حقوق الأخوة في أدبيات الآلوسي رحمه الله (5) (مغفرة الزلات)

الكاتب: المدير -
حقوق الأخوة في أدبيات الآلوسي رحمه الله (5) (مغفرة الزلات)
"حقوق الأخوة في أدبيات الآلوسي رحمه الله (5)
(مغفرة الزلات)




من صفات المسلم الصادق العفو عن المسيء، والتجاوز عن المذنب، خاصة فيما يتعلق بحقه الشخصي، فإذا زلَّ أحدهم معه زلة، غفرها له، وبات سليم الصدر، طيب النفس تجاه من أخطأ في حقه؛ لأنه يعلم أن لا أحد سليم من العيب، مبرَّأ من الذنب، والكمال لله وحده، ولمن كتب الله له العصمة من الأنبياء؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((كل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطائين التوابون))؛ [أخرجه الترمذي، وأحمد، وابن ماجه، وهو صحيح].

 

وقال الشاعر[1]:

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها
كفى المرء نبلًا أن تعد معائبه



وقدوتنا في ذلك سيد الأنبياء، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، الذي قال لقومه بعد ما لقيَ منهم الأذى والسخرية: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء))؛ وقد قال تعالى في حق نبينا: ? وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ? [القلم: 4]، وقد اقتدى الصحابة بهدْيِ نبينا في هذا الخلق الجميل، والهدي القويم، فقد عفا أبو بكر رضي الله عنه عمن أساء إلى سمعته، وواصل العطاء الذي كان يقوم به، وقد أنزل الله في ذلك آيات مباركات؛ قال تعالى: ? وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ? [النور: 22].

 

وقيل لخالد بن صفوان: أي إخوانك أحب إليك؟ قال: الذي يسد خلتي، ويغفر زلتي، ويقيل عثرتي، وقيل: من عاتب على كل ذنب، ضاع عتبه، وكثر تعبه[2].

 

وقد بيَّن العلامة محمود شكري الآلوسي أهمية هذا الخُلق الفاضل الكريم، وأثره على النفس في تحقيق الاطمئنان، وسلامة الصدر من الأمراض النفسية؛ كالحسد، وحب التشفِّي والانتقام، والقلق، والحقد، وسَرَدَ في ذلك – كعادته - الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وأقوال الأدباء، وقصائد الشعراء، وكلام الحكماء في بيان فضيلة العفو عن الزلات، والسماحة والمغفرة عن الهفوات، وأن فضله كان معروفًا في الجاهلية فضلًا عن الإسلام.

 

يقول رحمه الله في شرح قول الناظم أحمد الشاوي رحمه الله في قصيدته المعروفة بالشاوية في البيت الرابع عشر من القصيدة، وهي من بحر الطويل:

وما ذاق حلو المجد من لم تلده
ويغفر زلات الأخلاء بالمر



أقول: يريد بهذا البيت بيان شيء مما يستوجب الرياسة والسيادة، وهو أن يكون من لم يلد الدواء، ولم يغفر زلات الأخلاء بالأمور المرة بلا امتراء، ولم يذق حلاوة الحمد والثناء، واللدود ما سُقي الإنسان في أحد شقي الفم، فيمر على اللديد[3]، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن خير ما تداويتم به اللدود والسعوط، والحجامة والمشي))[4].

 

قال الأصمعي: اللدود ما سُقيَ الإنسان في أحد شقي الفم، ولديد الفم جانباه، إنما أُخذ اللدود من لديدي الوادي، وهما جانباه، ومنه قيل للرجل: هو يتلدد؛ إذا التفت عن جانبيه يمينًا وشمالًا، ويقال: لددت الرجل ألده لدًّا: إذا سقيته ذلك، وقال الفراء: اللد: أن يؤخذ بلسان الصبي فيمد إلى إحدى[5] شقيه، ويوجر في الآخر الدواء في الصدف بين اللسان وبين الشدق، ولدَّه إياه وألده إلدادًا، وقد لُدَّ الرجل فهو ملدود؛ وفي الحديث: ((أنه لُدَّ في مرضه فلما أفاق، قال: لا يبقى في البيت أحد إلا لد))[6]، فعل ذلك عقوبة لهم؛ لأنهم لدوه بغير إذنه؛ وفي المثل: جرى منه مجرى اللدود.

 

وجمع ألدة، وقد لُدَّ الرجل، فهو ملدود، وألددته أنا، والتد هو؛ قال ابن أحمر[7]:

شربت الشكاعي والتددت ألدةً
وأقبلت أفواه العروق المكاويا



قال الشاعر:

لددتهم النصيحة كل لد
فمجوا النصح ثم ثنوا فقاؤوا



استعمله في الأعراض، وإنما هو في الأجسام؛ كالدواء، والماء، وكذلك استعمله الناظم.

 

وقوله: (بالمر) تنازع فيه يلده، وقوله: يغفر...؛ إلخ، فإذا وافقنا البصريين قدرنا للأول فيكون التقدير: وما ذاق حلو الحمد من لم يلد الحمد بالمر، أو يحتمل مراده المداراة يلد الحمد مع المر، ويغفر زلات الأحبة مما يكره ويستبشع كالمر، والبيت ليس بظاهر المعنى، مع ما في قوله: ويغفرُ بالرفع مع كونه معطوفًا على المجزوم، وهو لم يلد، وعلى كل حال فإن البيت يدل على أن الرياسة والسؤدد يستوجبان الحلم والصبر؛ ولذلك قال محمد بن عبدالله زنجي البغدادي:

ألم تر أن الحلم زين مسود
لصاحبه والجهل للمرء شائن[8]
فكن دافنًا للجهل بالحلم تسترح
من الجهل إن الحلم للجهل دافنُ

 

وأنشد محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:

إذا شئت يومًا أن تسود عشيرةً
فبالحلم سُدْ لا بالتسرع والشتم
وللحلم خير فاعلمن مغبةً
من الجهل إلا أن تشمس من ظلم

 

وأنشد علي بن محمد البسامي[9]:

فارضَ بما حُمَّ من قضاء
يصبك من ذلك الخيارُ
وعش حميدًا رخيَّ بالٍ
ما زانك الحلم والوقارُ

 

وما أحسن قول القائل:

وذي سفه يخاطبني بجهل
فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهةً وأزيد حلمًا
كعود زاد بالإحراق طِيبا

 

وقال محمد بن حبيب الواسطي:

إذا المرء لم يصرف عذابًا من الأذى
حياء ولم يغفر لأخرق مذنبِ
فلم يصطنع إلا قليلًا صديقه
ومن يدفع العوراء بالحلم يغلبِ

 

والشعر في هذا الباب كثير، على أن دعوى الرياسة إنما تتم بحسن رعاية الضعفاء والعدل فيهم؛ قال محمد بن البسامي:

إذا سُستَ قومًا فاجعل العدل بينهم
وبينك تأمن كل ما تتخوفُ
وإن خفت من أهواء قوم تشتتًا
فَبِالجُودِ فاجمع بينهم يتألفوا

 

وقال الأفوه الأودي[10]:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
والبيت لا يُبتنى إلا له عمد
ولا عماد إذا لم ترس أوتادُ
فإن تجمع أوتاد وأعمدة
وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
تلفى الأمور بأهل الرشد ما صلحت
فإن تولَّوا فبالأشرار تنقادُ

 

وعن أبي بكر ابن عياش أن أهل الجاهلية لم يكونوا يسوِّدون عليهم أحدًا لشجاعة، ولا للسخاء، إنما كانوا يسودون من إذا حكم، وإذا سُئل حاجة، قضاها أو قام معهم فيهم.

 

وأنشد الأبرش:

وقد يبغض الحيات أولاد آدم
وأبغض ما فيها إليهم رؤوسها
وما ابتليت يوما بشر قبيلة
أضر عليها من سفيه يسوسها[11]

 

وعن أبي حاتم: لا يستحق أحد اسم الرياسة، حتى يكون فيه ثلاثة أشياء: العقل، والحلم، والمنطق، ثم يتعرى عن ستة أشياء عن: الحدة، والعجلة، والحسد، والهوى، والكذب، وترك المشاورة، ثم ليلزم في سياسته على دائم أوقات ثلاثة أشياء: الرفق في الأمور، والصبر على الأشياء، وطول الصمت، وقد ذكرت في (بلوغ الأرب) شروط السؤدد لدى العرب في الجاهلية، والله ولي التوفيق.

قال الناظم:

لعمري لقد جربت أبناء دهرنا
برمتهم في حالة الخير والشر
وقلبتهم ظهرًا لبطن بأسرهم
مرارًا لدى الحاجات في العسر واليسر
فما سمعت أذناني ما سر منهم
ولا أبصرت عيناي وجه فتى حر
وما إن رأى إنسان عيني واحدًا
كما شئت إنسانًا يعد سوى (شكري)
ولو لم يكن في حاضر العصر مثله
لقلنا على الدنيا العفاء بذا العصر

 

[1] البيت للشاعر علي بن الجهم، أديب من أهل بغداد، كان معاصرًا لأبي تمام، والبيت من الطويل.
[2] المستطرف من كل فن مستظرف، ص: 141، وانظر: المجالسة للدينوري، رقم: 3294.
[3] انظر: لسان العرب، 7/315.
[4] الحديث لفظه: ((إن خير ما تداويتم به اللدود والسعوط، والحجامة والمشي، وخير ما اكتحلتم به الإثمد؛ فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم له مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثًا في كل عين))؛ [أخرجه أبو داود (4061) مختصرًا على الاكتحال، والترمذي (2048) باختلاف يسير، والنسائي (8/149) مختصرًا على الاكتحال]، في هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن خير ما تداويتم به اللدود))، واللد: دواء يوضع في جانب الفم، والسعوط: وهو دواء يوضع في الأنف.
[5] تاج العروس للزبيدي، ج5، ص238.
[6] الحديث روته السيدة عائشة الصديقة رضي الله عنها قالت: ((لددناه في مرضه فجعل يشير إلينا: ألَّا تلدوني، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق، قال: ألم أنهكم أن تلدوني؟ قلنا كراهية المريض للدواء، فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لُدَّ، وأنا أنظر، إلا العباس، فإنه لم يشهدكم))؛ [رواه البخاري في صحيحه]. وإنما أنكر التداوي؛ لأنه كان غير ملائم لدائه صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب، فداووه بما يلائمها، ولم يكن به صلى الله عليه وسلم ذلك، قيل: لأنه تحقق أنه يموت في مرضه، ومن حقق ذلك، كره له التداوي. وفي الحديث: منع إكراه المريض على الطعام والشراب والدواء، وفيه: مشروعية القصاص في كل شيء، وفيه: تعزير المتعدي بنحوٍ من فعله الذي تعدى به، إلا أن يكون فعلًا محرمًا؛ [انظر: الموسوعة الحديثية على شبكة الإنترنت].
[7] هو عمرو بن أحمر بن فراص بن معن بن أعصر، وكان أعور، رماه رجل يقال له: مخشيٌّ، بسهم، فذهبت عينه، فقال [من البسيط]:
شُلَّت أنامل مخشي فلا جُبرت
ولا استعان بضاحي كفه أبدا
أهوى لها مشقصًا حشرًا فشبرقها
وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا
وعمَّر – أي: الشاعر - تسعين سنةً، وسقى بطنه فمات، والبيت من قصيدة من الطويل مطلعها:
إليك إله الحق أرفع رغبتي
عياذًا وخوفًا أن تطيل ضمانيا
فإن كان بُرءًا فاجْعَلِ البُرْءَ نعمةً
وإن كان فيضًا فاقضِ ما أنت قاضيا
[8] ومما قيل في الحلم من شعر [من الطويل]:

ألا إن حلم المرء أكبر نسبة
يُسامَى بها عند الفخار كريمُ
فيا رب هب لي منك حلمًا فإنني
أرى الحلم لم يندم عليه حليمُ
وقال الشاعر [من الطويل]: وفي الحلم ردع للسفيه عن الأذى = وفي الخـرق إغراء فلا تكُ أخرقا فتندم إذ لا تنفعنَّك ندامة = كما ندم المغبون لما تفــرقا

[9] البسامي أبو الحسن علي بن أحمد بن منصور، من كبار الشعراء، بارع في الثناء والهجاء، عاش نيفًا وسبعين سنةً، ومات في صفر سنة اثنتين وثلاثمائة، وله تصانيف أدبية، أورد له ابن خلكان مقطعات؛ [وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ابن خلكان، ج ?، الصفحة ???].

[10] الأفوه الأودي: هو صلاءة بن عمرو بن مالك، أبو ربيعة، (50 قبل الهجرة/ 570م)، من بني أود من مذحج، شاعر يماني جاهلي، لُقب بالأفوه؛ لأنه كان غليظ الشفتين، ظاهر الأسنان، كان سيد قومه وقائدهم في حروبهم، وهو يعد من شعراء العرب وحكمائها بما اشتمل عليه شعره من الحكمة، من أشهر أقواله:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جُهَّالهم سادوا

له قصائد عدة تدل على أنه صاحب حكمة، ورجل شجاع يمتلك الذكاء، وحِدَّة الفكر؛ [انظر: كتاب الأغاني، (12/ 198)، ومقال لطيف في الألوكة بعنوان: الأفوه الأودي].

[11] قام بعض الأدباء بتشطير هذه الأبيات، فقال وما أحسن ما قال: (وقد يبغض الحيات أولاد آدم) = وإن نفوس البعض منهم نفوسها فأبغض ما فيهم إلينا رؤوسهم = (وأبغض ما فيها إليهم رؤوسها) (وما ابتليت يوما بشر قبيلة) = كتسويدها في أرضها من يدوسها تقصيت أضرار الشعوب فلم أجد = (أضرَّ عليها من سفيه يسوسها) [ديوان محمد آل خليفة 1399ه، طُبع بدار الهدى عام 2010، انظر في ذلك: ص416].

"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook