اليأس من حصول النعم وزوال النقم ليس من صفات المسلمين

الكاتب: المدير -
اليأس من حصول النعم وزوال النقم ليس من صفات المسلمين
"اليأس من حصول النعم
وزوال النقم ليس من صفات المسلمين




من سنن الله عز وجل في هذه الحياة أن جعلها غير صافيةٍ من الكَدر؛ فنعيمُها ليس بدائم؛ بل فيها العطاء والمنع، والرخاء والشدَّة، والغِنى والفقر، وطالما يعيش الإنسان في هذه الحياة فهو معرَّض لتغيُّر الأحوال؛ من صحَّةٍ ومرض، رخاء وشدة، سَعة وضيق، ولا يضمن إنسانٌ منَّا أن يعيش حياةً خاليةً من المواقف الصعبة والظروف العصيبة؛ لأن دوام الحال من المحال، يقول الله عز وجل: ? كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ? [الرحمن: 29].

 

ولقد عاب الله عزَّ وجل على صِنف من النَّاس إذا فازوا بمقصدهم ووصَلوا إلى مبتغاهم، اغترُّوا وصاروا متمرِّدين على طاعة الله عزَّ وجل مبتعدين عنه، ولكن إذا نزلت بهم نازِلة أو ألَمَّ بهم الخَطب، استولى عليهم الأسفُ والحزن واليأس، وكأنهم ما ذاقوا خيرًا قط، قال الله عزَّ وجل: ? وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا ? [الإسراء: 83].

 

يُخبرُ تعالى عن نقص الإنسان من حيثُ هو، إلَّا مَن عصم الله تعالى في حالتَيْ سرَّائه وضرَّائه؛ بأنَّه إذا أنعم الله عليه بمالٍ وعافيةٍ، وفتحٍ ورزقٍ ونصرٍ، ونال ما يُريدُ، أعرَضَ عن طاعة الله وعبادته، ونأى بجانبه... وهذا كقوله تعالى: ? فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ ? [يونس: 12]، وقوله: ? فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ? [الإسراء: 67]، وبأنَّه إذا مسَّه الشَّرُّ - وهو المصائبُ والحوادثُ والنَّوائبُ - ? كَانَ يَؤُوسًا ?؛ أي: قنط أن يعود يحصُل له بعد ذلك خيرٌ[1].

 

والمؤمن يَنظر بعين البصيرة، ويرى قُدرةَ الله تعالى في حالتَي السرَّاء والضرَّاء؛ فيشكرُه على نِعَمه في حالة السرَّاء، ويصبرُ في حالة الضرَّاء، ويعلم أنَّ المنعِم يقدر، فلم يُعرِضْ عند النعمة بطرًا وأشرًا، ولم يغفُل عن المنعِم، ولم يجزع عند النِّقمة جزعًا وضجرًا[2].

 

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ? لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ? [فصلت: 49 - 51].

 

هذه الآيات الكريمة تُرشِدنا إلى طبيعة الجِنس الإنساني، وهي كونه لا يَكتفي بما رزَقَه الله عز وجل مِن خير؛ فهو يَطلب الخيرَ على الدوام، وإذا مسَّه الشرُّ يَضجر وييئس ويقنط ويشُقُّ عليه ذلك؛ فهو لا يوازي بين ما كان فيه من خير، وبين ما يصيبه من شرٍّ في بعض الأوقات، فلئن مسَّه الشرُّ زمنًا، فقد حلَّ به الخير أزمانًا، يَسأل اللهَ المزيد وقت الرخاء، وييئس ويقنط وقت الشدَّة والبلاء، وقوله تعالى: ? لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ? هذه آياتٌ نزلَتْ في كفَّار، قيل: في الوليد بن المُغيرة، وقيل: في عُتبة بن ربيعة، وجُلُّ الآية يُعطي أنَّها نزلَتْ في كُفَّارٍ، وإن كان أوَّلُها يتضمن خُلُقًا ربما شارك فيها بعض المؤمنين[3].

 

يقول تعالى لا يَمَلُّ الإنسان من دُعاء ربه بالخير؛ وهو المال وصحَّة الجسم، وغير ذلك، فإن مسَّه الشرُّ؛ وهو البلاء أو الفقر، ? فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ ?؛ أي: يَقع في ذهنه أنَّه لا يتهيَّأ له بعد هذا خير: ? وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي ?؛ أي: إذا أصابه خيرٌ ورِزق بعد ما كان في شدَّة، ليقولنَّ: هذا لي، إنِّي كنتُ أستحقُّه عند ربي، ? وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ?؛ أي: يَكفر بقيام الساعة؛ أي: لأجل أنَّه خُوِّل نِعمة يَبطَرُ ويفخر ويكفر؛ كما قال تعالى: ? كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ? [العلق: 6، 7].

 

? وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى ?؛ أي: ولئن كان ثَمَّ مَعاد، فلَيُحسننَّ إليَّ ربِّي كما أحسَنَ إليَّ في هذه الدار، يتمنَّى على الله عز وجل مع إساءته العمل وعدم اليقين، قال الله تبارك وتعالى: ? فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ?؛ يتهدَّد تعالى مَن كان هذا عمَلَه واعتِقادَه بالعقاب والنكال.

 

ثمَّ قال تعالى: ? وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ?؛ أي: أعرض عن الطَّاعة واستكبر عن الانقياد لأوامر الله عزَّ وجل؛ كقوله جل جلاله: ? فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ ? [الذاريات: 39].

 

? وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ ?؛ أي: الشدَّة، ? فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ?؛ أي: يُطيل المسألةَ في الشيء الواحد؛ فالكلام العَريض: ما طال لفظه وقلَّ معناه، والوجيز عَكسه؛ وهو ما قَلَّ ودَلَّ[4].

 

وهذه الآيات تَعيب على الإنسان يَأسه وقُنوطه من رحمة الله، وتحمله على الرجاء وعلى الدُّعاء بدفع الضرِّ عنه، كذا بالأصل، ولعلها: وعدم اليأس؛ لأنَّه صِفة القلب التي تدعو اليائس إلى أن يقطع رجاءه من الخير، وهي المؤثِّرة فيما يَظهر على الصورة من التضاؤل والانكسار، ثمَّ يجيء القنوطُ بعد اليأس ليزيد أثره على الوجه؛ فهو من باب التدرُّج من الأدنى إلى الأعلى[5].




[1] تفسير القرآن العظيم (5/ 113) بتصرف.

[2] محاسن التأويل (6/ 499).

[3] الجواهر الحسان في تفسير القرآن (5/ 146).

[4] تفسير القرآن العظيم (4/ 126، 127).

[5] التفسير الوسيط للقرآن الكريم (9/ 718).


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook