تعرف على تاريخ الجوف منذ القرن السادس قبل الميلادفي المملكة العربية السعودية

الكاتب: ولاء الحمود -
تعرف على تاريخ الجوف منذ القرن السادس قبل الميلادفي المملكة العربية السعودية

تعرف على تاريخ الجوف منذ القرن السادس قبل الميلادفي المملكة العربية السعودية.

 
على إثر التحول الذي حدث في ميزان القوى في بلاد الرافدين وبزوغ نجم الدولة البابلية، بعد قضائها على الدولة الآشورية عام 612 ق.م، دخلت منطقة الجوف وقبائلها مرحلة جديدة من العلاقة مع بلاد الرافدين، فلم تعد المصادر تتحدث عن غزوات أو غارات حربية على المنطقة، ما يشير إلى علاقة سلمية بين سكان المنطقة وحكام الدولة البابلية آنذاك، ومن المرجح أن قبائل المنطقة بسبب مساندتها ووقوفها مع الدولة البابلية إبَّان صراعها على السلطة مع الدولة الآشورية تمكنت من بناء علاقة جيدة مع الدولة البابلية الحديثة.
 
ومما يدعم ذلك أن الملك البابلي (نبوخذ نصر الثاني) لا يشير في حملته التي شنَّها في السنة السادسة من حكمه عام 599 ق.م على بلاد العرب (كُر أريبي)  ،  إلى منطقة الجوف، بل كانت مواقع غزواته موجهة ضد القبائل العربية المستوطنة في المناطق الواقعة إلى الشمال في بادية الشام.
 
أما في عهد الملك البابلي (نبونيد) فعلى الرغم من أنه أحدث تحولاً جديدًا في سياسة الدولة البابلية تجاه ممالك شمال غربي الجزيرة العربية وقبائلها، إذ لجأ إلى سياسة الاحتلال المباشر لبعض مناطق شمالي الجزيرة العربية (تيماء، ويثرب، ودادن (العلا حاليًا)، وخيبر، والحائط والحويط)  ،  إلا أن مصادر تلك الفترة لا تتحدث عن قبائل الجوف، أو حتى تدخلها في الصراع القائم آنذاك بين قبائل شمالي الجزيرة العربية والملك البابلي نبونيد، وقد يعود تفسير ذلك إلى أمرين رئيسين:
 
 الأمر الأول: أن تكون قبائل منطقة الجوف وحكامها على علاقة متينة ووفاق تام مع الدولة البابلية، مما جعلهم لا يتدخلون في أحداث تلك الفترة.
 
 الأمر الثاني: أن تكون منطقة الجوف خلال تلك الفترة قد فقدت أهميتها الإستراتيجية والاقتصادية بالنسبة إلى الدولة البابلية، مما جعلهم يصرفون النظر عنها، ويتركون أهلها يعيشون في سلام.
 
وبعد أن تمكن الفرس بقيادة الملك الأخميني (كوروش) من دخول بابل والقضاء على الدولة البابلية في عام 539 ق.م صاروا أصحاب النفوذ في منطقة الشرق القديم، وعلى الرغم من أن الدلائل تشير إلى أن منطقة الجوف كانت تحظى باستيطان كثيف خلال هذه الفترة، إلا أن الشواهد التاريخية لا تتحدث عن تدخل أو غزو من جانب الفرس للمنطقة، وعلى ما يبدو فإن المنطقة لم تخضع للنفوذ المباشر للدولة الأخمينية، خصوصًا إذا ما أخذ المرء في الاعتبار ما ذكره المؤرخ اليوناني هيرودوت الذي يقول ما نصه " أما العرب فكان بينهم وبين الفرس علاقة صداقة، ولم يخضعوا لهم مطلقًا، وقد سمحوا لقمبيز التوجه عبر بلادهم إلى مصر، ومن دون مساعدتهم لم يكن بمقدور الفرس الوصول إلى مصر"  .  وفضلاً عن ذلك لم يكشف حتى الآن عن أي أدلة أثرية تشير إلى وجود الفرس في منطقة الجوف  
 
وصفوة القول: إن منطقة الجوف كانت خلال هذه الفترة تمر بمرحلة استقرار سياسي، فعلى الرغم من أن المصادر المتاحة عن تلك الفترة لا تتحدث عن حكام المنطقة، كما لم تشر أيضًا إلى القبائل ذات النفوذ فيها، إلا أن ما تضمنته النقوش التي كشف عنها في أرجاء متفرقة من المنطقة   تؤكد أن المنطقة كانت تعيش أوضاعًا طبيعية، كان يجري خلالها التركيز على استثمار مقوماتها الطبيعية، وتأمين حركة الطريق التجاري الذي يمر عبرها إلى مراكز الاستهلاك في مناطق الجزيرة العربية وحوض البحر الأبيض المتوسط.
 
وعلى إثر تزايد نفوذ الأنباط في مناطق شمال غربي الجزيرة العربية خصوصًا منذ منتصف القرن الأول قبل الميلاد عندما تمكنوا من القضاء على مملكة لحيان في واحة العلا، واتخذوا من الحجر عاصمة ثانية لهم بعد البتراء، فقد امتد نفوذهم العسكري إلى منطقة الجوف، فشواهد النقوش النبطية،  وما عثر عليه من الآثار النبطية التي كشف عنها في أرجاء متفرقة من المنطقة تؤكد أن الأنباط   بدؤوا منذ عهد الملك النبطي (الحارث الرابع) يسيطرون على المراكز الحضارية في وادي السرحان؛ رغبة منهم في تخفيف الضغوط التي مارسها عليهم الرومان في مناطقهم الشمالية؛ لإيجاد عمق جغرافي نحو الجنوب لدولتهم، وكذلك لكي يؤمّنوا طرق التجارة المارة عبر منطقة الجوف إلى المواقع النبطية في منطقة حوران والأجزاء الشمالية من دولتهم  
 
وحسب إشارات النقوش النبطية   التي كشف عنها في منطقة الجوف خصوصًا تلك التي تكرر في متونها عدد من الألقاب والرتب العسكرية مثل (فرسيا "الفارس"، هفركا "قائد الفرسان"، رب مشريتا "رئيس المعسكر")، يتضح أن النفوذ النبطي في المنطقة كان مدعومًا بعدد من الحاميات العسكرية النبطية، منها تلك التي كانت تتمركز في دومة الجندل  ،  وأخرى كانت تتمركز في موضع قيال الواقع في الشمال الغربي من مدينة سكاكا  ،  وعلى ما يبدو من سياق شواهد النقوش النبطية أن تلك الحاميات العسكرية النبطية في منطقة الجوف كانت تشرف على جملة من الأمور، لعل من أبرزها:
 
 ضمان تبعية المنطقة للنفوذ النبطي.
 
 مراقبة تحركات القبائل في المنطقة والحيلولة دون ثورتها على الحاكم النبطي.
 
 مراقبة حركة القوافل التجارية وتوجيهها حسب ما يخدم توجه الدولة النبطية.
 
 توفير الأمن للقوافل التجارية العابرة عبر وادي السرحان إلى المراكز النبطية الشمالية.
 
استمرَّت منطقة الجوف خاضعة لنفوذ الدولة النبطية إلى أن تمكن الرومان في عهد الإمبراطور الروماني تراجان في عام 106م من القضاء عليها، وعلى هدي سياق الأحداث التاريخية يبدو أن منطقة الجوف وحاضرتها دومة الجندل لم تفقد أهميتها الحضارية بصفتها تجمعًا سكانيًا كثيفًا، كما لم تفقد أهميتها الاقتصادية لتجارة المنطقة آنذاك، بل ظلت محطة تجارية على مفترق عدد من الطرق التجارية بين بلاد الشام وبلاد الرافدين والمناطق الأخرى في الجزيرة العربية. ولعل ما يعزِّز ذلك تلك الرواية التي تكرر ذكرها في عدد من المصادر العربية المبكرة أن ملكة تدمر زنوبيا (الزباء في المصادر العربية)   قامت بغزو دومة الجندل، وحينما لم تتمكن من فتحها قالت قولتها المشهورة: "تمرد مارد وعزّ الأبلق"  .  ولعل المهم في هذا السياق أن هذه الإشارة تؤكد أمرين رئيسين:
 
 القوة الدفاعية التي كانت عليها دومة الجندل آنذاك؛ مما مكن سكانها من ردّ الجيش التدمري على الرغم من قوته آنذاك.
 
 أهمية منطقة الجوف الاقتصادية لمملكة تدمر التي كانت حاضرتها (تدمر) آنذاك مركزًا اقتصاديًا عالميًا للتبادل التجاري بين الشرق والغرب؛ مما جعلها تفكر في مد نفوذها إلى منطقة الجوف لضمان تبعيتها لها، والاستفادة من مواردها الاقتصادية.
 
ظلَّتْ منطقة الجوف تتمتع بأهميتها الحضارية والاقتصادية خلال السيطرة الرومانية على مناطق الشرق الأدنى القديم، فعلى إثر قضاء الإمبراطور الروماني (أورليان) على مملكة تدمر، والاستيلاء على ممتلكاتها في عام 272م تمكن الرومان من مدّ نفوذهم السياسي من جديد على مناطق متفرقة في شمالي الجزيرة العربية، وبحكم الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية لمنطقة الجوف فقد حَظِيت بمزيد من الاهتمام من قبل الإمبراطورية الرومانية، وهذا ما يشير إليه نقش لاتيني عُثِر عليه في دومة الجندل   سجله قائد الكتيبة الرومانية الثالثة (فلافيوس)، وتحدث فيه عن قيامه بتقديم نذر للآلهة الرومانية  .  ووجود هذا النقش في دومة الجندل بقدر ما يثير تساؤلاً عن طبيعة الوجود الروماني في منطقة الجوف، بقدر ما يؤكد تغلغل النفوذ الروماني في الأطراف الجنوبية من وادي السرحان.
 
على إثر التطور الذي حدث في ميزان القوى وبروز الساسانيين على حساب البارثيين في عام 226م، وانقسام الإمبراطورية الرومانية، وما نتج منه من وراثة الإمبراطورية البيزنطية النفوذ الروماني في بلاد الشام وشمالي الجزيرة العربية عام 330م، تجدد التنافس بين القوتين؛ لكسب الزعامات والقوى المحلية في المنطقة العربية، وعلى ما يبدو فإن الزعامات المحلية في منطقة الجوف ظلَّت على علاقة جيدة مع البيزنطيين، خصوصًا أن البيزنطيين اتبعوا سياسة حسن المعاملة مع القبائل العربية التي كان الرومان قبلهم يتبعونها معهم. وعلى الرغم من النقص الواضح في الشواهد التاريخية إبان هذه الفترة إلا أن منطقة الجوف خصوصًا حاضرتها دومة الجندل التي حافظت آنذاك على أهميتها، كانت تمثل مركزًا حضاريًا، وتجمعًا سكانيًا كثيفًا، ولعل ما يعزز ذلك هو أن المنطقة كانت خلال فترة قبيل الإسلام تحتضن واحدًا من أشهر أسواق العرب، عرفته المصادر العربية باسم (سوق دومة الجندل)  ،  ويستمر من غرة شهر ربيع الأول حتى منتصفه. وحسب رواية المصادر العربية، فإن دومة الجندل كانت تُحْكَمُ آنذاك من قِبَلِ قبيلة كندة بزعامة الملك الأكيدر بن عبدالملك، وقد ظلَّ يحكم المنطقة حتى تمكن خالد بن الوليد من فتح دومة الجندل وأسره في السنة التاسعة للهجرة  
 
شارك المقالة:
94 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook