المحتوى

حظ

الكاتب: المدير -
حظ
"حظ

 

كلمةٌ تتكون من حرفين؛ لكنهما حرفانِ حرفان؛ فابتسامة الرضا ستجد طريقًا معبَّدًا لشفاه المحظوظين طبعًا.

(الحاء، والظاء) حرفان طيِّبان جدًّا؛ فهما مندوبان للأقدار المبهجة.

ماذا لو كان مندوبو الشركات هكذا؟

لوْ عدتَ للوراء قليلًا، سترى أن أول مسابقة يقوم بها الأطفال هي الجري؛ فحبُّ الوصول للنهايات أولًا ينمو معنا من البدايات؛ بل إن البشر منذ زمن بعيد يحبُّون إقامة مسابقات في ألوان شتى من الممارَسات.

 

فلِمَ لمْ يقيموا ماراثون يظفر فيه الفائز بحَفْنَةٍ من الحظ؟

لِمَ لَمْ يفعلوا ذلك؟ ألأن الحظ يأنف من اللحاق به؟ أم لأنه يحب التحالف مع الغافلين عنه؟

عمومًا لا عليك، فحتى فوتونات الضوء لا تستطيع اللحاق بحظٍّ فائت.

 

إنك حين يصافحك الحظُّ وأنت في قاع المحيط، ستظنُّ أن القروش نباتية عندما تواجهك، والمهم عليك أن ترحل سريعًا؛ فلربما أن الحظ من المخلوقات القصيرة العمر، والقروش أيضًا ترفض الحمية تجاه اللحوم الحمراء، كما البيضاء، وقديمًا قيل: أعطني حظًّا، وارمني في البحر.

 

وإن من المضحِكات المبكيات التي قد تستوقفك، ما يُنسَب لأدولف هتلر: من حسن حظ الحكَّام أن الناس لا يفكِّرون.

عجبًا! هل جهل شريحة من الناس حولك في قضية تجيدها يُعدُّ حظًّا من حظوظك؟ ربما.

لوْ سألتَ اللغة العربية عن الحظ، لأخبرتك أنها لا تعرف عنه إلَّا أنه اسم يُطلَق على النصيب من الشيء، فالحظُّ باختصار: هو النصيب.

 

لكنك حين تسمع أحدًا يقول: فلان محظوظ، سيتبادر لذهنك مالٌ وفير، أو منصب مرموق، أو معرفةٌ ناعمة ‏لمُتنفِّذين هنا وهناك.

‏حسنًا، ‏هل الذي خلَق الخلْق، وقدَّر الأقدار، ورفع وخفض، وقبض وبسط، وأوجد العقول التي اصطلحت على المفردات والمفاهيم - هل سمَّى صاحبَ المال والمنصب والمُتنفِّذ: محظوظًا؟

‏حين تُقلِّب صفحات القرآن الكريم، ستجد في آخر سورة القصص قوله سبحانه عن قارون - صاحب الكنوز، والمنصب الوزاري لفرعون، والتَّنفُّذ المتناهي في مصر -: ? إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ? [القصص: 79].

مهلًا! الله لم يصفْ قارون بذلك، إنما حكى قول الذين يريدون الحياة الدنيا؛ حيث قال سبحانه: ? قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ? [القصص: 79]، ثم أعقب هذا القول بقوله: ? وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ? [القصص: 80].

 

لعلنا نحتاج إلى إعادة مفاهيمنا تجاه الحظ؛ فالذين أُوتُوا العلمَ لهم رأي آخر، وأعتقد أني أريد أن أضمَّ صوتي لصوتهم؛ فأنا لا أرغب في الجلوس في الجهة المقابلة لهم.

إذا كان المتنعِّمون في الدنيا لم يُوصَفوا بالمحظوظين من قِبَلِ الله، فمن هم المحظوظون إذًا؟

انتظر، فقد سمى الله النصيب من نعيم الآخرة حظًّا؛ قال سبحانه عن الذين يسارعون في الكفر: ? يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ? [آل عمران: 176].

فعلًا لقد سمَّاه حظًّا، بعكس نعيم الدنيا الذي لم يحظَ بهذا الوصف من الله.

لعلَّ المتنعمين في الدنيا عند الله ليسوا في قائمة المحظوظين، وإن ظن البشرُ عكس ذلك.

 

ما زال السؤال مُلحًّا: من هو المحظوظ إذًا؟

دونك بعضًا منهم:

قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((... فمن أخذ به - أي العِلم - أخذ بحظٍّ وافر))، إذًا معرفة الحلال والحرام، والأوامر والنواهي المباشرة أو المبطنة في ثنايا القصص تُعدُّ حظًّا من الحظوظ، وعليه؛ فإن التغافل عنها، ونسيانها، وفعل ما يخالفها: يعتبر نقصًا في الحظ عند فاعله، لا غرْوَ إذًا فالآية صريحة في ذلك؛ قال الله عن بني إسرائيل: ? فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ? [المائدة: 14]؛ أي: من الأوامر والنواهي التي أوحاها الله إلى أنبيائهم.

هكذا إذًا، فنعيم الآخرة، والوحي والعلم بما فيه من أوامرَ ونواهٍ - موصوفةٌ عند الله بكونها حظًّا.

 

هل ثَمَّ شيء آخر ألبسه الله صفة الحظ غير هذين؟

نعم، إنه النصيب من الإرث؛ قال سبحانه: ? لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ? [النساء: 11]؛ لكن انتظر، أليس هذا حُكمًا شرعيًّا أوحاه الله لنا؟

بلى، هو كذلك؛ فحتى لو اشتمل على موروث مالي أو عيني، فإنه لا يعدو أن يكون حكمًا شرعه الله، إذًا هو نوع داخل فيما سبق بيانُه من الحظوظ.

 

هل ثَمَّ شيء آخر ألبسه الله صفة الحظ غير ما سبق؟

نعم.

حين يطولُك أذى ثم تدفع السيئةَ بالحسنة، فإن هذا باب عظيم من أبواب تبدُّل التحالفات، وانقلاب العداوات إلى ولاية ونصرة وحميمية؛ قال الله: ? ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ? [فصلت: 34، 35].

عجبًا عجبًا، حظ موصوف بالعِظَم! ما هو؟

حين ترى شانئَك قد تحوَّل من عدو إلى وليٍّ ينصرك تحت ظل عاطفة حميمية.

لا شك أن الحب - إذًا - هو أعظم صورة من صور الحظوظ العظيمة.

إذًا عليك أن تنظر لمعاناتك مع أقاربك أو الناس على أنها مشاريع متحركة تحمل لافتة كُتب عليها: (الحظ العظيم).

 

وإذا كان ما يجري على الأرض من تحوُّلٍ للعَلاقات من عداوة إلى نصرة وحميمية يعتبر حظًّا عظيمًا، فكيف بما يدور في السماء ابتداء بالحب حين يقول الله: يا جبريل، إني أُحبُّ فلانًا فأَحِبَّه، فيحبه جبريل، وينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأَحبُّوه، فيحبه أهل السماء، ثم يُوضع له القَبول في الأرض؟ فهذا أي نوع من الحظوظ؟

أعتقد أن حقيقة الحظ عند الله تجعل الفكرَ البشري بكافة تراكماته وخبراته في مأزق حادٍّ.

حسنًا، المحظوظون هم من سميتهم أنت بذلك ربَّنا، لا من سماهم البشر.

? سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ? [البقرة: 285].


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook