جدال الكافرين بالقرآن الكريم

الكاتب: المدير -
جدال الكافرين بالقرآن الكريم
"جدال الكافرين بالقرآن الكريم

 

أرسل الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالقرآن ليدعو به جميع الناس، وليخرجهم به من الظلمات إلى النور بإذن الله، فهو تذكرة وموعظة من الله للعالمين، كما قال تعالى: ? تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ? [الفرقان: 1]، وقال سبحانه: ? كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ? [إبراهيم: 1]، وقال الله تعالى مخاطبًا جميع الناس: ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ? [يونس: 57]، فمن آمن بالقرآن اهتدى، ورحمه الله في الدنيا والآخرة، ومن أعرض عن القرآن ضل، واستحق عذاب الله في الدنيا والآخرة، وهو أظلم الناس؛ كما قال سبحانه: ? وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ? [السجدة: 22].

 

وقد كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في دعوة الكافرين - أن يُبينوا لهم كلام الله، سواء كانوا مشركين، أو أهل كتاب من اليهود والنصارى؛ كما قال تعالى عن المشركين: ? وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ? [الحج: 72]، وفي القرآن آيات كثيرة فيها دعوة اليهود والنصارى إلى الهدى، وترغيبهم في الإسلام، وتحذيرهم من الإصرار على الباطل الذي هم فيه.

 

فدعوة الكافرين بالقرآن الكريم هي الأصل، ففيه من توضيح الحق، وإبطال الباطل، وذكر الأدلة العقلية، والمواعظ العظيمة ما فيه كفاية، ولا بأس بدعوة الكافرين بأدلة عقلية أخرى غير مذكورة في القرآن، أو كشف ضلالاتهم بطرق أخرى مناسبة، لكن مع الاعتماد على القرآن في دعوتهم، فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وهو في مكة أن يجاهد الكافرين بالقرآن الكريم، فكان يُجادلهم به مع تكذيبهم به؛ كما قال تعالى: ? وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ? [الفرقان: 52]، وقال سبحانه: ? فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ? [آل عمران: 184]، وفي صحيح البخاري (3461) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((بلِّغوا عني ولو آية))، فمن لم يهتد بالقرآن فلن يهتدي بغيره؛ كما قال سبحانه: ? تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ? [الجاثية: 6].

 

فمن تعظيم القرآن ومعرفة قدره وتأثيره وبركته - أن يكون هو الأصل في دعوة الكافرين إلى الحق، وفي جدالهم لبيان باطلهم، سواء كانوا مشركين، أو أهل كتاب، وسواء كانوا كفارًا أصليين، أو مرتدين، أو ملحدين، وإن كانوا لا يعرفون العربية، فيُترجم لهم معاني كتاب الله بلغتهم، وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر ملك الروم رسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، وكان فيها قوله تعالى: ? قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ? [آل عمران: 64]، فترجم المترجم لقيصر معنى هذه الآية بلغته، وكاد أن يسلم، إلا أنه ضنَّ بملكه، كما ثبت ذلك في صحيح الإمام البخاري (7)، وصحيح الإمام مسلم (1773).

 

وإن من الخطأ في الدعوة إلى الله أن يجادل المسلم الكافرين أو الملحدين من غير أن يدعوهم إلى القرآن، ويبقى معهم في أخذ وردٍّ في بيان كلامهم الباطل الذي يلغون به حتى لا يسمعوا القرآن؛ كما قال تعالى: ? وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ? [فصلت: 26]، فمن الحكمة أن يعتمد الداعية على القرآن في دعوة الكافرين وبيان ضلالاتهم، وأن يدعوهم إلى الإيمان بكتاب الله وتعظيمه واتباعه، ويقرأ عليهم بعض الآيات المناسبة لحالهم وضلالهم، ويفسرها لهم، فتأثير القرآن عظيم جدًّا؛ كما قال تعالى: ? لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ? [الحشر: 21].

 

وقد أخبر الله عن الكافرين - سواء كانوا أصليين أو مرتدين - أنهم يستكبرون عن اتباع القرآن، ويجادلون بغير علمٍ ولا هدى، ولا كتاب منير؛ قال الله تعالى: ? وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ? [لقمان: 6، 7]، وقال سبحانه: ? وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ? [الحج: 8، 9].

 

فعلى الداعية إلى الله أن يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن، والتي هي أحسن تشمل الأسلوب الأحسن في المجادلة، وتشمل الاعتماد على القرآن، فهو أحسن الحديث؛ كما قال تعالى: ? اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ? [الزمر: 23].

 

وعلى الداعية إلى الله إن وجد المبطلين بعد أن أبلغهم آيات الله مُصرين على باطلهم أن يعرض عنهم؛ كما قال سبحانه: ? فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ? [النجم: 29، 30]، وينبغي أن يقول لهم حينئذ ما علَّم الله رسوله في قوله: ? وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ? [الحج: 68، 69]، وقال سبحانه: ? فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ? [الشورى: 15].

 

ولا يجوز الجلوس مع المستهزئين بآيات الله، ولو لمناظرتهم؛ كما قال تعالى: ? وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ? [النساء: 140].

 

ومن الحكمة الإعراض عن سماع اللغو الذي يهذي به الكفار والمرتدون والملحدون، وعدم مجاراتهم في الجدال على كلامهم الباطل الذي يريدون أن يردُّوا به الحق؛ كما قال تعالى: ? وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا ? [الكهف: 56، 57]، وقد أثنى الله على المعرضين عن سماع الباطل وجدال المبطلين الظالمين، فقال سبحانه: ? وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ * إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ? [القصص: 55، 56].


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook