حسنات في طبق فضي

الكاتب: المدير -
حسنات في طبق فضي
"حسنات في طبق فضي




التفَّ عددٌ من النسوةِ حول طاولة القهوة، يَحْتَسينها ويستمتعن بمذاقها، وقد دعَيْنَ الغالبية العظمى من الأحباب والجيران، ودعين معهن (فاطمة)، التي تتميز بالتزامها بالدين، وحرصها على أمور دينها، وتجاذَب النسوة أطرافَ الحديث حتى بدَأْن في الدخول في فاكهة المجالس (الغِيبة) - أو (القطيعة) باللهجة السودانية - فغضِبت منهن فاطمة، وذكَّرتهنَّ بحرمة الغِيبة، لكنهن لم يأبَهْنَ بكلامها، فما كان منها إلا أن لَمْلَملت أطراف ثوبِها مُعلِنة التمرُّد عليهن بالخروج من هذا المجلس.

 

لعل مثل هذه القصة تتكرَّر يوميًّا في مجتمعاتنا، وخاصة أماكن التجمُّعات والمناسبات، ويقع كثير من الناس في الغِيبة، بعلمٍ منهم أو بجهل، وكلا الأمرين خطير، ولو علِم هؤلاء خطرَ هذه المعصية، لَما تجرؤوا على الله تعالى بهذه المعصية.

 

قال أحد السلف: أحق الناس بالغِيبة والداي، قيل له: كيف ذلك؟! فقال: والداي أحوج ما يكونان للحسنات، وأنا أُهديهما حسناتي بغِيبتي فيهما.

 

والغِيبة عرَّفها النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة قال: ((أَتَدْرُونَ مَا الغِيبَةُ؟))، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ! قَالَ: ((أَنْ تذكُرَ أَخَاكَ بِمَا يكره))، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا ذكرتُ؟ قَالَ: ((إِنْ كَانَ فِيهِ مَا ذَكَرْتَ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يكن فيه ما ذكرتَ فقد بَهَتَّهُ))[1].

 

وقال تعالى عنها - مبينًا مدى شناعتها -: ? وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ? [الحجرات: 12].

 

فتخيَّل معي - أخي القارئ الكريم - أن يُقدَّم لك طبقٌ فيه لحمُ أخيك الذي صليت معه البارحة! فإن لم تستطع أكل لحم أخيك حقيقةً، فاتَّقِ الله في أعراض إخوانك المسلمين؛ ولذلك قال تعالى: ? فَكَرِهْتُمُوهُ ? [الحجرات: 12]، قال ابن كثير في تفسيره: أي: كما تكرهون هذا طبعًا، فاكرَهوا ذاك شرعًا؛ فإن عقوبته أشدُّ من هذا، وهذا من التنفير عنها، والتحذير منها[2].




وكان صلى الله عليه وسلم يُبغِض الغِيبة، ولا يحب أحدًا يجالسه وهو يغتاب إخوانه؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبُك مِن صفيَّة كذا وكذا - قال بعض الرواة: تعني قصيرة - فقال: ((قلتِ كلمةً لو مُزِجَت بماء البحر لمزجَتْه))، قالت: وحكيت له إنسانًا، فقال: ((ما أحب أني حكيتُ إنسانًا وأن لي كذا وكذا))، وهذا الحديث من أبلغ الزواجر في ذم الغيبة.




وهناك نوعٌ قبيح من الغيبة، بل هو أقبح الأنواع، وهي التي فيها ذمٌّ لإنسان ومدح نفسه، كمَن يقول: أعوذ بالله من قلَّة الحياء، أو نسأل الله العافية مما ابتُلي به فلان، فهؤلاء الزاهدون المزيَّفون يجمَعون في كلامهم مدحَ أنفسهم وذمَّ الآخرين! ولذلك فهي غِيبة في غِلاف مزيَّف، ظاهرُه الزهد، وباطنه الغِيبة.




ولتعلم أيها المستمع للغِيبة أنك شريكٌ فيها سواء بسواء، فلتتخلص منها بالإنكار باللسان، أو بقطع الكلام بكلام آخر، أو إن قدرت على القيام ومفارقة المجلس كان لزامًا عليك فعلُ ذلك.




ولتعلم أيضًا أيها المغتاب أنك تُقدِّم حسناتك في طبقٍ فِضي إلى مَن اغتبتَه بدون مقابل، كأنك زاهد فيها غير محتاج، في حين أنك أكلتَ لحم أخيك ميتًا، فكيف تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟!




[1] أخرجه مسلم (8 / 21)، والترمذي (1 / 351 - 352)، وقال: حديث حسن صحيح.

[2] تفسير ابن كثير (7/ 380).


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook