حقوق الأخوة في أدبيات الألوسي رحمه الله (2)

الكاتب: المدير -
حقوق الأخوة في أدبيات الألوسي رحمه الله (2)
"حقوق الأخوة في أدبيات الألوسي رحمه الله (2)




الحمد لله، والصلاة والسلام على مَن أدَّبه ربُّه فأحسن تأديبه، وعلى آله وأصحابه النُّجباء، الذين جعلهم مِن الأتقياء الأصفياء، فكانوا قدوةً صالحة لأهل العلم والدين والأدباء، وعلى مَن سار على نهجهم، واتبع سيرتهم إلى يوم الدين، وبعد:

فهذا القسم الثاني من الآداب الزكية، والأخلاق المرعية، في أدبيات الشيخ محمود الألوسي، طيب الله ثراه، وجعل دار الجنة مثواه، وفيها يشرح أبيات من قصيدة مشهورة قيلت في مدحه.




قال الناظم:

ولكنَّه يُعطي المودَّةَ حقَّها ??? ويجمَعُ للخلِّ الوفاءَ مع الصبرِ




أقول: (لكنَّ) بتشديد النون، من أخوات (أنَّ)، ومعناه الاستدراك، وهو أن تثبت لِمَا بعدها حكمًا مخالفًا لِمَا قبلها؛ ولذلك لا بد أن يتقدَّمها كلام مناقض لِمَا بعدها أو ضدٌّ له، وقيل: ترد تارة للاستدراك، وتارة للتوكيد، وقيل: للتوكيد دائمًا، مثل (أنَّ)، ويصحب التوكيد معنى الاستدراك، وهي بسيطة، وقال الفراء: مركبة مِن (لكن وأن)، فطُرِحت الهمزة للتخفيف، وقد يحذف اسمها؛ كقوله:

فلو كنتَ ضبِّيًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي ??? ولكنَّ زنجيٌّ عظيمُ المَشَافِرِ[1]

 

ويعطي: يُنِيل.

والمودة: معلومة. والحق: واحد الحقوق، وهما من الأمور التي يجب مراعاتها في الصداقة والمصاحبة، ولكل مسلم على كل مسلم حقوقٌ بيَّنتها نصوص الشريعة يجب أداؤها، وللحق معانٍ أخر يفسَّر بها بحسب ما يقتضيه المقام؛ منها أنه اسمٌ من أسمائه تعالى أو من صفاته، والقرآنُ، وضدُّ الباطل، والأمر المقضيُّ، والعدل، والإسلام، والمال، والملك، والموجود الثابت، والصدق، والموت، والحزم، وغير ذلك.

والجمع - كالمَنْع -: تأليف المتفرِّق.

والخِل - بالكسر -: الصديق المختص.

والخُلة - بالضم -: الصداقة المختصة، التي لا خلل فيها، تكون في عفاف، وفي دعارة، جمعها: خِلال ككِتاب، والاسم الخُلولَةُ.

والوفاء: ضد الغدر، ونصره: أعانه، ونصر الغيثُ الأرضَ: عمَّها بالجود، ونصره منه: نجَّاه وخلصه، وهو ناصرٌ، ونُصَر كصُرَد، مِن نُصَّار، وأنصار، ونَصْر، كصَحْب، والنصير: الناصر، وأنصار النبي صلى الله عليه وسلم: غلبت عليهم الصفة.




وحاصل معنى البيت: إن ذلك الممدوح ليس ممَّن اتصف بالصفات المذمومة، والأخلاق الردية، ولكنه يراعي حقوق المودة والإخاء، ويؤدِّي ما يجب أداؤه للأصدقاء، وينصر الخليل، ويُعينه على كل خطب جليل، ويفي بعهود أصحابه، ويدافع عن أخصائه وأحبابه، وهذا البيت مع إيجازه واختصاره قد اشتمل على خصال الأخلاق الجميلة؛ كمراعاة حقوق المودة، والخلة والوفاء، والنصر، وحقوق المودة والصداقة كثيرة، قد سبق ذكر شيء منها، وفي كتب الحديث والتفسير استيفاؤها.




والوفاء اشتهر بمراعاة العرب له جاهليةً وإسلامًا، فقد كان للعرب من رعاية الجوار ما يستوجب العجَب؛ وذلك أن الإنسان إذا لمس طنبُ بيتِه طنبَ بيت آخر، لزمه حرمة الجوار والذمة، وإلى هاتين الفضيلتينِ أشار أبو تمام يخاطب ابن الزيات:

لي حرمةٌ بك لولا ما رعيتَ وما
أوجبتَ من حقِّها ما خِلتُها تَجِبُ
بلى، لقد سلفَتْ في جاهليَّتِهم
للحقِّ ليس كحقِّي نصرة عَجَبُ
أن تعلقَ الدلوُ بالدلوِ القريبةِ أو
يلامس الطُّنبَ المستحصدَ الطنبُ

 

وكانوا يراعون أمرَ الذمة، ويحافظون عليه، ويتوخَّون الوفاء به، ولو أريقت الدماء، وقامت الحروب، فمن ذلك ما كان من كليب[2]، فإنه كان يقول: قد أَجَرْتُ وحش صحراء كذا وكذا، فلا يتعرض له أحد، ولا يقدم على صيد ذلك الوحش أحدٌ أبدًا، وكان يمنع أن ترد إبل أحد مع إبله حتى تصدر إبله، ثم ترد إبل الناس بعد ذلك، قال عبدالله بن محمد الشيباني من قصيدة:

أعزُّ كليب كان أحدوثة بها
يبني من العزِّ الأصيب المبانيا
يجيرُ وحوشَ البيدِ مِن أن يصيدها
رجالٌ ويحمي للوحوش الصحاريا
ويختصرُ الوِرْد المباح فتنتهي ال
جماعةُ عمَّا عنه صرَّح ناهيَا




وعمرو بن السكن قتل أخاه وفاءً لجاره الكلابي، حتى قال شاعر بني شيبان:

قتلْنا أخانا للوفاء بجارِنا ??? وكان أبونا قد تجير مقابرُهْ




وقال غيره يرد عنه بما فعلوا:

تعدُّ معاذرًا لا عذر فيها ??? ومَن يقتُلْ أخاه فقد ألامَا




وقصة السموءل بن عادياء وقَتْل ولده بسبب أدرع امرئ القيس، ولم يدفع الأدرع، وذُبِح ولدُه وهو يشاهدُه من الحصن - مشهورةٌ.

والنصر المذكور في البيت إشارة إلى حديث: ((انصر أخاك ظالِمًا أو مظلومًا))[3]، ونصره ظالمًا أن يكفَّه عن الظلم، والكلام في هذه المطالب مشهور مبسوط في محله، وما ذكرناه يكفي لاتِّضاح المقام.




وقال الناظم:

ولا هو من همه لبس فروة ??? يُباهي بها أقرانَه من بني المصرِ




أقول: الهم والحزن جمعُه هموم، وما هم به في نفسه، وهمه الأمر همًّا ومهمَّة: أحزنه؛ كأهمَّه فاهتمَّ.

واللبس معلوم.

والفروة نصف كساءٍ يتَّخذ من أوبار الإبل ونحوها، وجُبَّة مفراة: عليها فروة، وافترى فروًا: لبسه، وذو الفروة: السائل.

والمباهاة: المغالبة في الحسن، يقال: باهيته فبهوتُه: غلبته بالحسن، والبهاء: الحسن، والفعل: بَهُوَ كسَرُوَ ورَضي.




وأقران: جمع قرن، وهو المثيل، وعليه قول القائل:

قد أَترُكُ القرن مصفرًّا أناملُهُ ??? كأنَّ أثوابَه مُجَّتْ بفِرْصَادِ




وفي القاموس: الأقران: أهل زمان واحد، وهو على قَرني: على سِنِّي وعمري؛ كالقرين، والقَرن أيضًا: أربعون سنة، أو عشرة، أو عشرون، أو ثلاثون، أو خمسون، أو ستون، أو سبعون، أو ثمانون، أو مائة، أو مائة وعشرون، والأول أصح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لغلام: ((عِشْ قرنًا))، فعاش مائة سنة، وكل أمة هلكت فلم يبقَ منها أحد.

والمصر: الكورة، وهي المدينة.




وحاصل معنى البيت:

وليس ممدوحي من أناسٍ همهم اللباس، ولا هو مما يباهي الأقران، ويفاخر أهل بلده ووطنه بما يتفاخر به النسوان، إنما المرء بأصغريه، لا ببُرديه، بل زينة الرجال الأدب والكمال، والتزيين بمثل الفِراء واللباس المشهور بين الورى مِن ديدن ربات الخدور والحِسَان، وشأن ربات الحجال والغلمان، وجاء في شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان لا يلبس إلا الخَشِنَ، ولا يَأْكُلُ إلا الجَشِبَ[4].




ودخل عليه عمر وهو على حصيرٍ قد أثَّر في جسمه، فقال له: يا رسول الله، لو اتَّخذت فراشًا أوطأ من هذا! فقال: ((ما لي وللدنيا؟ والذي نفسي بيده، ما مَثَلي ومَثَل الدنيا إلا كراكب سار في يومٍ صائف، فاستطل تحت شجرة ساعة من النهار، ثم راح وتركها)).




وعن بلال بن أبي بردة، قال: أخرجت إلينا عائشةُ رضي الله عنها كساءً وإزارًا غليظًا، وقالت: قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذينِ؛ متفق عليه[5].




هذا، وقد ملك مِن أقصى الحجاز إلى عذار العراق، ومِن أقصى اليمن إلى شِحْرِ عمان، وهو أزهد الناس فيما يُقتنى ويُدخر، وأعرَضُهم عما يستفاد ويحتكر، لم يخلِّف عينًا، ولا حفر نهرًا، ولا شيد قصرًا، ولم يورثْ ولده وأهله متاعًا، ولا مالا يصرفهم عن الرغبة في الدنيا كما صرف نفسه عنها، فيكونوا على مثل حاله في الزهد فيها.




ويليه القسم الثالث إن شاء الله




[1] قال محقق كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين، ج1 - 184: إن الصواب في إنشاده:

فلو كنت ضبيًّا عرَفتَ قرابتي ??? ولكنَّ زنجيًّا غلاظًا مشافرُهْ

[2] راجع بتوسع: (بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب)؛ للألوسي رحمه الله، الطبعة الثالثة، دار الكتاب العربي، جزء 1- 133، يقول صاحب الأغاني 2-126: (فالمؤاكلة، ودخول البيت، ولمس الخيمة أو مجاورتها - يقيم رابطة الجوار، وقد توسَّعوا في هذا، فاعتبروا علوق الدلو بالدلو في بئرٍ يلزم حرمة الجوار والذمة)، وأورد أبيات لأبي تمام.

[3] عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا))، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: ((تأخذ فوق يديه)).

وأبيات الشيباني، وقصيدته في كليب بن ربيعة - لم أجدها في كتب الأدب.

[4] جاء في أعلام النبوة للماوردي: (لا يأكل إلا الخَشِب، ولا يلبس إلا الخشن، ويعطي الجزل الخطير، ويصل الجم الغفير، ويتجرع مرارة الإقلال، ويصبر على سغب الاختلال)، ولعله الجشب: وهو طعام بلا إدام.

[5] والحديث هو من حديث أبي بردة بن أبي موسى، قال: (أخرجت لنا عائشة رضي الله عنها كساءً وإزارًا غليظًا، قالت: قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين)؛ متفق عليه.


"
شارك المقالة:
7 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook