تحري منهاج أهل السنة والجماعة

الكاتب: المدير -
تحري منهاج أهل السنة والجماعة
"تحري منهاج أهل السنة والجماعة

 

المقصود الأعظم من الدعوة إلى الله تعالى أن يدعى الناس إلى عبادة الله وحده والكفر بالطاغوت، وبقية المقاصد تأتي تبعًا له وتتحقق بتحقيقه، وهذا الأمر هو الذي بعث الله تعالى به جميع رسله من أولهم إلى آخرهم، قال سبحانه وتعالى: ? وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ? [النحل: 36].

 

وحقيقة هذا المقصود: اعتقاد أن الله تعالى وحده هو الإله الحق المستحق للعبادة وحده بالحق، وأن لا يشرك به في عبادته وخصائصه أحد من الخلق كائنًا ما كان، فيجب أن يعبد تبارك وتعالى وحده من المكلفين، فلا يسوى به غيره، ولا يلتفت بشيء من حقه لأحد من خلقة كائنًا من كان، فكما أنه لا خالق غيره فلا رب سواه ولا إله حق إلا هو، فلا معبود بحق سواه، فوجب إخلاص العبادة لله، والبراءة من كل معبود سواه ومن كل عبادة لغير الله، وسبيل ذلك اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتقادات والأقوال والأفعال وسائر الأحوال، فإنه هو الذي أنزل الله عليه الكتاب والحكمة وعلمه ما لم يكن يعلم، وخاطبه بقوله: ? يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ? [المائدة: 67]، وخاطب الله سبحانه وتعالى المؤمنين بقوله: ? لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ? [الأحزاب: 21]، وتهدد المخالفين له بقوله: ? فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ? [النور: 63]، وجعل الله سبحانه اتباعه صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا سببًا لمحبة الله ومغفرته، فقال تعالى: ? قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ? [آل عمران: 31].

 

وقد بين صلى الله عليه وسلم ما نُزِّل إليه من ربه بقوله وفعله وتقريره وإنكاره على من خالفه وإيضاح وجه الصواب فيه بيانًا كافيًا شافيًا قامت به الحجة واتضحت به المحجة، وزالت به المعذرة، ووجب به العمل على جميع من بلغه، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يلحق بالرفيق الأعلى حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده وترك الأمة على بيضاء نقية، وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وعند الصحابة منه خبر، وفي يوم عرفة من حجة الوداع أنزل الله عليه قوله سبحانه: ? الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ? [المائدة: 3]، وقرر صلى الله عليه وسلم الصحابة في تلك الحجة بقوله: «إنه يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب»، ثم قال: «وأنتم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟»، قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فأشار بإصبعه السبابة إلى السماء ثم نكتها إلى الأرض قائلًا: «اللهم فاشهد»[1].

 

فقد تلقى الصحابة رضوان الله عليهم الدين عنه صلى الله عليه وسلم علمًا وعملًا، لذلك فهم رضوان الله عليهم أعلم الأمة بما أنزل الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم أئمتها في العمل به، وأسعدها بإصابة الحق والنصح للخلق، فإنهم خير أمة أخرجت للناس، والشهداء على الناس.

 

وهم رضي الله عنهم كما قال فيهم ابن مسعود رضي الله عنه: أبر هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا، وأصدقها ألسنًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فاتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وقد اتفقوا ولله الحمد على أصول العقيدة وجملة أحكام الشريعة، وما اختلفوا فيه من الأحكام فهم مجتهدون فيه، ولا بد أن يكون الصواب مع أحدهم، فلا يمكن أن يتفقوا على ما يخالف الصواب، فإن هذه الأمة معصومة من أن تجتمع على ضلالة، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فهو معذور وخطؤه مغفور، فله أجر اجتهاده ونصحه لله ولكتابه ولرسوله ولعباده، وعلى المجتهد أن يتحرى الصواب من أقوالهم وفتاويهم:

أ‌- فإنهم رضوان الله عليهم قد خلفوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمته في نشر العلم، والدعوة إلى الهدى، وإحياء السنن، وإنكار البدع، والشدة على أهل الأهواء، والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم، والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، فكانوا بحق خلفاء الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم، وأئمة الأمة من بعده إلى يوم الدين، وقد بلغوا التابعين العلم كما حفظوه، وعلموهم العمل كما تعلموه، وشاهدوهم وهم يعملون بما بلغوه وعلموه، فما كان من عملهم وهديهم صحيحًا أقروه، وما كان خلاف ذلك أنكروه وصححوه، فبلغوا العلم والعمل والهدي بأمانة وإخلاص ونصيحة، فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين.

 

ب‌- ولقد سار التابعون للصحابة بإحسان رحمهم الله تعالى على منهاج الصحابة في فهم الكتاب والسنة، والعمل بهما، وتعليمهما الأمة، والنصح للرعاة والرعية، والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والإنكار على من خالف الحق وسعى في ظلم أو إضلال الخلق.

 

ت‌- وعلى هذا النحو أيضًا مضى من جاء بعدهم من تابعي التابعين وأئمة الهدى والدين، أولئك الذي لزموا سنة النبي صلى الله عليه وسلم واجتمعوا عليها حتى عُرِفُوا هم وأتباعهم بها فسموا فيما بعد: «أهل السنة والجماعة»، وكان منهاجهم سبيل النجاة من فتن الدنيا وعذاب الآخرة.

 

فمن أحب أن يُلحقه الله بالسلف الصالحين، وأن يجعل له لسان صدق في الآخرين فليسلك سبيلهم، وليتحرَّ آثارهم، ويمضِ على هديهم ومنهاجهم، حتى يكون من الطائفة الناجية الظاهرة المنصورة التي لا يضرها من خذلها ولا من خالفها ـ اللهم اجعلنا من أئمتهم آمين ـ، فهي الطائفة التي يحفظ الله بها الدين والهدى، ويقيم بها الحجة على أهل الضلال والردى، ومن تنقصهم وصد عن منهاجهم فإنما يعود وبال أمره عليه، قال تعالى: ? وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ? [التوبة: 100]، وقال سبحانه: ? وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ? [النساء: 115].

 

والمقصود: أن الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح من الأمة والتي هي قواعد وجوامع مذهب أهل السنة والجماعة هي أصول ومعالم الحق وبراهين الصدق، من اهتدى بها هُدي وعصم من الضلالة والردى، وهي المعايير التي توزن بها الاعتقادات والأقوال والأعمال وأحوال الرجال ومناهج الطوائف والجماعات، فما وافقها فهو الحق الصراح الذي يُرجى أن يتحقق به لمن كان عليه الصلاح والإصلاح والفوز والفلاح، وما خالفها فهو الباطل الذي ينبغي أن يُقابل بالرد والاطّراح.

 

فعلى الدعاة إلى الله وكل مريد لنفسه النجاة والفلاح ـ أن يتمسك بهما ويدعو إليهما، أعني: الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح من الأمة، وأن يزن بها كل ما يُعرض عليه مما ينسب إلى الدين، ويزعم أنه قربة إلى رب العالمين فما وافقها قبله، وما خالفها طرحه ورده على من جاء به، وأن يحذَر ويُحذِّر ممن خالفها وما خالفها.




[1] أخرجه ابن ماجه برقم (3074)؛ وأبو داود برقم (1905).


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook