بيت الحمد

الكاتب: المدير -
بيت الحمد
"بيت الحمد




? قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ? [الصافات: 102] هكذا كان الرد الجميل من الابن البار على طلب أبيه، وكان حينها قد ناهَزَ البُلوغ وبات في سنٍّ يُرتجى منه الخير والنفع لوالده، وهنا يأتيه الأمر العظيم بذبحِه.




إنه الابتلاء الأعظم في تاريخ البشرية، وسماه الله البلاء المبين فقال: ? إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ? [الصافات: 106].




ففقْد الابن بحدِّ ذاته أعظم ابتلاء يصاب به الأب، ونَستشعِر ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم حين موت ابنه إبراهيم: ((إنَّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون))، فكيف عندما يكون هذا الابن هو وحيد والديه، وجاء بعد طول انتظار، وبلغ سنًّا كان الأب يترقَّبه بفارغ الصبر بعد أن حلَّت بعتبة عمره الشيخوخة، وكان إبراهيم - عليه السلام - قد اجتاز عتبة الثمانين حينها، وزوجته عاقر لا يُرتجى منها الولد، هنا تعظم المصيبة.

 

والأدهى مِن ذلك أن يتولَّى الأب بيده عمليَّة قتل فؤاده وفلذة كبده، فلا أعظم منها مصيبة وهي غاية الألم والابتلاء، فكيف بقلب شيخ كبير يتحمَّل هذا الموقف العظيم، ما أعظم الأب والابن! ويصل الألم ذِروته أنَّ الابن راضٍ مُنصاعٌ مُستسلِم لأمر الله تعالى، وخلفه والدته التي قد أسلمَت أمرها إلى الله راضية به، والكل يَنتظر الأب ليقوم بواجب الاستِسلام والاستجابة الفورية لما أمر به.

 

لم يكن أمام إبراهيم إلا أن يَمتثل للحظة التنفيذ، وقلبه راضٍ بأمر الله تعالى مُستسلِم مُقبِل غير مدبر، ? فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ? [الصافات: 103]، ولم يكن بين إبراهيم والذبح إلا أن تمر السكين على ذلك العنق الطريِّ النديِّ، هنا يأتي الأمر الإلهي الفوري بأن تتعطَّل خاصية الذبح في السكين، ليقوم الفتى وينفض الغبار عن نفسه، بعد أن ضرب أروع الأمثلة في الصبر والاحتساب، ? يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ? [الصافات: 104، 105]، ويستحق هذا الفتى الصابر الشجاع أن يُفدى بكبش عظيم ينزل من الجنة وليس من بهائم الدنيا، ? وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ? [الصافات: 107]؛ لأنَّ لله حكمة جليلة في ذلك، وقد حقق هذا البيت الصابر قمة الاستسلام والرضا والامتثال للأمر الرباني، فكان الجزاء من الله تعالى أن عادت البسمة تَرتسِمُ على مُحيَّا البيت الكريم.




(ومضت بذلك سُنَّة النحر في الأضحى، ذكرى لهذا الحادث العظيم الذي يرتفع منارةً لحقيقة الإيمان، وجمال الطاعة، وعظَمة التسليم، والذي ترجع إليه الأمة المسلمة لتَعرف فيه حقيقة أبيها إبراهيم، الذي تتبع ملَّته والذي ترث نسبه وعقيدته).


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook