الوقف.. أجر خالد من رب معطاء

الكاتب: المدير -
الوقف.. أجر خالد من رب معطاء
"الوقف.. أجر خالد من رب معطاء
(نماذج تاريخية)

 

من لوازم الدعوة إلى الله تعالى أن تكون شاملةً لكل جوانب الحياة، راعيةً لمصالح المجتمع كافة، خادمةً الجوانبَ الثقافية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية، وغيرها من مجالات الحياة المتنوعة.

 

ومن أهمِّ ما يخدم الأمةَ الإسلامية من الناحية الاقتصادية نظامُ الوقف؛ فهو يوفِّر لها مواردَ مالية تمكِّنها من الوفاء بنفقات الكثير من المشروعات الدعوية والمؤسسات الخيرية، بالإضافة إلى الثواب الجزيل الذي يلحق الواقفَ في حياته وبعد مماته.

 

• والوقف: هو حَبْس العين عن التمليك، مع التصدُّق بمنفعتها، فتكون العين زائلة إلى مُلْك الله تعالى[1].

 

ولقد حثَّ الشارع الحكيم على استخدام نظام الوقف، وهو بابٌ من أوسع أبواب الإنفاق؛ قال تعالى: ? لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ? [آل عمران: 92]، كما جاء في الحديث الشريف، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا مات الإنسان، انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))[2].

قال النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: وفيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه[3].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: ((مَن احتبس فرسًا في سبيل الله، إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده، فإن شِبَعَه ورِيَّه ورَوْثه وبَوْله في ميزانه يوم القيامة))[4].

 

• وقد أوقف كثير من الصحابة رضي الله عنهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وبعد وفاته أيضًا:

فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخَيْبر، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يستأمِرُه فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: ((إن شئت حبست أصلها وتصدَّقت بها))، قال: فتصدَّق بها عمر، أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، وتصدَّق بها في الفقراء وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، ولا جناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول[5].

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ينبغي لمن أراد أن يوقِف أن ينظرَ إلى ما هو أقرب إلى رضا الله ومحبته، وأنفع لعباده، وأن يتحرى ما نتائجه أكثر، وعوائده أعم وأنفع[6].

 

ولقد ذخرَتْ كتب التاريخ على مرِّ العصور بدعاةٍ أجزلوا العطاء في أوقافهم، ومِن أولئك: ملوك وعلماء وصالحو الدولة الأيوبيَّة، ومِن مؤرخي تاريخ تلك الحقبة ابن جُبير؛ إذ أشار إلى الموارد التي عيَّنتها الدولة في عهد الأيوبيِّين للإنفاق على المشروعات الخيرية والمؤسسات التعليمية، وعبَّر عن كثرتها وسَعَة انتشارها، فقال: ولكل مشهدٍ من هذه المشاهد أوقافٌ معينة من بساتين، وأرضٍ بيضاء، ورباعٍ، حتى إن البلد تكاد الأوقاف تستغرقُ جميع ما فيها، وكل مسجد يستحدث بناؤه أو مدرسة، يعين لها السلطان الأيوبي أوقافًا تقوم بها وبساكنيها والملتزمين بها[7].

 

أ- أوقاف الملوك:

• لَمَّا ملك صلاح الدين لم يكن بمصرَ شيءٌ من المدارس، فعمر منها الكثير، ورتب لها الأوقاف[8]، كما أمر باتخاذ دارٍ في القصر بيمارستانًا - أي مستشفى - للمرضى، ووقف عليه وقوفًا كثيرة[9].

 

وقد وقف رحمه الله ناحيةَ (نقادة) من أعمال قوص، بناحية الصعيد الأعلى، وثلث ناحية سندبيس من القليوبية على أربعة وعشرين خادمًا، للخدمة في المسجد النبوي الشريف[10].

 

ومِن أوقافه أيضًا قرية حزم باللوى من حوران، وقفها على الجماعة الذين يشتغلون بعلم الشريعة، أو بعلمٍ يحتاج إليه الفقيه، وعلى مَن يحضر لسماع الدروس بالزاوية الغربية من جامع دمشق، المعروفة بالفقيه الزاهد نصر المقدسي، وعلى مَن هو مدرسهم بهذا الموضع من أصحاب الإمام الشافعي، وجعل النظر لقطب الدين النيسابوري رحمه الله.

 

يقول أبو شامة: ورأيتُ كتاب الوقف على هذه الصورة، وعليه علامة السلطان رحمه الله: الحمد لله، وبه توفيقي[11].

ولَمَّا وصل السلطان إلى عكا، قام ببعض الترتيبات الجديدة، فوقف نصف دار الاستبارية على الفقهاء، والنصف الثاني على مجالات أخرى، ووقف دار الأسقف بيمارستانًا، وسلم الأوقاف جميعًا إلى أحد القضاة ليكون الناظر فيها[12].

 

ولمَّا فتح بيت المقدس، قام في أثناء إقامته بوقفِ عدد من الأوقاف؛ فوقف بعض عمائر حي البطريرك على وجوه الخير والمصالح العامة، كما أوقف بعد استشارةِ العلماء والفقهاء قصرَ بطريرك الصليبيين القريب من الكنيسة رباطًا، ووقف عليه وقفًا كبيرًا للقيام بمصالحه الكثيرة، كما حوَّل كنيسة في مجمع الاستبارية الكبير إلى بيمارستان، وجهَّزه بكل ما يحتاج إليه، ووقف عليه أوقافًا تفي بمصاريفه، وأحضر إليه الأدوية والعقاقير النادرة من مختلف حواضر بلاده[13].

 

وقد عبر المؤرخ ابن خلكان عن إعجابه بسخاء صلاح الدين في أوقافه، فيقول عنه: ولقد فكَّرت في نفسي في أمور هذا الرجل، وقلت: إنه سعيد في الدنيا والآخرة، فإنه فعل في الدنيا هذه الأفعال المشهورة من الفتوحات الكبيرة وغيرها، ورتب هذه الأوقاف العظيمة، وليس فيها شيء منسوب إليه في الظاهر، وهذه صدقة السر على الحقيقة[14].

 

• ومن الملوك الذين وقفوا الملكُ الكامل، فقد روي أنه وقف الوقوف على أنواع البر، وأنفق الأموال[15].

 

• ومنهم الملك المنصور صاحب حماة، فقد روي أنه ورد إلى بابه سيف الدين أبو الحسن علي الآمدي، فبنى له المنصور مدرسةً، وأجرى له الأوقاف، وواظب على حضور مجلسه[16].

 

• أما الأمير عز الدين عثمان بن الزنجيلي، فقد روي أن له أوقافًا كثيرة وصدقات بمكة واليمن ودمشق، وإليه تُنسب المدرسة والرباط المتقابلانِ بباب العمرة بمكة، والمدرسة التي خارج باب توما بدمشق[17].

 

ب- أوقاف النساء:

• مِن النساء اللاتي حرَصْنَ على الوقف في عهد الدولة الأيوبيَّة: ستُّ الشام خاتون، فقد أوقفت مدارس، ووقفت عليها أوقافًا كثيرة، ولها بر وصدقات[18].

 

• ومنهن ربيعة خاتون، فقد وقفت مدرسة للحنابلة، وجعلت عليها الأوقاف، ولها تآليف ومجموعات[19].

 

• ومن النساء الفاضلات اللاتي اشتهرن بالوقف: الست خاتون عصمة الدين بنت معين الدين نائب دمشق، زوجة صلاح الدين، كانت مِن أحسن النساء وأعفهن وأكثرهن خدمة، وهي واقفة المدرسة الخاتونية الجوانية، وخانقاه خاتون، ولها أوقاف كثيرة غير ذلك، ولها صدقات كثيرة، وبر عظيم[20].

 

ج- أوقاف العلماء:

• من أشهر العلماء الذين اهتموا بالوقف: القاضي الفاضل؛ فقد روي أن أوقافه كانت على سبيل الخيرات متجاوزة عن الحساب، ولا سيما أوقافه في فَكاك أُسارى المسلمين من أيدي النصارى، فقد كانت له أرضٌ واسعة في مصر يؤجرها بمبالغَ كثيرة، فلما بدأت حركة الجهاد ضد الصليبيين، أوقف هذه الأراضيَ على تخليص أسرى المسلمين، وقد أعان طلبة العلم الشافعية والمالكية عند داره بالمدرسة، والأيتام بالكتَّاب، والخيرات الدارة على الأيام[21].

 

وبعد:

فكانت تلك نماذج نيِّرة لصالحين، أوقَفوا مِن كريم أموالهم؛ تجارةً مع ربهم، فربِحت تجارتُهم، وخلَّد التاريخ اسمهم، وكانوا مثلًا يحتذى بسخائهم، ويقتدى بعطائهم.




[1] التعريفات - 328.

[2] رواه مسلم: ح 4177.

[3] صحيح مسلم بشرح النووي - 11/ 85.

[4] رواه البخاري: ح 2698.

[5] رواه البخاري: ح 2586.

[6] مجموع الفتاوى - ابن تيمية - 31/ 387.

[7] هكذا ظهر جيل صلاح الدين، وهكذا عادت القدس - 288.

[8] وفَيَات الأعيان - 7/ 207.

[9] انظر: كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية - 2/ 447.

[10] السلوك لمعرفة دول الملوك - 1/ 57.

[11] كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية - 2/ 430.

[12] صلاح الدين - القائد وعصره - 351.

[13] المصدر السابق - 340.

[14] وفَيَات الأعيان - 7/ 207.

[15] سير أعلام النبلاء - 22/ 127.

[16] مفرج الكروب في أخبار بني أيوب - 4/ 78.

[17] كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية - 3/ 97.

[18] سير أعلام النبلاء - 22/ 78.

[19] شفاء القلوب في مناقب بني أيوب - 230.

[20] الدارس في تاريخ المدارس - 1/ 507.

[21] البداية والنهاية - 16/ 699


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook