خصائص منهج الدعوة

الكاتب: المدير -
خصائص منهج الدعوة
"خصائص منهج الدعوة




يتميَّز منهج الدعوة من خلال ما سبق بيانُه في المقالات السابقة من سورة الأنفال بما يلي:

1- الفطرية:

لأن هذا المنهج مستمدٌّ من كتاب الله عز وجل، وسُنةِ النبي صلى الله عليه وسلم، واللهُ عز وجل الذي أنزل القرآن هو خالق الإنسان، ويعلم تكوينه وخصائصه، وما جُبل عليه من نزعات الخير والشر، أو الفجور والتقوى، قال تعالى: ? وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ? [الشمس: 7، 8]، كذلك هو سبحانه خالقُ هذه الدنيا، وقد أُقيمت على صراع بين الخير والشر، أو بين الحقِّ والباطل، ودوافعُ الناس ورغباتهم تتعارض أو تتصادم، وتتفق وتختلف، كما أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وحدَه، بل لا بد من الاجتماع البشري؛ ولهذا قيل: إن الإنسان اجتماعيٌّ بفطرته، ويحتاج دائمًا إلى التعامل مع الآخرين لتلبية حاجاته من مأكل ومشرب، وملبس ومسكن، كما يحتاج إلى الحماية.

 

يقول ابن خلدون: (وكذلك يحتاج كلُّ واحد منهم في الدفاع عن نفسِه إلى الاستعانة بأبناء جنسه؛ لأن الله سبحانه لما ركَّب الطباع في الحيوانات كلِّها، وقسم القدر بينها، جعل حظوظ كثيرٍ من الحيوانات العجم من القدرة أكملَ من حظ الإنسان، فقدرة الفرس مثلًا أعظم بكثير من قدرة الإنسان، وكذا قدرة الحمار والثور، ولما كان العدوان طبيعيًّا في الحيوان، جعل لكل منها عضوًا يختص بمدافعتِه ما يصل إليه من عادية غيره، وجعل للإنسان عِوضًا من ذلك كله الفكرَ واليد، فاليد مهيَّأة للصنائع بخدمة الفكر، والصنائع تحصل له الآلات التي تنوبُ له عن الجوارح المُعدَّة في سائر الحيوانات للدفاع؛ مثل الرماح التي تنوب عن القرون الناطحة، والسيوفِ النائبة عن المخالب الجارحة، فالواحد مِن البشر لا تقاوم قدرتُه قدرةَ واحد من الحيوانات العجم، سيما المفترسة، فهو عاجز عن مدافعتها وحدَه بالجملة، ولا تفي قدرته أيضًا باستعمال الآلات المعدَّة للمدافعة لكثرتها وكثرة الصنائع، إذًا فهذا الاجتماع ضروريٌّ للنوع الإنساني) [1].

 

والله عز وجل لم يتركِ الناس هملًا، بل أرسل إليهم الرسلَ، وأنزل إليهم الكتب، لِما فيه صلاحهم، وأمَرهم بالعدل والإحسان، وحذَّرهم من الظلم والإساءة، وشرع لهم من الدين ما يُلبِّي حاجاتِهم، ولم يكبت رغباتهم، لكن جعل لها إطارًا ونظامًا يضمن التوازن وعدم الجور، قال تعالى: ? الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ * وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ? [الرحمن: 1- 10]، وقال تعالى: ? وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ? [الأنعام: 115].

ولقد كان تشريع القتال متفقًا ومنسجمًا مع فطرة الناس التي فطرهم الله عليها، فالشرُّ قديم قِدَمَ الخير، والقتل جريمةٌ قديمة قدم البشرية الأولى، قال تعالى: ? وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ? [المائدة: 27].

ويقول ابن خلدون: (اعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تَزَل واقعةً في الخليقة منذ برَأَها الله، وأصلُها إرادة انتقام بعض البشر من بعض، ويتعصب لكل منها أهلُ عصبيته، فإذا تزامروا لذلك وتوافَقَت الطائفتان إحداهما تطلب الانتقام والأخرى تدافع- كانت الحرب، وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمَّةٌ ولا جيل) [2].

وما مِن تشريع شرعه الله عز وجل، ولا أمر ولا نهي، إلا ويتفق مع فطرة الإنسان الذي خلَقه الله تعالى من جسد وروح، فكان التشريع ملبيًا لمطالب الجسد والروح؛ ولهذا جاء الدين منظمًا لعلاقة الإنسان مع غيره من البشر، ولعَلاقته بالله عز وجل خالقه، ومن هنا كان الأمر الإلهيُّ بإقامة الدين والالتزام بمنهجه الفطري، قال تعالى: ? فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ? [الروم: 30].

 

2- التنويع:

ذلك لأن الدعوة الإسلامية قد مرَّت بمراحلَ مختلفة، فكانت المرحلة الأولى هي مرحلة النشر والتبليغ (وقد سبقها مرحلة الإسرار والكتمان)، وكانت المرحلة الثانية هي البِناء والتكوين، ثم مرحلة المواجهة ثم التمكين، ولا شك أن لكل مرحلة أساليبَها ووسائلها وأهدافها التي تتَّفِق مع ظروف المرحلة، فلقد بدأت الدعوة سرًّا، ثم جهَر صلى الله عليه وسلم بالدعوة، فعاداه قومُه، وعذَّبوا أصحابه، وكان لا بد من الصبر وضبط النفس، وكان في ذلك حكمة، وهي حِفظ وصيانة الدعوة وأفرادِها وهي ما زالت في مهدها، ثم لما هاجر المسلمون وصار لهم دولة ومنَعة، أذِن لهم بالدفاع عن أنفسهم وردِّ العدوان، وذلك أيضًا من الحكمة؛ لأن مِن معاني الحكمة اختيارَ المنهج الأنسب للمرحلة التي تمر بها الدعوة، واختيارَ المنهج الأنسب حسب حال المدعوين.

كذلك فإن أهداف المنهج تتحدَّد حسب ظروف المرحلة وحال المدعوين، ففي أوائل العهد المكي كان الهدف هو إرساءَ قواعد التوحيد والتربية الإيمانية، ثم التربية على ضبط النفس وترويضها لقَبول التشريعات، ثم نزلت التشريعات في المدينة المنورة بعدما ترسَّخ الإيمان في قلوب المهاجرين والأنصار، وتهيؤوا لقَبول الأحكام والتكاليف، ومنها تشريع القتال بعدما كان محظورًا عليهم.

 

3- الاختيار الحر وعدم الإكراه:

وبالنظر إلى خطِّ سير الدعوة تبيَّن أن المنهج يقوم على الاختيار الحر، ولا يُكرَه أحدٌ على فعل أو قول أو اعتقاد؛ ولهذا لما اختار المسلمون في مكة أن يدخلوا في هذا الدين تحمَّلوا في سبيله ألوانَ العذاب، وقدَّموا التضحيات من تِلقاء أنفسهم بصبرٍ ورضًا، وأن مَن هاجر منهم فرارًا بدينه، كان ذلك دليلًا آخر على قناعتهم بعقيدتهم، وحينما عرَض النبي صلى الله عليه وسلم الدعوةَ على الأنصار في مواسم الحج، اختاروا العقيدة بحرية واقتناع، ثم بايَعوه على النصرة (البيعة الثانية).

إن منهج الدعوة إلى الله تعالى يقوم على تحقيق قاعدة: ? لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ? [البقرة: 256]؛ أي: إنه بعد عرض الدعوة، فإن كل إنسان حرٌّ في اختيار ما يشاء، لكن مهمَّة الدعاة وهدف الدعوة بيانُ الرشد من الغي، أو الحقِّ من الضلال؛ ولهذا كان الهدف من غزوة بدر هو إحقاقَ الحق وإبطال الباطل؛ ? لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ? [الأنفال: 8]؛ لأن المجرمين أرادوا إبطال الحق بالقوة والغطرسة، ومِن هنا كان لا بد من مواجهة القوة بالقوة؛ ولهذا فإن غزوة بدر أرسَتْ قاعدة جديدة، ورسمت منهجًا جديدًا للدعوة، وأقرَّت القتال للدفاع عن الدعوة وتأديب المعتدين.

 

4- التوازن:

ذلك لأن عقيدة الإسلام تقوم على الإيمان بعالَم الغيب وعالم الشهادة، والإيمانُ بالغيب له أثرٌ بالغ في حياة المؤمن، والإيمان بالغيب أحد أركان الإيمان، وصفةٌ من صفات المؤمنين المتَّقين، فالمؤمن في هذه الدنيا يجاهد ويكابد، ويجد في ذلك لذَّته وسعادته؛ لأنه يجاهد ويكابد من أجل عقيدته، وهو ينتظر ثواب الله في الآخرة، وهو أيضًا حينما يجاهد فإنه يتمنَّى الشهادة في سبيل الله عز وجل ويطمع في دخول الجنة.

ومن ناحية أخرى، فإن منهج الإسلام يراعي متطلباتِ النفس البشرية، كما يراعي أحوال المدعوين، وحينما يشرع فلا يكلِّف إلا ما يُطيقه الناس، وهو في ذلك يراعي فطرة الإنسان وتكوينه، وأنه حفنة من تراب، ونفخةٌ من روح الله عز وجل؛ ولهذا فإن منهج الإسلام يصلحُ لكل وقت وزمان، وهو يفوق مناهج البشر التي ينقصها التوازنُ والعدل؛ لذا فهي متغيرة، فضلًا عن أنها فاشلة.

 

5- العملية (الواقعية): يقول الدكتور عبدالخالق إبراهيم إسماعيل:

(ومناهج الدعوة مناهجُ عملية تطبق في واقع حياة الناس، وليست مناهجَ نظرية لا تصلح للتنفيذ؛ ولذلك عندما جاء الإسلام لم يدعُ الناس إلى الكسل أو التواكل؛ وإنما دعاهم إلى الجِدِّ والعمل، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم كان يعمل بيده، فيَقُمُّ بيته، ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويجاهد في سبيل الله، ويحثُّ أصحابه على ذلك)[3].

 

خصائص تتعلق بالداعي: وهو أن يجعل منهجه موصلًا إلى تحقيق الأهداف المرجوَّة؛ وذلك بالأخذ بأسباب النصر وظهور الدين، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، بأن يسلك طريقًا واضحًا بيِّنًا، ويستخدم الأساليبَ المناسبة حسب ظروف المرحلة وحال المدعوين والأهداف المرجوَّة، وعلى سبيل المثال: فإنه في مرحلة التكوين والإعداد، يكون الهدف هو التربيةَ على الجهاد في سبيل الله، وحب الشهادة والتضحية في سبيل الدين، وفي مرحلة التمكين يُصبِح الجهاد وسيلةً لتحقيق هدف آخر، وهو هدف المرحلة، وهو إحقاق الحق وإبطال الباطل، وعليه أن يبدأ بعرض دعوته باللِّين، ويقدِّم الحجج والبراهين، خصوصًا ألوان الإعجاز، وإبراز الآيات الكونية والإنسانية للوصول إلى معرفة الله عز وجل وتحقيق العبودية له وحدَه سبحانه وتعالى.

 

خصائص تتعلق بالمدعوين: وهو أن يأخذوا بأسباب النصر، ويتجنَّبوا أسباب الهزيمة، ويحذَروا مخالفةَ أوامر الله عز وجل، وأن يستجيبوا لنداء الله؛ بالإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وبالرجوع إلى كتاب الله منهجًا ونظامًا لحياتهم، وأن يعلموا أن عزَّتهم وكرامتهم وصلاحَ حالهم إنما هو في اتباع منهج الإسلام.

 

خصائص تتعلق بالوسائل: وأهم هذه الوسائل الاستعانة بالله عز وجل، والاستغاثة به سبحانه عند الشدائد، وطلبُ المَدَد منه سبحانه، واليقين أنهم لا يُنصَرون بجهادهم وسعيهم؛ وإنما بتأييد الله عز وجل وعونه ومدده، وأن الله هو خالق الأسباب، وهو الموفِّق، وإليه سبحانه ترجع كلُّ الأمور.

 

سادسًا: ما يتعلق بالأساليب: يتضح مما سبق أن أسلوب القوة وجهاد المشركين هو الذي فرَض نفسه، ولجأ إليه المسلمون ولم يكن منه مفر؛ حيث إنهم قد فُرِض عليهم أن يواجِهوا المشركين وأن يُوقِفوا عدوانهم، وعلى هذا فإذا كان اللين والعفو والصفح هي الكلماتِ الأولى، فليست هي الكلمات الأخيرةَ، فهناك كلمات الله: ? وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ? [الأنفال: 7]، قال القرطبي: (بكلماته: أي بأمره إيَّاكم أن تُجاهِدوا)[4].




[1] مقدمة ابن خلدون، المكتبة التوفيقية، ص 44، وهو العلامة (ولي الدين أبو زيد عبدالرحمن بن محمد بن الحسين الحضرمي الإشبيلي الأصل، التونسي، ثم القاهري، المالكي)، ولد عام 732 بتونس، ومن مصنفاته: رحلته، وطبيعة العمران، وشفاء السائل لتهذيب المسائل، توفي بالقاهرة، ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر.

[2] مقدمة ابن خلدون، ص 295.

[3] مباحث في الدعوة، ص214.

[4] تفسير القرطبي، ج4، ص 2806.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook