حوار وقرار

الكاتب: المدير -
حوار وقرار
"حوار وقرار




الحمد لله الملك الجليل، الذي يعطي العطاء الجزيل، والصلاة والسلام على المؤيَّد بجبريل، المذكورِ في التوراة والإنجيل، صاحبِ الغُرَّة والتَّحجيل، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه من أبناء الجيل، وبعد:

فيا أيُّها الأعزَّاء:

لا نزال نتلمس معالمَ الطريق الذي سار عليه الأنبياء، ففي حياتهم ذِكرى للأتقياء، وفي دعوتهم لأقوامهم عِبرةٌ للأذكياء، وكُلَّما تأملت في قصة نبيٍّ أو رسول، وجدت فيها سمةً بارزة للعيان، تصلُح لأن تكون منهجَ حياةِ إنسان، وصدَق الله تعالى إذ يقول: ? لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ? [يوسف: 111].

 

وقد تجوَّلت أكثرَ من مرة في سورة الأنبياء، فوجدت في قصة إبراهيم عليه السلام الواحةَ النديَّة الغنَّاء، وتلمَّست فيها جمالَ الجنة الفيحاء، فلو قرأنا من الآية الواحدة والخمسين إلى الآية الثالثة والسبعين من هذه السورة الكريمة، لوجدنا مجموعةً من المفاهيم ذاتِ المضامين العظيمة، كلُّها فوائدُ للدُّعاة في دعوتهم.

إن الدعوة التي قام بها إبراهيم عليه السلام هي تجاربُ ثَريَّة، تتجلَّى فيها طُرق ووسائلُ الدعوة المؤثِّرة الحيويَّة.

 

إخواني الكرام:

لقد امتنَّ الله على إبراهيمَ الخليل عليه الصلاة والسلام بأن ألهَمَه رُشدَه منذ نعومة أظفاره الطَّريَّة، فتحمَّل كلَّ أعباء المسؤولية، واجتهد بتفانٍ في الدَّعوة إلى رب البريَّة، ولقد واجه عليه الصلاة والسلام أباه وقومه العتاة، فما نام له جَفْن وما لانت له قناة، فقال بعد أن صال وجال: ? مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ? [الأنبياء: 52].

 

إنه حوار نبويٌّ فيه تأصيلٌ وتجديد، يعيد النظر في تراكمات التقاليد!

دعاهمُ الخليل من خلاله إلى نَبْذ العادات الموروثة من قدم!

وحثَّهم على التفكُّر في مُسبغ الخيرات والنِّعم!

فلما رأى القومُ حُنكتَه وبَراعته، وبدَت لهم جرأته وشجاعته، قالوا: أأنت جادٌّ أم مازح؟ فانطلق بكلِّ ثبات وصدق، صادعًا بكلمتَي الدِّين والحق: ? بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ? [الأنبياء: 56].

 

لقد ألهَمَ الله تبارك وتعالى نبيَّه أن يتخذ قرارَه الحاسم الفريد، فانبرى إبراهيم عليه الصلاة والسلام منافحًا عن عقيدة التوحيد، فأقسم بالله العليِّ الحميد، ليحطِّمنَّ الأصنام في يوم العيد، فجعلها متناثرة في سواد البيد، خلا الصنمَ الكبير، الذي يُجلُّونه ويقدِّسونه بالتكبير، فإنه قد علَّق الفأس في عنقه؛ لينوء بحمله، وليكون علامة على جهله، ليت القوم من فَرْط غفلتهم يتبصَّرون، ومن سُباتهم العميق يستيقظون!

وقد صوَّر لنا القرآنُ الكريم هذا المشهدَ المؤثِّر الخطير، فقال العليُّ الكبير: ? وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ? [الأنبياء: 57].

 

أيها الفضلاء:

إن ما حدث بالضبط هو أثرُ الإيمان حينما تخالطُ بشاشتُه القلوبَ، فتهُب الجوارح خضوعًا واستسلامًا لعلَّام الغُيوب، تحثُّ الخُطى في شقِّ الدُّروب.

فيا لها من وثبةٍ للمؤمن الواثق بربه، قد نفضت غبارَ الشِّرك ووحله!




وقفل القوم راجعين من مراسيم عيدِهم المعلوم، فتعجَّبوا لما استجدَّ وبدَتْ على قسمات وجوههم الوجوم: ? قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ? [الأنبياء: 59، 60].

لقد اعتبروا مَن مسَّ الآلهةَ ظالمًا؛ لأنه اعتدى في الأذيَّة، فتحرَّكوا بحِسِّهم الأمني ووضعوا إستراتيجية، فتعرفوا بجهود استخباراتهم عن المشتبَه به في القضية، وحتى لا يكون الحُكم بالظنون؛ أشهَدوا على إبراهيم العيون!

 

وإذا أراد الله شيئًا هيَّأ له الأسباب، هم يريدون إظهارَ البيِّنة على إبراهيم الخليل، والله يريد نصرَه بالحُجَّة والدليل، فمقصوده الأكبر أن يبين لهم في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم، وقلة عقولهم في عبادة هذه الأصنام التي لا تدفع عن نفسها ضرًّا، ولا تملك لها نصرًا، فكيف يُطلَب منها شيء من ذلك؟[1]

والله تعالى يقول: ? وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ? [الأنفال: 30].

 

وها هي الفرصة قد سَنَحت لإبراهيم عليه السلام حتى يفنِّد شبهاتِهم، ويبيِّن زيفَ تُرَّهَاتهم، فانتهج النقاش مسلكًا وبدأ الحوار، وقال لهم في شجاعة بارزةٍ وإصرار: ? بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ? [الأنبياء: 63]؛ فتنبَّه القوم لسخافاتهم، وأقَروا بضعف خُرافتهم، وتصاغروا كالذَّرة المتطايرة في يوم عاصف لا تلوي على شيء، فلا قرار لها ولا استقرار.

 

أيها الأخوة الأحباب:

تأملوا معي قوله تعالى: ? ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ ? [الأنبياء: 65].

إنه تصويرٌ قرآني لما حلَّ بهم من ضَعف وصَغَار، فيا ليتهم يعودون للمسار!

تبًّا لتقليدهم الأعمى للآباء فأصابهم الانتكاس!

وسحقًا لإهمالهم التعقُّل والتبصُّر حتى سقطوا في هذه الأدناس!

 

لقد صاح فيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام صيحة مدوية: ? قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ? [الأنبياء: 66، 67].

إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام يُعرب بذلك عن ضجَره القويِّ، وغيظه الشديد؛ لأجل إصرارهم على عبادة الأصنام، وذلك بعد قيام الحُجَّة على عدم استحقاقها، تاركين عبادة المستحِق لها، فقال منكرًا عليهم قولتهم[2].

فكيف يطيب لهم أن يعبدوا حجرًا لا ينفعُ ولا يضرُّ؟!

فما لهؤلاء القوم لا يكادون يَفقهون حديثًا؟!

أمَا آن لهؤلاء أن يحركوا عقولهم المتجمِّدة؟!

 

أيها الفضلاء:

فلما انتصرت الحُجَّة البليغة الدَّامغة، كان الردُّ بالقوة الرَّادعة، والسطوة الفاجعة: ? قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ? [الأنبياء: 68].

فجمعوا له الحطبَ، وألقَوه في نارٍ ذاتِ لهب، فجاء الغوثُ والمدد من عند الواحد الأحد: ? قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ? [الأنبياء: 69].

فسبحان الذي سلب النار خاصية الإحراق!

وسبحان مَن أطفأ جمرَها بالبرد والإشراق!

 

فيا لها من معجزة خرقت كلَّ النواميس، لقد سلِم إبراهيم عليه السلام من النار ? وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ? [الأنبياء: 70].

تالله إنه التأييد الرَّباني، والتوفيق الإلهيُّ للخليل النبي!

 

وصدق من قـال:

وإذا العنايةُ لاحظتْك عيونُها ??? نَمْ فالمخاوفُ كلُّهن أمانُ

 

أيها الحكماء:

لقد قرَّر إبراهيمُ أن يترك أرضَ العراق، التي رفض أهلُها الاستجابةَ لدعوة أنبياء الله الكرام، وهاجر مع ابن أخيه لوطٍ إلى بلاد الشام، تلكم الأرض المباركة[3].

أليست هي مهبِط الوحي ومبعَث الرُّسل الكرام؟!

أليست هي أرض الخصوبة والرِّزق الطيِّب الذي يُغري الأنام؟!

 

اعلموا - رحمكم الله - أن الله قد عوَّض نبيَّه عن صبره عوضًا مباركًا، قد وجده الخليل في وطنه وأهله وولده؛ فقال سبحانه وتعالى: ? وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ ? [الأنبياء: 72].

فلله درك يا أيها الخليل!

كم سعيت في الخَطب الجليل!

وكم أحرزت من الذِّكر الجميل!




وفي نهاية المشوار، يمكن أن أستنتج أن الخليل مضى بهِمَّة نبويَّة تشِعُّ بالإصرار، وتبادَل الكلام مع قومه بلُغة الحوار، فحوَّلوه إلى عراك دامٍ وشجار، فأنكر عليهم أيما إنكار، فاستنكَفوا وأشعلوه مع وقود النار، فنجَّاه ربُّه العزيزُ القهار، ولاذ من بعدها رفقةَ لوط عليهما السلام بالفرار، وعوَّضهم اللهُ بالوطن والأهل والولد عما لحق بهم من أخطار، وصلِّ اللهم على محمد المصطفى المختار، وعلى آله وصحبه الأطهار الأبرار.




[1] انظر: تفسير ابن كثير، 3 /293.

[2] مصطفى مسلم، التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، المجلد الخامس، ص46.

[3] مصطفى مسلم، التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، المجلد الخامس، ص47.


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook