جنة الدنيا

الكاتب: المدير -
جنة الدنيا
"جنة الدنيا

 

دخل على الشيخ في مكتبه وقد علاه الحزنُ والأسى، ظنَّه الشيخُ فقيرًا محتاجًا، طلَب من الشيخ أن يأتي معه إلى بيته، وإذا بسيارته الفخمة أمام المكتب، دُهش الشيخ وتساءل في نفسه:

• من هذا؟

انطلقتِ السيارةُ وبعد قليل توقَّفتْ أمام (فيلا) ضخمة في أرقى أحياء الرياض!

بدأ يتحدَّث مع الشيخ، قال: إنَّه يعمل مديرًا لشركة كبيرة، راتبه أكثر من خمسين ألفًا في الشهر، ولكن... لا يجد طعم السعادة، مشاكل مستمرَّة مع زوجته وأولاده، ومع والديه وأصدقائه، همومٌ تواترت، وديونٌ تراكمت، الراتب لا يكفي، والهموم تطاردني، ماذا أصنع يا شيخ؟

 

نظر إليه الشيخ قائلًا:

• قد أخطأتَ الطريق، فبدلًا مِن أن تبحث عن السعادة، بحثتَ عن المتعَةِ؛ المال الوفير، والسَّكن الرَّاقي، والسيارة الفخمة: لم يَجلبوا لك السعادةَ التي كنتَ تبحث عنها؛ (قصة واقعية).

 

تُرى أين طريق السعادة؟ وكيف الوصول إليه؟ الكلُّ يبحث، لكن تُرى من سيصل؟

قال ابنُ القيِّم رحمه الله في كتابِه (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي):

• قال بعض العلماء: فكَّرتُ فيما يَسعى فيه العقلاء، فرأيتُ سعيَهم كلَّه في مطلوبٍ واحد، وإن اختلَفت طرقهم في تحصيله، رأيتُهم جميعَهم إنما يسعَون في دفع الهمِّ والغمِّ عن نفوسهم؛ فهذا بالأكل والشراب، وهذا بالتجارة والكَسْب، وهذا بالنِّكاح، وهذا بسَماع الغِناء، وهذا باللَّهو واللعب.

 

فقلتُ:

• ولكن الطُّرق كلها غير موصلةٍ إليه، بل لعلَّ أكثرها إنما يوصل إلى ضدِّه، ولم أرَ في جميع هذه الطرق طريقًا موصلة إليه إلَّا بالإقبال على الله وإيثارِ مرضاته على كلِّ شيء، فليس للعبد أنفعُ من هذه الطَّريق، ولا أوصل منها إلى لذَّته وبهجته وسعادته؛ اهـ.

 

نَعم، السعادة هي مَطلب الخلْقِ في كلِّ زمان ومكان، والناس في هذه الحياة صِنفان؛ صِنفٌ جعلوا طاعةَ الله تعالى طريقَهم، ورضاه مأمولَهم، يريدون رِضوانَه وجَنَّتَه، يتقرَّبون إليه سبحانه بكلِّ ما في وُسعِهم، يَبتغون النجاةَ حين الوقوف بين يديه وأن يشكر لهم سعيهم، وصِنفٌ آخر انشغَلوا بدنياهم، وغرَّتْهم أمانيُّهم، فمَتَّعوا أنفسَهم بملذَّات دنياهم، على حِسابِ طاعة مولاهم.

 

فيا تُرى؛ أيُّ الفريقين في هذه الحياة أنعم؟

قال تعالى: ? إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ? [الانفطار: 13، 14].

ليس فقط نَعيم الآخرة وجحيمها؛ بل في دُورهم الثلاث: الدنيا، والبرزخ، والآخرة، فهؤلاء في نَعيم وهؤلاء في جحيم، فإن سأل سائلٌ: كيف ذلك ونحن نسمع ونرى ما قد يصيبُ أهلَ الإيمان والطاعة في هذه الدنيا من المصائب؛ من الفقر، أو المرض، أو الحرمان؟ ونسمع ونرى ما يتلذَّذ به أهلُ الكُفر والمعاصي من رَغد العيش، وسَعة الرِّزق، ومُتع الحياة، والمنصب والجاه، ولو على حساب دين الله؟!

 

وهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في نَعيم وهو يُتَّهم بالسِّحر والكهانة، والجنون والكذب؟

وهل كان يوسف عليه الصَّلاة والسلام في نَعيمٍ حين آثَرَ السجنَ على مُواقَعة الحرام؟ وهل كان نِساءُ النبي صلى الله عليه وسلم في نَعيم وقد كان يمرُّ الشهرُ والشهران ولا يوقَد في بيوتهنَّ نارٌ؟

نعم، إنَّه نعيم الطَّاعة، وسعادة التوحيد والإيمان؛ إنَّها لذَّة الحياة، إنها جنة الدنيا.

إنَّها تلك السعادة التي تَغمر المؤمنَ المُوَحِّدَ العابدَ لربِّه عز وجل، هي ذلك الفيض النوراني الذي يَعمُّ القلب إذا أقبَل الإنسان على ربه مخلِصًا صادقًا.

 

يحكي الإمامُ ابنُ القيِّم عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله فيقول:

• وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنةً، من لم يدخُلْها لم يدخل جنةَ الآخرة، وقال لي مرَّة: ما يَصنع أعدائي بي؟ أنا جَنَّتي وبُستاني في صدري، أَنَّى رُحتُ فهي معي لا تفارقني، إنَّ حَبْسي خلوة، وقَتْلي شَهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.

وكان شيخ الإسلام رحمه الله يقول:

• المَحبوس مَن حُبس قلبُه عن ربِّه، والمأسور من أَسَرَه هواه.




قال بعض الصالحين:

• وإنه لتمرُّ بي أوقات أقولُ: إن كان أهل الجنَّة في مِثل هذا، إنَّهم واللهِ لفي عيشٍ طيب!.

 

كان أبو سليمان الداراني رحمه الله يقول:

• لَأهْلُ الليلِ في ليلهم ألَذُّ من أهلِ اللَّهو في لَهْوهم، ولولا اللَّيل ما أحببتُ البقاءَ في الدنيا.

 

هذه هي الحياة الطيِّبة التي أَخبر اللهُ عز وجل عنها في كتابه الكريم، قال تعالى: ? مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ? [النحل: 97].

 

الحياة الطيِّبة ليست في المآكِل والمشارِب، والأموالِ والمناصب، والعقارات والضيعات، الحياةُ الطيِّبة هي سعادةُ القلب وفرَحُه وسروره، وهل النَّعيم إلا نعيمُ القلب؟!

 

فإذا تنَعَّم القلبُ واطمأنَّ وانشرح، وذاق طعمَ الرِّضا والفرَح، تَبِعَه البدنُ في ذلك، فتكون الراحة والسعادة، والهناء والسرور، فلا يهدأ القلبُ، ولا تقَرُّ العينُ، ولا تطمئنُّ النفسُ، إلَّا بالله.

 

قال ابنُ القيِّم رحمه الله:

• فأَطيَبُ ما في الدنيا مَعرفتُه ومحبتُه، وألذُّ ما في الجنَّة رؤيتُه ومُشاهدته؛ فمحبتُه ومعرفته قرَّةُ العيون، ولذَّةُ الأرواح، وبَهجةُ القلوب، ونعيمُ الدنيا وسرورُها؛ بل لذَّات الدنيا القاطعة عن ذلك تنقلب آلامًا وعذابًا، ويبقى صاحبها في المعيشة الضنك.

 

وقال رحمه الله:

• ولا شيء على الإطلاق أنفعُ للعبد من إقبالِه على الله، واشتغالِه بذِكره، وتنعُّمِه بحبِّه، وإيثارِه لمرضاته؛ بل لا حياةَ له، ولا نعيمَ ولا سرورَ ولا بهجةَ إلا بذلك.

• فليست الحياة الطيبة إلا بالله.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook