حين اهتز المشايخ طربا

الكاتب: المدير -
حين اهتز المشايخ طربا
"حين اهتز المشايخ طربًا




لكشف المسائل المعضلات، والفروع العويصات المدلهمات، هزة لا يعرفها إلا من تشبع بحب العلم وتدثر، وعاف الرقاد وبكَّر، وجد في تحصيله وشمَّر، وخاض غماره وتبحَّر، وتراه سائر أيامه وسنينه، متضلعًا من كوثر معينه، مزاحمًا وراده، ليبلغ مراده، حتى يذوق حلواه ولذته، ويصير أنسه وسلوته، وكانت مزاحمة العلماء بالركب، أشهى لديه من تشنيف الآذان بالطرب.

 

وقد تنسي الشيخ وقاره وشجوه، لما ذاق من لذة ونشوة، فمن ذاق عرف، ومن عرف بلغ الشأو والشرف، فقد حفظ لنا الأئمة الأعلام، والسادة الكرام، بعضًا من مواقف الصفوة العظام، والأنوار في دياجير الظلام، فهاك بعضًا مما جمع، فما راءٍ كمن سمع، وتدبر أخبارهم، مستشعرًا أحوالهم:

فقد كان الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله تعالى ‌إذا ‌أخذته ‌هزة المسائل يقول: أين الملوك من لذة ما نحن فيه؟ لو فطنوا لقاتلونا عليه[1].

 

وهذا عالم الحنفية في زمانه ‌محمد ‌بن ‌أحمد، أبو جعفر ‌النسفي، كان فقيرًا متزهدًا، بات ليلة قلقًا لما عنده من الفقر والحاجة، فعرض له فكر في فرع من الفروع كان أُشكل عليه، فانفتح له، فقام يرقص ويقول: أين الملوك وأبناء الملوك؟ فسألته ‌امرأته عن خبره، فأعلمها بما حصل له، فتعجبت من شأنه، رحمه الله تعالى[2].

 

وهذا ابن حزم الظاهري رحمه الله تعالى علَّامة الأندلس وأجمعهم للعلوم، الذي عاش حياة الرفاهية والثراء، ثم تعرض للنكبات من سلب للدور والقصور، والسجن والطرد، والتشنيع وإحراق الكتب، يحكي لنا عن لذته عند كشف معضلة من المسائل، وكيف تنسيه ما مر عليه من محن ونكبات، فيقص علينا قصته حين كان في أحد المعتقلات، فيقول: ‌وأحدثك ‌في ‌ذلك ‌بما ‌نرجو أن ينتفع به قارئه إن شاء الله تعالى، ذلك أني كنت معتقلًا في يد الملقب بالمستكفي محمد بن عبدالرحمن بن عبيدالله بن الناصر في مطبق، وكنت لا آمن قتله؛ لأنه كان سلطانًا جائرًا، ظالمًا عاديًا، قليل الدين، كثير الجهل، غير مأمون ولا متثبت، وكان ذنبنا عنده صحبتنا للمستظهر رضي الله عنه، وكان العيارون قد انتزوا بهذا الخاسر على المستظهر فقتله، واستولى على الأمر واعتقلنا حيث ذكرنا، وكنت مفكرًا في مسألة عويصة من كليات الجمل التي تقع تحتها معانٍ عظيمة، كثر فيها الشغب قديمًا وحديثًا في أحكام الديانة، وهي متصرفة الفروع في جميع أبواب الفقه، فطالت فكرتي فيها أيامًا وليالي، إلى أن لاح لي وجه البيان فيها، وصح لي وحق لي الحق يقينًا في حكمها وانبلج، وأنا في الحال الذي وصفت، فبالله الذي لا إله إلا هو الخالق مدبر الأمور كلها، أقسم بالذي لا يجوز القسم بسواه، لقد كان سروري يومئذٍ وأنا في تلك الحال بظفري بالحق فيما كنت مشغول البال به، وإشراف الصواب لي، أشد من سروري بإطلاقي مما كنت فيه، وما ألفنا كتابنا هذا وكثيرًا مما ألفنا إلا ونحن مغربون مبعدون عن الوطن والأهل والولد، مخافون مع ذلك في أنفسنا ظلمًا وعدوانًا، لا نستر هذا بل نعلنه، ولا نمكن الطالب إبطال قولنا في ذلك، إلى الله نشكو، وإياه نستحكم لا سواه، لا إله إلا هو[3].

 

ومن أطرف ما روي في هذا الباب ما ذكره الأديب ربيع السملالي في كتابه نبضات قلم؛ فقال: من النوادر التي حكاها لي الشيخ محمد بن إدريس بلبصير الضرير حين كنت قارئه وقائده، قال: عندما كنت طالبًا بجامع القرويين بفاس، كان يسكن بالقرب من البيت الذي أقيم فيه مع الطلبة فقيهٌ له مكتبة فوق السطوح، يظل فيها الليل كله يقرأ ويبحث ويتدبر ويستنبط، وكان إذا فتح الله عليه في مسألة من المسائل، يأخذ دفًّا كان يعلقه في حائط غرفته، ويبدأ في الضرب عليه بسعادة وفرح، وكان الناس إذا سمعوا ضرب الدف، يقولون: ها هو الشيخ قد فهم![4]




ونختم هذا المقال بأبيات للإمام الزمخشري رحمه الله تعالى مصورًا حاله وما ينتابه من ذلك فيقول[5]:

سَهَري لِتَنقيحِ العُلومِ أَلَذُّ لي
مِن وَصلِ غانِيَةٍ وَطيبِ عِناقِ
وَصَريرُ أَقلامي عَلى صَفَحاتِها
أَحلى مِنَ الدوكاءِ وَالعُشَّاقِ
وَأَلَذُّ مِن نَقرِ الفَتاةِ لِدَفِّها
نَقري لِأُلقي الرملَ عَن أَوراقي
وَتَمايُلي طَرَبًا لِحَلِّ عَويصَةٍ
في الدرسِ أَشهى مِن مُدامَةِ ساقِ
وَأَبيتُ سَهرانَ الدجى وَتَبِيتُهُ
نَومًا وَتَبغي بَعدَ ذاكَ لِحاقي

 

والحمد لله رب العالمين.




[1] محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء للراغب الأصفهاني، ط دار الأرقم بن أبي الأرقم: 1/ 51.

[2] البداية والنهاية لابن كثير، ط هجر: 15/ 601.

[3] التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية، ط دار مكتبة الحياة: 199-200.

[4] نبضات قلم: ص57.

[5] ونسبت الأبيات للإمام الشافعي والصواب ما أثبتناه.


"
شارك المقالة:
5 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook