اهبطوا من الجنة

الكاتب: المدير -
اهبطوا من الجنة
"اهبطوا من الجنة




نظرةُ البعض المثالية لبعض الأمور - سواء كانت أشخاصًا أو جماداتٍ أو أفكارًا - تشحن الأجواءَ المحيطة بهم دومًا، وتَجعل من الصعب التوصُّل معهم إلى حوارٍ بنَّاء وفعَّال يتَجاوز العَقبات ويصنع التقارب والتآلُف، فهذا التوتُّر الذي يتسبَّبون به لأنفسهم يسلبهم الرَّاحةَ والرِّضا بالدرجة الأولى قبل أن تَنتقل عدوى التذمُّر والاستياء إلى غيرهم؛ لأنَّهم – وببساطة - لا يَقبلون من تعاملات النَّاس إلا المتعِب المضني، ويعتبرون كلَّ ما دون ذلك هَذَرًا لا يستحقُّ الالتِفات له بكلمة شُكرٍ، أو حتى شعورًا بالتقدير للمعطي أو لقيمة العطاء.

 

هؤلاء النَّرجسيون ذوو الحساسية المفرِطة المقرونة بسوء الظنِّ في الغالب، لن يَجِدوا مبتغاهم في أحدٍ من البشَر في هذه الدنيا التي جبلَت على المكارِه، ولا حتى في أنفسهم؛ لأنَّ مَن يأبى الاعتِراف بالنَّقص البشري المشترك لدى الجميع بلا استِثناء - عدا الأنبياء والرُّسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - فقد نسَب لنفسه الكمالَ ولو بدون الإفصاح بذلك، فنَظرة الازدِراء للآخرين المسيطِرة على طِباع المثاليِّين تتكلَّم عن نفسها في كلِّ موقف أو تعليق؛ فهذا لا تُعجبه من المائدة الممدودة أمامه سوى الملعَقة النَّاقصة، وتلك لا ترى مِن معروف جارتِها في مساعدتها بتنظيف المنزل سوى أنَّها نسيَت الخرقةَ مبلَّلة، وذلك لا يجِد في إكرام زَوجته لضيوفه إلا أنَّها كسرَت كأسًا في نهاية زيارتهم.

 

وفي المقابل، إذا أراد الآخرون وضْعَ هذه المثاليات التي يُنادي بها المثاليُّون في مِرآةٍ تعكس واقعَهم، فسيَجدون العجبَ العجابَ من التهاون والتقصير في الحقوق والأخلاق والتعاملات، بل سيَكتشفون قاعدةً عامَّةً تجمعهم في أنَّهم إنَّما ينتقدون غيرَهم فيما يَفتقدونه عمليًّا في حياتهم الخاصَّة؛ لتغدو عملية الاستياء والسخطِ الدَّائم ونشْدِ المثاليَّات عبارة عن تفريغٍ لطاقتهم السلبيَّة الناتجة عن فشَل كبير في الوصول إلى ما يَطمحون له من أهدافٍ، وليست لأجل الارتقاء بالآخر، أو لصناعةِ حياةٍ أفضل للجميع.

 

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((سدِّدوا وقارِبوا وأبشِروا...))، أمَّا هؤلاء فيَعتقدون التسديدَ والتقارب؛ بالتغافُل عن أخطاء الآخرين تارة، وبالحِكمة والموعظَةِ الحسنَة تارةً أخرى، تنازلًا عن المسلَّمات لا يرقى إلى مستوى أحلامهم المثاليَّة، وبالتالي لن يَنفعهم التقليل من شأن ما ينادون به أبدًا، أو التعرُّض لشخصيَّاتهم بشكلٍ مباشر، فعلى المرء أن يَعي تمامًا أنَّ أصْلَ هذا الدَّاء هو الشعورُ بالنَّقص تجاه النَّفس وخيبة الأمَل في تحقيق الآمال، وبالتالي لا بدَّ ممَّن يحيط بهم مَعرفة ذلك وتزويد نفسه بطاقة إيجابيَّة؛ لتعويض ما سيتمُّ فَقْدُه جرَّاء قساوة حديثهم وسخريتهم من كل إنجازٍ أو معروف، ثمَّ النَّظر إليهم بعين الرَّحمة والموازنة في توجيه المديح لتصرُّفاتهم الحسنَة، مع الدعاء لهم أن يهبطوا من الجنَّة المرسومةِ في أذهانهم إلى الأرض التي تحتاج الإعمارَ لها بتطبيق هذه المسلَّمات على أنفسهم أولًا، والكفِّ عن إلزام النَّاس برؤيتهم وامتصاصِ طاقتهم بالازدِراء والتجريح المتعمد؛ فـ ((رحِمَ الله امرَأً عرَف قدْرَ نفسه)).


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook