تعريف الوعظ والموعظة وضابطها

الكاتب: المدير -
تعريف الوعظ والموعظة وضابطها
"تعريف الوعظ والموعظة وضابطها

 

• الموعظة الحسنة لغة:

أصلها من الفعل الثلاثي: (وَعَظَ).

والاسم: (الموعظة) و هو (واعظ) و الجمع (وُعَّاظْ).

تأتي الموعظة لمعانٍ متعددة: التخويف والزجر، التذكير بالخير وما يرق له القلب ويلينه، النصح والتذكير بالعواقب، الأمر بالطاعة والوصية بها.

قال الفراهيدي: العظة: الموعظة.

وعظت الرجل: أَعِظه عِظَة، وموعظة.

واتعظ: تقبل العِظة وهو تذكيرك إياه الخير، ونحوه مما يرق له قلبه[1].

 

وقال الأزهري: قال الليث: العظة: الموعظة، وكذلك الوعظ. والرجل يتّعظ إذا قَبل الموعظة حين يذكَّرُ الخير ونحوه، مما يرقُّ لذلك قلبه. يقال: وعظته عظة. ومن أمثالهم المعروفة: لا تعظيني وتَعَظْعَظي أي اتعظي ولا تعظي.

 

قلت: وقوله: تعظعظي وإن كان كمكرّر المضاعف، فإن أصله من الوعظ، كما قالوا: خضخض الشّيْءَ في الماء وأصله من خاض[2].

 

وقال الرازي: الوعظ: هو النصح، والتذكير بالعواقب، وقد وعَظه (من باب وعَد، وعِظة أيضاً بالكسر) فاتعظ أي: قبل الموعظة يقال: السعيد من وعظ بغيره والشقي من اتعظ به غيره[3].

 

وقال المقرَي: وعظه يعظه وعظاً و عظة، أمره بالطاعة، ووصاه بها، و عليه قوله تعالى: ? قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ? [سبأ: 46] [4]، أي: أوصيكم وآمركم.

فاتعظ أي: ائتمر و كف نفسه[5].

وقال الفيروزآبادي: وعظه يعظه، وعظاً وعظة وموعظة: ذكره ما يلين قلبه من الثواب والعقاب فاتعظ[6].

وقال الزبيدي: وعظه يعظه، وعظاً، وعظة، كعدة، وموعظة: ذكره ما يلين قلبه من الثواب والعقاب، فاتعظ به. وفي الصحاح: الوعظ: النصح والتذكير بالعواقب.

والاتعاظ: قبول الموعظة. يقال: السعيد من وعظ بغيره والشقي من به اتعظ.

قلت:- أي الزبيدي - والجملة الأولى منه حديث، وتمامه: «و الشقي من شقي في بطن أمه»[7]. وفي حديث آخر: «لأجعلنك عظـة»[8]، أي: موعظة وعبرة لغيرك، والهاء في العظة عوض عن الواو المحذوفة[9].

 

• الموعظة الحسنة اصطلاحاً:

عرفها البيضاوي بأنها: الخطابات المقنعة، والعبر النافعة، فالأولى لدعوة خواص الأمة الطالبين للحقائق، والثانية لدعوة عوامهم[10].

يتضح من خلال هذا التعريف: أن دعوة الناس تكون على قدر عقولهم، ومستوياتهم بالكلمات الواضحة البينة، والعبر النافعة المقنعة، والدليل الموضح للحق، المزيل للشبهة على وجه لا يخفى على الناس وجه الحق فيه أو يلتبس.

يؤخذ على عبارة (الخطابات المقنعة) أن الأليق بها أن تكون للجدال، وليس للموعظة.

 

وعرفها ابن القيم بأنها: الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب[11].  

يتضح من هذا التعريف: أن الداعية عليه أن يسلك الطريق المناسب الذي يكون أدعى لاستجابة المدعوين، فبعضهم يحتاج حاله إلى الموعظة بالترغيب، وبعضهم يحتاج حاله إلى الموعظة بالترهيب، وبعضهم يحتاج إليهما معاً.

وعرفها الجرجاني بأنها: التي تلين القلوب القاسية، وتدمع العيون الجامدة، وتصلح الأعمال الفاسدة[12].

وعرفها محمد رشيد رضا بأنها: اسم من الوعظ أي: الوصية بالحق والخير، واجتناب الباطل والشر، بأساليب الترغيب، والترهيب التي يرق لها القلب، فتبعث على الفعل والترك[13].

يتبين من خلال التعريفين السابقين: أن دعوة المدعوين وتوجيههم يكون بأسلوب مشتمل على وعظ حسن يحرك القلوب، برفق ولين حتى الوصول إلى الهدف بحيث تزكو النفوس، وتطهر من الآفات.

 

وأما تعريف الموعظة الحسنة في الاصطلاح الدعوي:

عرفها عبد الرحمن الميداني بأنها: الترغيب بالعاقبة الحسنة، والسعادة الخالدة لمن اتبع سبيل ربه، والترهيب من العاقبة السيئة الوخيمة، والشقاوة والتعاسة لمن أبى أن يتبع سبيل ربه، بشرط عرضها بأسلوبٍ حسنٍ جميلٍ مقبولٍ لا تنفر منه الطباع السوية[14].

وعرفها علي محفوظ بأنها: النصح والتذكير بالخير والحق، على الوجه الذي يرق له القلب، ويبعث على العمل[15].

وعرفها عبدالرحيم المغذوي بأنها: نصح، وتذكير مقترن بتخويف، وترقيق[16].

وعرفها سعيد القحطاني بأنها: الأمر والنهي المقرونان بالترغيب والترهيب، والقول الحق الذي يلين القلوب، ويؤثر في النفوس، ويكبح جماح النفوس المتمردة، ويزيد النفوس المهذبة إيماناً وهداية[17].

وعرفها أحمد المورعي بأنها: الكلام الذي يرقق القلوب ويلينها[18].

من خلال التعاريف السابقة تبين أن الموعظة الحسنة هي: التي يكون مضمونها قائماً على الخير والنصح، ويراد من ذلك أن ترغب النفوس في طاعة الله تعالى، وترهب من معصية الخالق سبحانه، وأن تعرض بأسلوب حسن لين، بعيد عن الغلظة والمخاشنة والألفاظ البذيئة.

 

• ضابط الموعظة:

يذكر الشيخ الشنقيطي - رحمه الله تعالى - أن هناك ضابطاً للوعظ فيقول: هو الكلام الذي تلين له القلوب، وأعظم ما تلين له قلوب العقلاء أوامر ربهم و نواهيه، فإنهم إذا سمعوا الأمر خافوا من سخط الله في عدم امتثاله، وطمعوا فيما عند الله من الثواب في امتثاله، وإذا سمعوا النهي خافوا من سخط الله في عدم اجتنابه، وطمعوا فيما عنده من الثواب في اجتنابه، فحداهم حادي الخوف والطمع إلى الإمتثال، فلانت قلوبهم للطاعة خوفاً وطمعاً [19].

 

• العلاقة بين الموعظة والدعوة:

يذكر الدكتور العمار: أن هناك علاقة بين الموعظة والدعوة فيقول: (إن الموعظة إحدى تطبيقات الدعوة وممارساتها العملية، فالموعظة جزء من الدعوة) [20].

فالوعظ أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله تعالى، ولا يستغنى عنه بحال، وكان الوعظ جزءاً من مهمة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام الذين بعثهم الله تعالى مبشرين ومنذرين؛ لأن الواعظ يهدف إلى غاية سامية في دعوته بهداية الناس، ودلالتهم إلى الخير.

 

• ضابط الحُسن في الموعظة:

قيَدت الموعظة في القرآن الكريم بوصف الإحسان، حيث قال الله تعالى: ? ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ? [النحل: 125].

وصف الموعظة بالحسن دون الحكمة؛ لأن الموعظة ربما آلت إلى القبح، بأن وقعت في غير موضعها ووقتها.

 

قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا»[21]، فأما الحكمة فحسنة أينما وجدت؛ إذ هي عبارة عن القول الصواب، والفعل الصواب [22].

وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: أطلق الحكمة ولم يقيّدها بوصف الحسنة إذ كلها حسنة، ووصف الحسن لها ذاتي.

وأما الموعظة فقيّدها بوصف الإحسان، إذ ليس كل موعظة حسنة[23].

فالحسنة: مقابل السيئة، فالموعظة قد تكون حسنة، وقد تكون سيئة، وذلك بحسب ما يعظ به الإنسان ويأمر به، وبحسب أسلوب الواعظ.

ومن هنا جاء الأمر بها مقيَّداً في القرآن الكريم، قال تعالى: ? وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ? [النحل: 125].

فإذا أطلقت الموعظة في مقام الأمر بها، انصرفت إلى الحسنة.

قال تعالى: ? فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ? [النساء: 34] [24] [25].




[1] العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق: د مهدي المخزومي و د إبراهيم السامرائي، 2 /228، دار ومكتبة الهلال .

[2] تهذيب اللغة، أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري ، تحقيق: محمد عوض مرعب، 3 /93، ط1، 2001م، دار إحياء التراث العربي، بيروت .

[3] مختار الصحاح، محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي، تحقيق: محمود خاطر، 1 / 303   ط1415هـ /1995م، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت .

[4] سورة سبأ، آية: 46

[5] المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، 2 / 665- 666، المكتبة العلمية، بيروت .

[6] القاموس المحيط، محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، 1/903، مؤسسة الرسالة، بيروت .

[7] موقوف على ابن مسعود رضي الله عنه، رواه مسلم، كتاب القدر، باب: كيْفِيَّةِ الخلق الْآدمِيِّ في بطْنِ أمِّهِ وكِتَابَةِ رزْقِهِ وأَجَلِهِ وعَمَلِهِ وشَقَاوَتِهِ وسَعَادَتِه، 4/2037، رقم الحديثِ 2645 ، ورواه ابن حبان، كتاب التأريخ، باب: بدأ الخلق، 14/52، ورُوي ضمن حديث آخر عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا عند ابن ماجه، باب اجتناب البدع والجدل، 1/18، رقم الحديث 46 ، لكن فيه جهالة راوي، وعنعنة أبي اسحاق، وقد حكم عليه الألباني بالضعف، انظر ضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث 3 .

[8] رواه مسلم، كتاب الأدب، باب: الأستئذان، 3/1695، رقم الحديث 2153 .

[9] تاج العروس من جواهر القاموس، محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تحقيق: مجموعة من المحققين، 20/289، دار الهداية .

[10] تفسير البيضاوي، عبد الله بن أبي القاسم عمر بن محمد بن أبي الحسن علي البيضاوي الشيرازي الشافعي، 3/426 ، دار الفكر، بيروت .

[11] التفسير القيم للإمام ابن القيم، جمع محمد أويس الندوي، تحقيق: محمد حامد الفقي، ص:344، ط 1398هـ/1978م، دار الكتب العلمية، بيروت .

[12] التعريفات، علي محمد علي الجرجاني، تحقيق: إبراهيم الأبياري، ص:305، ط1، 1405ه، دار الكتاب العربي، بيروت .

[13] تفسير المنار، محمد رشيد علي رضا، 11/328، ط 1990م، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.

[14] فقه الدعوة إلى الله، عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، 1/609، ط2، 1425هـ / 2004م دار القلم، دمشق .

[15] هداية المرشدين الى طرق الوعظ والخطابة، علي محفوظ، ص:82، ط7، 1395هـ، مصر للطباعة .

[16] الأسس العلمية لمنهج الدعوة الاسلامية، عبدالرحيم محمد المغذوي، ص: 715، ط2، 1431هـ/2010م، دار الحضارة للنشر والتوزيع، الرياض .

[17] الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، سعيد علي وهف القحطاني، ص:757، ط4، 1425ه، توزيع مؤسسة الجريسي للتوزيع والاعلان، الرياض .

[18] الحكمة والموعظة الحسنة وأثرهما في الدعوة إلى الله في ضوء الكتاب والسنة، للمورعي ص:253 .

[19] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين محمد المختار الجكني الشنقيطي،   تحقيق: مكتب البحوث والدراسات، 2/438، ط 1415هـ / 1995م ، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت.

[20] الدعوة، حمد ناصر العمار، ص:29، ط1، 1425ه/ 2004م ، دار كنوز اشبيليا للنشر والتوزيع، الرياض، السعودية .

[21] رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب:الموعظة ساعة بعد ساعة، 5/2355، رقم الحديث 6048 .

[22] كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، علاء الدين عبد العزيز أحمد البخاري، تحقيق: عبد الله محمود محمد عمر، 1/25، ط 1418هـ/ 1997م، دار الكتب العلمية، بيروت .

[23] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، أبوعبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، تحقيق: محمد حامد الفقي، 1/445، ط2، 1393هـ/1973م، دار الكتاب العربي، بيروت .

[24] سورة النساء، آية: 34 .

[25] المدخل الى علم الدعوة، محمد ابوالفتح البيانوني، ص: 258، ط3، 1415هـ/ 1995م ، مؤسسة الرسالة، بيروت .


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook