا التوازن المادي يقابله من الناحية المعنوية العدل، فالعدل في مجال السلوك والعمل والفكر هو المقابل للتوازن في لغة المادة.

 

والمجتمع الوسط هو الذي يقوم على العدل والتوازن في جميع شؤونه المادية والمعنوية.

 

ومن ناحية أخرى فإن الوسط رمز الوحدة دائماً؛ لأنه بطبعه يرفض التعدد، في حين أن الأطراف من شأنها أن تتعدد، فالشيء الواحد يمكن أن يكون له عدة أطراف، ولكن لا يمكن أن يوجد له إلا وسط واحد.

 

كما أن الأطراف المتعددة لا بد وأن تختلف، فكل طريق يختلف وجهةً واتجاهاً بالنسبة للأطراف الأخرى في حين أن كل هذه الأطراف لا بد وأن تلتقي بالوسط وتتصل به؛ لأنه المركز بالنسبة لها، فهو رمز الوحدة بهذا الاعتبار.

 

وهكذا الأمر بالنسبة للنواحي المعنوية من فكر وسلوك، فالفكرة الوسطى لا بد أن تلتقي بها الأفكار الأخرى في نقطة ما هي نقطة الاعتدال والعدل، فالتوسط بهذا الاعتبار مركز الوحدة الفكرية والسلوكية.

 

وكذلك التوسط مركز التكامل والتفاعل، لأن أسباب الاتصال والالتقاء بين الأطراف تنطلق منه أو تمر به، والصلة بين الأطراف المختلفة تكون دائماً عن طريق الوسط ومن خلاله وبواسطته فهو نقطة جذب للأطراف المختلفة.

 

فالوسط مركز الوحدة وشاهدها والأمين عليها عندما يهددها تعدد الأطراف وتضاد اختلافها، ولذلك قال تعالى: ? لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شهيداً ? [البقرة: 143].

 

فلفظ الشهداء يحمل معنى الأمانة أي: أمانة تبليغ الرسالة التي حملها محمد صلى الله عليه وسلم وبلغها لهم، ففي هذه الآية تكريم لهذه الأمة بأن جعلتها أمة رسالة، أمة بلاغ، وهي ذات رسالة أعظم نبي خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم لتقوم من بعده بدوره فأي تكريم بعد ذلك.

 

إن هذا الفضل لهذه الأمة يرجع إلى سمو رسالتها وغايتها، وسمو وسيلتها؛ لأن الإسلام أوسط الأديان، فهو رمز نقائها وصفائها ووحدتها وتكاملها واتصالها.[18]

 

إن اعتدال المنهج الإسلامي وتوسطه في النواحي الروحية والمادية يحصنه من مزالق عدم الاستقرار، ليمنح من أظله بظله العدل والاطمئنان.

 

أهداف الوسطية في الإسلام:

لكل شيء هدف وغاية، وكذلك الوسطية في الإسلام تهدف إلى عدة أهداف، منها:

1 - البحث عن الحقيقة المجردة والوصول إليها بعيداً عن نوازع الأهواء والشهوات، على أن تكون موافقة لما ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

 

2 - الاستقامة والبينية: الاستقامة بلزوم منهج الاعتدال والتوسط بلا انحراف، والبينية في كل أمر، فالصراط المستقيم بين صراطي المغضوب عليهم والضالين.

 

3 - تحقيق مبدأ تيسير الدين الإسلامي، فمبنى الإسلام على اليسر، الذي يعتبر خاصية من خصائصه المميزة له عن بقية الأديان والمذاهب الأخرى.

 

فبعثة محمد صلى الله عليه وسلم رافقتها رفع الأغلال والآصار الواقعة على الأمم السابقة، قال تعالى: ? الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ? [الأعراف: 157].

 

وقال تعالى: ? يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ? [البقرة: 185].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)[19].

 

4 - رفع الحرج: والحرج هو: (كل ما أدى إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال، حالها ومآلها)[20].

 

إن رفع الحرج سمة لازمة لمفهوم الوسطية، وقد نص القرآن الكريم على نفي الحرج عن هذا الدين حيث قال: ? مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ ِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ? [المائدة: 6].

 

وقال أيضاً: ? وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ? [الحج: 78].

 

يقول أبو بكر الجصاص - رحمه الله -: (لما كان الحرج هو الضيق، ونفى عن نفسه إرادة الحرج بنا، ساغ الاستدلال بظاهره في نفي الضيق وإثبات التوسعة في كل ما اختلف فيه من أحكام السمعيات، فيكون القائل محجوجاً بظاهر الآية)[21].

 

وعن أسامة بن شريك - رضي الله عنه - قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت الأعراب من كل مكان، فقالوا يا رسول الله! أعلينا حرج في كذا وكذا؟ قال: عباد الله، وضع الله الحرج [22].

 

5 - من أهداف الوسطية تقرير مبدأ سماحة الإسلام ولينه، لأنه وكما ذكرنا أن الوسطية هي العدل والخيرية اللتان تقتضيان اللين والسماحة، هذه السماحة التي تبرز خاصة في نطاق الدعوة ونشر الدين، وفي معاملة العصاة والمخالفين.

 

عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه [23].

 

وعنها - رضي الله عنها - أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه [24].

 

ويقول تعالى راسماً لنبيه صلى الله عليه وسلم وللدعاة من بعده طريق الدعوة ومنهجها: ? ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ? [النحل: 125].

 

فأرشده ربه إلى القيام بواجب الدعوة بإحدى الطرق الثلاث أو بكلها معاً:

1 - الحكمة.

2 - الموعظة الحسنة.

3 - الجدال بالتي هي أحسن.

 

وما وصف الجدال والموعظة بالإحسان إلا من باب التأكيد على معنى السماحة واللين في الدعوة وعدم اتخاذ الشدة والعنف وسيلة لها.[25]

 

كما زخرت السنة النبوية بآثار دالة على هذا المعنى، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رجلاً أصاب من امرأة قُبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فنزلت: ? وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ? [هود: 114] فقال الرجل يا رسول الله! ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتي [26].

 

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم دعوه، واهرقوا على بوله سجلاً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين [27].

 

فدلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مقصود الإسلام من السماحة وعدم التشديد على العاصي المخالف، وإنما يوجه ويعلم وينصح.

 

ويحسن هنا التنبية بشكل موجز: على أن تشريع الجهاد في سبيل الله لا يتنافى مع سماحة الإسلام ووسطيته، فالجهاد لا يلجأ إليه إلا بعد استنفاذ الوسائل الأخرى، إذ هو لنشر الإسلام بمعنى نشر الوسطية التي يمثلها الإسلام؛ لتعود الحياة إلى نصابها ووضعها الطبيعي.

 

فالجهاد صمام أمان يتخذ لإعادة كفتي الميزان - الإفراط والتفريط - إلى حالة التوازن والاستقرار والاعتدال.[28]

 

فوائد الوسطية وآثارها:

تمتاز الوسطية في الإسلام بعدة آثار وفوائد على قدر من الأهمية، لأنها المعيار الضابط لتحديد حقيقة الوسطية كما وردت في الكتاب والسنة وكما طبقها صالحوا الأمة وفضائلها، ولعل أهم مزايا وآثار الوسطية ما يلي:

‌أ - الاستقامة.

‌ب - الخيرية.

‌ج - الأمان والاطمئنان.

‌د - القوة والثبات.

هـ - العدل

 

أ - الاستقامة: هي: (كلمة جامعة،آخذه بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء)[29].

 

وقد أمر الله - جل وعلا - بالاستقامة ولزومها فقال: ? فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ ? [هود: 112]، وقال أيضاً: ? إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ? [فصلت: 30].

 

كما حثت السنة على لزوم الاستقامة والثبات عليها. فعن سفيان بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك؟ قال: قل آمنت بالله ثم فاستقم [30].

 

والاستقامة حالة لا تحدث إلا بالتزام وسطية الإسلام التي لا انحراف فيها ولا عوج.

 

ب - الخيرية: إن كون الخيرية من فوائد الوسطية وأثارها الطيبة تظهر في أمور أهمها:

1 - أن الخيرية صفة لازمة للأمة المسلمة قال تعالى: ? كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ? [آل عمران: 110] وقال أيضا: ? وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ? [آل عمران: 4] والخير هو كل ما أقره الشرع ودعا إليه ونبه عليه، والدعوة إليه تقتضي الدعوة إلى الوسطية التي هي جوهر الإسلام. كما أن التذكير بالخيرية هو تذكير بحبل النجاة وهو حبل الله المتين الذي لا يزيغ من تمسك به.

 

2 - إن الخيرية ترتبط ارتباطاً جوهرياً بمصدر القاعدة التشريعية وأثرها وجوهرها ومظهرها، فهذه القاعدة إلهية المصدر فرضها الله تعالى وهذا سر خيريتها، وهي إنسانية الأثر؛ لأن هدفها إصلاح حياة البشر.

 

3 - إن الوسطية دليل الخيرية وهذا ظاهر في الماديات والمعنويات ففي كل أمر مادي أو معنوي نجد التوسط دائماً خيراً من الأطراف.

 

د - الأمان: من أهم أثار الوسطية الأمان والاطمئنان، لكون الوسطية منطقة أمان وبعد عن الأخطار والمزالق بخلاف الأطراف، والذي يحقق هذا الشعور هو العدل الذي ينبع من الوسطية.

 

فالعدل أمان كما أن الظلم سبب الخوف وعدم الاطمئنان، ومن أظلم الظلم من نأى عن وسطية الإسلام فعطلها.

 

فمن أراد أن يخرج من طريق الخوف والاضطراب فعليه العودة إلى وسطية الإسلام والاستقامة عليها. قال تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ? [فصلت: 30 - 32].

 

هـ - الوسطية دليل قوة وثبات: وذلك لأن الوسط هو مركز القوة في كل شيء فالشباب - مثلاً - يمثل القوة وهو وسط بين الطفولة والشيخوخة، والشمس في وسط النهار أقوى منها في طرفيه، وهذه القوة استندت في قوتها إلى وسطية القاعدة التشريعية الإسلامية. لأن وسطية القاعدة تعني قدرتها على ضبط علاقات الناس في شتى مجالات الحياة ضبطاً محكماً وملائماً استناداً إلى تجرد القاعدة الشرعية الإسلامية ذاتها، بكونها ربانية المصدر، وهي لهذا السبب تتحرر من كل ما يستبد بها فهي لا تخدم فئة معينة، بل تهدف إلى إرضاء جميع المخاطبين بأحكامها.[31]

 

و - العدل ولعل هذا من نافلة القول لكنه أثر لا يخفى وكيف والوسطية نفسها عدل، إن التشريع كله عدل ووسط مع الله - جل وعلا - ومع النفس ومع الناس يقول القاضي أبو بكر بن العربي - رحمه الله -: (العدل بين العبد وربه بامتثال أوامره واجتناب مناهيه. وبين العبد وبين نفسه بمزيد من الطاعات وتوقي الشبهات والشهوات. وبين العبد وبين غيره بالإنصاف)[32].

 

وبالعدل تستقيم دنيا الناس وهذا هدف من أهداف الوسطية.

 

يقول ابن تيمية - رحمه الله -: (وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل، الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر ما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم تشترك في إثم.

 

ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة)[33].

 

وإذا عمل الناس بالشرع - الذي هو الوسطية - تحقق العدل: (فالشرع هو العدل، والعدل هو الشرع، ومن حكم بالعدل فقد حكم بالشرع. فإن هذا الشرع المنزل كله عدل، ليس فيه ظلم ولا جهل)[34].

 

وفي قوله تعالى: ? وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ? [المائدة: 8].

يعلق ابن تيمية - رحمة الله - بقوله: (وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بغض مأمور به، فإذا كان البغض الذي أمر الله به قد نهى صاحبه أن يظلم من أبغضه، فكيف في بغض مسلم بتأويل أو بهوى نفس؟ فهو أحق أن لا يظلم، بل يعدل عليه)[35].

 

موقف الناس في فهم الوسطية:

بالرغم من الكثرة ذكر الوسطية والتأكيد على معانيها في الكتاب والسنة إلا أن حقيقة الوسطية ومفهومها الصحيح غير معروفة لدى كثير من المسلمين، ويمكن تصنيف المسلمين حسب مفهومهم للوسطية إلى فئتين هما:

1 - فئة فهمت المعنى الحقيقي للوسطية كما جاءت في الكتاب والسنة مدركة أن الشريعة الإسلامية جارية في التكيف بمقتضاها على طريق الوسط العدل، والأخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه ولا انحراف، تكليف جار على موازنة تقتضي من جميع المكلفين غاية الاعتدال والتوسط، مع إدراك هذه الفئة أن الإفراط والتفريط مغاير لقصد الشارع، فكان منهجها الاعتدال والوسطية.

 

2 - فئة قد فهمت الوسطية فهما خاطئاً منحرفاً، ولهذه الفئة اتجاهان:

أ - اتجاه يرى أن الوسطية تعني التساهل والتنازل فوقعت في فهمها على جانب الانحراف لا الوسط، فإذا رأت مسلماً ملتزماً بدينه يمارس تعاليم الدين كما أرادها الشرع قالت له: دين الله يسر لماذا هذا التشدد والغلو؟ فتعتبر الورع والأخذ بالعزائم، أو دعوة الناس إلى الالتزام بها من قبيل الغلو والتشدد، وهذا قول فاسد يدل على عدم فهم قائله لحقيقة الوسطية التي أرادها الشرع.

ب - اتجاه مندفع متحمس وهذا أيضاً وقع على إحدى طرفي التوسط لا الوسطية نتيجة عدم فهمهم لحقيقة الوسطية المرادة في الكتاب والسنة، وهؤلاء يتهمون كل من لم يشاركهم فهمهم وطريقتهم وإن كان من أصحاب المنهج الحق والوسطية، بالتساهل والتهاون، بل وأحياناً بالتنازل والممالأة، والعجب أنهم يدعون الوسطية بقولهم ويخالفوها بفعلهم.[36]

 

بما سبق نعلم أن الوسطية والاعتدال في الإسلام سمة له راسخة في تعاليمه وأهدافه ووسائله، تميز بها عن غيره من المناهج والتشريعات، فحق لأفراده أن يمتازوا عن غيرهم بالشهادة عليهم؛ لكونهم عدول وسط.




[1] ينظر: زيد عبد الكريم الزيد: الوسطية في الإسلام: تعريف وتطبيق: (8 - 10)، وأبو الحسن الندوي: الأمة الإسلامية وحدتها ووسطيتها: (12)، وعمر الأميري: وسطية الإسلام: (57، 70).

[2] رواه أبو داود: كتاب: السنة، باب: في لزوم السنة: برقم: (4607)، والترمذي: كتاب: العلم، باب:ما جاء في الأخذ بالسنة: برقم: (2676) وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم في مستدركه: كتاب: العلم: برقم: (329) واللفظ له، وقال: حديث صحيح ليس له علة.

[3] ينظر: الشنقيطي: أضواء البيان: (1/ 17)، وعبد الرحمن بن معلا اللويحق: الغلو في الدين: (27).

[4] رواه البخاري: كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا): (6 / 26).

[5] رواه البخاري: كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى:(وكذلك جعلناكم أمة وسط): (6 - 36).

[6] ينظر: الطبري: جامع البيان: (2/ 7 - 8)، والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (2/ 153 - 154)، وابن كثير: تفسير القرآن العظيم: (1/ 190)،و الشوكاني: فتح القدير: (1/ 150).

[7] جامع البيان: (2/ 7).

[8] ينظر: الرازي: التفسير الكبير: (4/ 97).

[9] ينظر: المعجم الوسيط: مادة: (وسط).

[10] جامع البيان: (2/ 6).

[11] رواه البخاري:كتاب: الاعتصام، باب: الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (6/ 115).

[12] رواه أبو داود: كتاب: السنة، باب: لزوم السنة (برقم: 4612) وينظر في معنى الحديث: العظيم آبادي: عون المعبود: (12/ 369 ـ 370).

[13] مدارج السالكين (2/ 496).

[14] نقلاً عن أحمد إبراهيم: الفضائل الأخلاقية: (272).

[15] ميزان العمل: (273).

[16] علم الأخلاق: (245) وينظر: أحمد إبراهيم: الفضائل الأخلاقية: (272).

[17] ينظر: عبد الرحمن اللويحق: الغلو في الدين: (32).

[18] ينظر: سليمان الحقيل: حقيقة موقف الإسلام من التطرف: (42 - 43).

[19] رواه البخاري: كتاب: الإيمان، باب: الدين يسر برقم (39).

[20] صالح بن حميد: رفع الحرج: (47).

[21] أحكام القرآن: (2/ 39).

[22] أخرجه المقدسي: في: الأحاديث المختارة: (4/ 167) وقال عنه: إسناده صحيح، والطبراني: المعجم الكبير: (1/ 179).

[23] رواه مسلم: كتاب: البر والصلة، باب: فضل الرفق: برقم: (2593).

[24] المصدر نفسه: برقم: (2594).

[25] ينظر: عبد الرحمن اللويحق: الغلو في الدين: (44).

[26] رواه البخاري: كتاب: التفسير في تفسير سورة هود: (6/ 94) ومسلم: كتاب التوبة، باب: قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات): (4/ 2215).

[27] رواه البخاري: كتاب الوضوء، باب: صب الماء على البول في المسجد: (1/ 65)، ومسلم كتاب الطهارة: باب: وجوب غسل البول وغيره: (1/ 237).

[28] ينظر: عبد الرحمن اللويحق: الغلو في الدين: (44) وما بعده.

[29] ابن القيم: مدارج السالكين: (1/ 104).

[30] رواه مسلم: كتاب الإيمان، باب: جامع أوصاف الإسلام: (38).

[31] ينظر: يوسف القرضاوي: الخصائص العامة للإسلام: (132 - 134)، ومجلة البحوث الفقهية / العدد: (20: 16 - 21)، وسليمان الحقيل: حقيقة موقف الإسلام من التطرف: (46 - 47).

[32] ابن حجر: فتح الباري: (10/ 589).

[33] مجموع الفتاوى: (28/ 146).

[34] المصدر نفسه: (35 / 366).

[35] منهاج السنة: (5/ 127).

[36] ينظر: سليمان الحقيل: حقيقة موقف الإسلام من التطرف: (48 - 49)


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook