خارج التصنيف

الكاتب: المدير -
خارج التصنيف
"خارج التصنيف

 

في جوانب الحياة تنافُسٌ مستمرٌّ، يتنافس فيه المتنافسون، وتفصل بين الفائز والخاسر خطواتٌ قليلة، أو ثوانٍ معدودة، غير أنه لا اعتبار لها وإن كان الفارق بسيطًا، فيكون البعض خارج التصنيف.

 

خارج التصنيف أن يصل زملاؤك في الدراسة لمرحلة الدكتوراه وأنت دونهم.

خارج التصنيف أن يكون قوام قرينك في العمل رشيقًا رياضيًّا، ووزنك يفوقه أضعافًا مضاعفة!

خارج التصنيف أن يترقَّى زميلك ويرتقي في العمل، وأنت ما زلت في مكانك منذ سنوات - إن لم تتراجع أصلًا!

خارج التصنيف أن يفوز غيرُك بالدينا والآخرة، وأنت لا هناك ولا هنا!

من المحزن أن تتوافق القدرات والأعمار والإمكانيات لدى شخصين، يَصل أحدهما أعلى المراتب، والثاني يبقى في أدناها؛ فيكون خارج التصنيف.

 

في غزوة مؤتة لما قُتل جعفر أخذ عبدالله بن رواحة الراية، ثم تقدم بها وهو على فرسه، وأطلع الله سبحانه على ذلك رسولَه من يومهم ذلك، فأخبر به أصحابه وقال: ((لقد رفعوا إليَّ في الجنة فيما يرى النائم على سُرُرٍ من ذهب، فرأيت في سرير عبدالله بن رواحة ازورارًا عن سرير صاحبيه، فقلت: عمَّ هذا؟ فقيل لي: مضيَا، وتردَّد عبدالله بعض التردُّد، ثم مضى)).

 

لحظة واحدة من عمل القلب كانت سببًا في تأخر ابن رواحة؛ ليكون في مقام دون المقام، وفوز دون الفوز، وهذا كلُّه بسبب تأخر لحظات، فكيف بمن تأخَّر الساعات والأيام والسنوات؟!

 

إن من تقدم من الصحابة كان له التميُّز على غيره، فكان معاذ بن جبل أعلمَهم بالحلال والحرام، وأَفْرضَهم زيدٌ، وأقرَأَهم أُبيٌّ، فقد عرف الإسلام لأهل السبق سبقَهم؛ فرفعهم منزلة، وأعلاهم درجة ? لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ? [الحديد: 10].

 

ولقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذا المبدأَ الأصيل في حديث عُكَّاشَةَ بن محصن بقوله: ((سبَقَك بها عكاشة)).

وأصل هذا الموقف كما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يدخل من أمتي الجنةَ سبعون ألفًا بغير حساب))، فقال رجل: (يا رسول الله، ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم) قال: ((اللهم اجعله منهم))، ثم قام آخر فقال: (يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم)، قال: ((سبقك بها عكَّاشة)).

لحظات جعلت السائل خارج التصنيف والفوز بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم.

 

مِن هنا كانت الأوامر الإلهية بالمسابقة والمسارعة كي لا يفوتك الفوز،وتكون خارج التصنيف: ? فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ? [البقرة: 148]، ? وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ ? [آل عمران: 133]، ? سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ? [الحديد: 21]، ? إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ? [الأنبياء: 90].

 

حرص على الوقت، فسارع واحجز مكانك في منازل الدنيا والآخرة، ونافس المتنافسين قبل فوات الأوان، اغتنم الساعات، وضَعِ الأهداف وخطط الوصول إليها، فالعمر يمضي وأنت تكبر، وكل يوم مضى يدنيك من أجلك.

 

قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: ما ندمتُ على شيء ندمي على يوم غربت شمسُه؛ نقص فيه أجلي، ولم يَزِدْ فيه عملي!.

وقال عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه وأرضاه: إن الليلَ والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما.

 

وقال الحسن البصري: أدركتُ أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد حرصًا منكم على دراهمكم ودنانيركم، وقال أيضًا: يا بن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضك.

 

إنَّا لَنفرحُ بالأيام نقطعُها
وكلُّ يوم مضى يُدني من الأجَلِ
فاعمل لنفسك قبلَ الموت مجتهدًا
فإنما الربحُ والخسران في العملِ

 

همة عالية:

وتأمل إن قامت الساعة ماذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن قامت الساعة وبيد أحدِكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقومَ حتى يغرسها، فليفعل))، وكن عاليَ الهمة، ففي الحديث: ((إن الله تعالى يحبُّ معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافَها))؛ أي: الحقير الرديء منها.

 

وتأمل غيضًا من فيض فيمن جدَّ واجتهد، فكان داخلَ التصنيف:

• كان الإمام البخاري رحمه الله يقوم في الليلة الواحدة ما يقارب عشرين مرة لتدوين حديث أو فكرة.

• قال أبو داود الطيالسي رحمه الله: أدركت ألف شيخ كتبت عنهم.

• قال حماد بن أسامة رحمه الله: كتبتُ بيدي هذه مائة ألف حديث.

• كان العلامة النحوي محمد بن أحمد أبو بكر الخياط البغدادي يدرس جميع أوقاته، حتى في الطريق، وكان ربما سقط في جرف أو خبطته دابة.

• وقال ابن عقيل رحمه الله: أنا أقصِّر بغاية جهدي أوقاتَ أكلي، حتى أختار سفَّ الكعك وتحسِّيه بالماء على الخبز؛ لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفرًا على مطالعة، أو تسطير فائدة لم أدركها فيه.

• قال ابن الجوزي في ترجمة الطبراني: هو العلامة سليمان بن أحمد مُسنِد الدنيا، زادت مؤلفاته على خمسة وسبعين مؤلفًا، سئل عن كثرة أحاديثه، فقال: كنت أنام على الحصير ثلاثين سنة.

• قال عبيد بن يعيش رحمه الله: أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي - يعني: بالليل - كانت أختي تلقمني وأنا أكتب.

وإذا كانت النفوس كبارًا ??? تعبتْ في مرادها الأجسامُ




فشمِّر عن ساعد الجدِّ، والْحَقْ بمن سبقك، فما زالت الفرصة سانحةً؛ لكيلا تبقى خارج التصنيف.


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook