بدأ الإبحار في عرض المحيط وبدأ الربان يشعر بالأمان

الكاتب: المدير -
بدأ الإبحار في عرض المحيط وبدأ الربان يشعر بالأمان
"بدأ الإبحار في عرض المحيط وبدأ الرُّبَّان يشعر بالأمان

 

الإبحار نحو الحقيقة سفر قد يحتاج أحيانًا إلى زمن غير يسير، وجهد مضنٍ كبير، ففي الطريق إليه يزداد عنفوان الأمواج الهائجة المحذرة من خوض غمار الهول المضطرب، وعلى الشواطئ تقف جواذب شديدة الجذب تحاول الإمساك بالربان المشتاق حتى لا ينطلق إلى الغاية المنشودة.

 

غير أن العزيمة المتقدة لدى الملَّاح الذي يريد الوصول إلى هدفه السامي تجعله صُلبًا أمام زوابع التثبيط، وعوامل المكوث على الضفاف، فيعزم عزمًا جازمًا بلا تردد على المضي نحو الحقيقة الغالية، متحملاً في سبيلها المشقات تلو المشقات، فإذا وصل إلى بغيته وجدها تستحق كل ذلك العناء.

 

ليحمد اللهَ امرؤٌ نشأ على الإسلام وعرفه على صورته الصحيحة من غير غبار يكدر مرآته الصافية، فهناك ناس في هذا العالم المعاصر المليء بالتيه عن الحق لم يستطيعوا الوصول إلى الحق، ومن وصل إليه من السعداء لم يصل إليه إلا بعد رحلة محفوفة بالمخاطر، وشدة الموانع، وكثرة المعوقات التي أعانه الله تعالى على تجاوزها حتى رست سفينة إبحاره على شاطئ السلامة.

 

راندا نيقوسيان امرأة دانماركية أسلمت بسبب آية من كتاب الله، تقول عن نفسها: رغم أني عشت معظم حياتي في الدانمارك، إلا أنني كنت أختلف عن البنات الدانماركيات اللاتي هن في مثل سني، فمعظم الشعب الدانماركي من الملاحدة أو البروتستانت، وكنت على ديانة الكاثوليك الصارمة بالنسبة للمجتمع الدانماركي المنحل. والدي أرمني أرثوذكسي، ووالدتي بوسنية مسلمة لا تعرف من الإسلام سوى اسمه، ولم تكن تعرف أنه لا يجوز زواج المسلمة بمسيحي إلا بعد أن اعتنقت أنا الإسلام وأفهمتها ذلك.


كنت أدرس في مدرسة خاصة هي المدرسة الكاثوليكية، ونظراً لأن بيتنا لا تحكمه عقيدة معينة فقد كان من السهل علي أن أعتنق مذهب المدرسة الكاثوليكي.. تلك المدرسة التي بدأت توجهني ومن وقت مبكر لأن أكون مبشِّرة؛ نظراً لقدرتي على تعلم اللغات واهتمامي بها من جهة، ولإتقاني بعض اللغات القديمة مثل: العبرية والعربية والسريانية،...كنت أدرس العربية عند رجل مسلم فاضل، كان يعطيني من علوم العربية والقرآن ما يفتح آفاق الفضول عندي، ولم يحاول الضغط عليَّ في يوم من الأيام؛ لكي أكون مسلمة، ولكنه كثيراً ما كان يقول لي: (تتحطم السفن عند الشطآن، ولا يشعر الربان بالأمان إلا عندما يبحر في عرض البحر... فأبحري هداك الله ). ومن جهة أخرى كان هناك رجل آخر يقوم بغسل كل ما علق من آثار درس المسلم، بالإضافة إلى إعطائي دروسًا أخرى في الفلسفة والسياسة والاجتماع... وكان ذلك الرجل من القساوسة الكاثوليك الذين طبع الله على قلوبهم فأصبحت غلفًا. كنا نقرأ سوياً كتبًا عن الإسلام والحركات الإسلامية المعاصرة، وعن الملل والنحل، وكنا نبحث من خلال ذلك كله عن نقاط التشكيك في الدين العظيم: الإسلام. أثناء دراستي تلك مع ذلك القس تأثرت قليلاً بالديانة المورمونية التي تحرم المشروبات الروحية والاختلاط في الكنيسة بين الرجال والنساء .. وكان آخر كتاب أقرؤه مع ذلك القس كتاب استعرناه من مكتبة الجامعة اسمه (الإسلام بين الشرق والغرب) للرئيس البوسني علي عزت بيكوفيتش. كان الكتاب باللغة الإنكليزية، ولكن يبدو أن أحد العرب استعاره قبلي، وكتب بقلم رصاص على إحدى حواشيه آية ارتعدت لها فرائصي خوفًا: ? ‏هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ‏فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ‏فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ‏ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ‏‏وَ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ‏‏وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ‏وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ? [آل عمران:7]. خفت كثيراً من تلك الآية، وراجعت ترجمات القرآن بالإنكليزية والفرنسية والدانماركية والبوسنية فوجدت أن المعنى نفسه. قلت للقس: ألا ندرس القرآن ابتغاء الفتنة؟.. قال: لا، نحن ندرسه لننقذ الناس منه. صراع نفسي استمر شهوراً أقبلت فيها بنهم على قراءة الكتب الإسلامية والمسيحية وحيدة، حتى بت أشعر بالتشتت والضياع، فقررت أذهب إلى الله. كنت أسكن بعيدة عن أهلي في السكن الجامعي وكان لي غرفة لا يشاركني فيها أحد، فراودتني فكرة الانتحار لمعرفة الحقيقة: الله نلقاه بعد الموت، إذاً يجب أن أموت لألقى الله. كتبت رسالة ذكرت فيها أسباب الانتحار وقطعت شرايين يدي وذهبت في غيبوبة، كنت أسمع طوال الوقت الآية: ? مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ? [آل عمران:179]. أفقت في غرفة الإنعاش ووجدت فوق رأسي القس وأبي وأمي والرجل المسلم الفاضل مدرس العربية، فرحوا جداً لإفاقتي من الإغماء وكان أول ما قلت لهم: أشهد أن لا اله الا الله وأن محمداً رسول الله. فسقط الأربعة مغشيًا عليهم، فإغماؤهم كان واحداً، ولكن الأسباب شتى. ويومها بدأ الإبحار في عرض المحيط وبدأ الربان يشعر بالأمان.

 

نعم، إنه بدأ الأمان، وجاء الاستقرار والاطمئنان، بعد ذهاب الأعاصير الهوجاء، وسكون الأمواج الرعناء. ونالت النفس هواها بالوصول إلى الحقيقة العظيمة، وحق لها هناك أن تستريح بعد عناء الطريق، وتستقل كل ما بذلت للوصول إلى ما أحبت.

فألقتْ عَصاها واستقرّ بها النَّوَى *** كما قَرَّ عيناً بالإِيابِ المسافرُ [1]




دروس من قصة الهداية:

1- العلم والمعرفة والجد في البحث عن الحقيقة مع صدق النية يقود إلى الهداية.

2- على المعلم المسلم استغلال وظيفته في هداية تلاميذه بالأسلوب الحسن.

3- علينا أن نوقن أن الحرب على القرآن والإسلام وتشويه صفائه، مشتعلة على أصعدة متعددة.

4- فكرة قتل النفس (الانتحار) فكرة تراود النفوس الخاوية من الإيمان، فإذا آمنت زال عنها هذا الهاجس المرعب.

آية من القرآن الكريم -ولو مكتوبة في مكان ما- قد ينقذ الله تعالى بها إنسانًا من الظلام إلى النور.




[1] الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني (8/ 360).


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook