خطبة: مفاتيح الفرج العشر

الكاتب: المدير -
خطبة: مفاتيح الفرج العشر
"خطبة مفاتيح الفرج العشر

 

الخطبة الأولى

أما بعد:

فالحياة الدنيا مليئة بالمحن والمتاعب والبلايا والشدائد والنكبات، إن صفت يومًا كدَّرت أيامًا، وإن أضحكت ساعة أبكت أيامًا، لا تدوم على حال، ? وَتِلْكَ الْأَيَّامُ ‌نُدَاوِلُهَا ‌بَيْنَ النَّاسِ ? [آل عمران: 140].

 

فقر وغنى، عافية وبلاء، صحة ومرض، عز وذل، فهذا مُصاب بالعلل والأسقام، وذاك مصاب بعقوق الأبناء، وهذا مصاب بسوء خلق زوجته وسوء عشرتها، وتلك مصابة بزوج سيئ الأخلاق، فظ الخلق، سيئ العشرة، وثالث مصاب بكساد تجارته وسوء صحبه الجيران، وهكذا إلى نهاية سلسلة الآلام التي لا تقف عند حد، ولا يحصيها عد.

 

ولا يزيل هذه الآلام، ويكشف هذه الكروب إلا الله علام الغيوب:

يَا صَاحب الهمِّ إنَّ الهمَّ منقطعٌ
أبشر بِذَاكَ فإنَّ الْكَافِي الله
الْيَأْس يقطع أَحْيَانًا بِصَاحِبِهِ
لَا تيأسنّ كَأَن قد فرّج الله
الله حَسبك ممّا عذت مِنْهُ بِهِ
وَأَيْنَ أمنع ممّن حَسبه الله
هنَّ البلايا، وَلَكِن حَسبنَا الله
والله حَسبك، فِي كلٍّ لَك الله
هوّن عَلَيْك، فإنَّ الصَّانِع الله
وَالْخَيْر أجمع فِيمَا يصنع الله
يَا نفس صبرا على مَا قدّر الله
وسلّمي تسلمي، فالحاكم الله
يَا ربّ مستصعب قد سهّل الله
وربَّ شرٍّ كثير قد وقى الله
إِذا بَكَيْت فثق بالله وَارْضَ بِهِ
إنّ الَّذِي يكْشف الْبلوى هُوَ الله
الْحَمد لله شكرا لَا شريك لَهُ
مَا أسْرع الْخَيْر جدًّا إِن يشا الله

 

أحباب الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم، حديثنا اليوم عن مفاتيح الفرج التي بها تكشف هموم وتقضى الديون وينصر المظلوم فهذه عشرة مفاتيح تفتح بها المغاليق فأعيروني القلوب والأسماع......

 

المفتاح الأول: تقوى الله تعالى: وتقوى الله أيها الكرام من اعظم المفاتيح التي لا يحول دونها حائل ولا يستعسر أمامها عسير قال الله تعالى قال -تعالى-: ? وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ? [الطلاق:2-3].

 

قال ابن كثير - رحمه الله -: أي: ومَن يتق الله فيما أمره به، وترك ما نهاه عنه يجعل له مِن أمره مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي مِن جهة لا تخطر بباله، وروى ابن أبي حاتم عن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: إن أجمع آية في القرآن: ? إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ? [النحل:90]، وإن أكبر آية في القرآن فرجًا: ? وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ?. وعن علي بن طلحة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ? يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ?، يقول: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة.

 

المفاتح الثاني: التوكل على الله تعالى:

فالذي يتوكل علي الله فهو يكفيه ويغنيه عن سؤال الناس عَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «‌لَوْ ‌أَنَّكُمْ ‌تَوَكَّلُونَ ‌عَلَى ‌اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»[1]

 

وقد أخبر الله - عز وجل - كيف كان التوكل سببًا للنجاة من الشدائد، كما قال -تعالى-: ? الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّه ? [آل عمران:173-174].

 

وقال عن مؤمن آل فرعون: ? وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ. فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ? [غافر:44-45].

 

المفتاح الثالث: الإكثار من الاستغفار: أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن مفاتيح الفرج أن تكثر من الاستغفار للعزيز الغفار فلأن البلاء لا ينزل إلا بذنبٍ، وعلاج الذنوب الاستغفار، قال بعض السلف: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم فالاستغفار؛ لذلك قوله -عز وجل-: ? فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ? [نوح: 11-12].

 

قال ابن عبد الهادي رحمه الله في العقود الدرية: سمِعتُ شيخ الإسلام في مبادئ أمرِه يقول: إنه ليقفُ خاطري في المسألة والشيءِ أو الحالة التي تُشكِل عليَّ؛ فأستغفِرُ الله تعالى ألفَ مرَّةً أو أكثر أو أقل، حتى ينشرح الصدر، وينحلَّ إشكال ما أُشكِل، قال: وأكون إذ ذاك في السوق، أو المسجد، أو الدرب، أو المدرسة، لا يمنعني ذلك مِن الذكر والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي.

 

يروى عن لقمان عليه السلام أنه قال لابنه: يا بني، عوِّد لسانك: اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا يردُ فيها سائلًا.

 

قال الحسن – رضى الله عنه -: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقاتكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم، فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة ? يَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ? [نوح:10-12].

 

قال ابن صبيح: شكا رجل إلى الحسن البصري الجدب (قلة المطر)، فقال له: استغفر الله، وشكا آخر إليه الفقر، فقال له: استغفر الله، وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولدًا، فقال له: استغفر الله، وشكا إليه آخر جفاف بستانه، فقال له: استغفر الله، فقلنا له في ذلك؟ فقال: ما قلت من عندي شيئًا، إن الله تعالى يقول في سورة نوح: ? اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ? [نوح:10، 11] [2].

 

المفتاح الرابع: الإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إخوة الإسلام ومن مفاتيح الفرج أن تكثر من الصلاة على رسول الله صل الله عليه وسلم عَنِ ‌الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللهَ اذْكُرُوا اللهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ» تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ. قَالَ أُبَيٌّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي، فَقَالَ: مَا شِئْتَ قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قُلْتُ: ‌أَجْعَلُ ‌لَكَ ‌صَلَاتِي كُلَّهَا، قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرَ لَكَ ذَنْبُكَ [3].

 

المفتاح الخامس: التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة:

أخي المسلم، ومما ينجيك عند الشدائد أن تتوسل إليه بصالح عملك، وأن تكون لك خبيئة عمل تستخرجها وتتوسل بها عند الشدة والضيق قد قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ ‌أَنْ ‌يَكُونَ ‌لَهُ ‌خَبْءٌ ‌مِنْ ‌عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ» [4].

 

والخبيئة من العمل الصالح هو العمل الصالح المختبئ يعني المختفي، والزبير رضي الله عنه هنا ينبهنا إلى أمر نغفل عنه وهو المعادلة بين الأفعال رجاء المغفرة؛ فلكل إنسان عمل سيئ يفعله في السر، فأولى له أن يكون له عمل صالح يفعله في السر أيضًا لعله أن يغفر له الآخر.

 

ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(بَيْنَمَا ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَمْشُونَ إِذْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فَانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا هَؤُلاءِ لا يُنْجِيكُمْ إِلا الصِّدْقُ فَليَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَجِيرٌ عَمِلَ لِي عَلَى فَرَقٍ مِنْ أَرُزٍّ فَذَهَبَ وَتَرَكَهُ وَأَنِّي عَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الْفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ فَصَارَ مِنْ أَمْرِهِ أَنِّي اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَأَنَّهُ أَتَانِي يَطْلُبُ أَجْرَهُ فَقُلْتُ لَهُ اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ فَسُقْهَا فَقَالَ لِي إِنَّمَا لِي عِنْدَكَ فَرَقٌ مِنْ أَرُزٍّ فَقُلْتُ لَهُ اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ فَإِنَّهَا مِنْ ذَلِكَ الْفَرَقِ فَسَاقَهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا فَانْسَاحَتْ عَنْهُمْ الصَّخْرَةُ فَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ فَكُنْتُ آتِيهِمَا كُلَّ لَيْلَةٍ بِلَبَنِ غَنَمٍ لِي فَأَبْطَأْتُ عَلَيْهِمَا لَيْلَةً فَجِئْتُ وَقَدْ رَقَدَا وَأَهْلِي وَعِيَالِي يَتَضَاغَوْنَ مِنْ الْجُوعِ فَكُنْتُ لا أَسْقِيهِمْ حَتَّى يَشْرَبَ أَبَوَايَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَهُمَا فَيَسْتَكِنَّا لِشَرْبَتِهِمَا فَلَمْ أَزَلْ أَنْتَظِرُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا فَانْسَاحَتْ عَنْهُمْ الصَّخْرَةُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي ابْنَةُ عَمٍّ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَأَنِّي رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ إِلا أَنْ آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَطَلَبْتُهَا حَتَّى قَدَرْتُ فَأَتَيْتُهَا بِهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهَا فَأَمْكَنَتْنِي مِنْ نَفْسِهَا فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا فَقَالَتْ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلا بِحَقِّهِ فَقُمْتُ وَتَرَكْتُ الْمِائَةَ دِينَارٍ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا) [5].

 

المفتاح السادس: التعرف على الله في الرخاء:

اعلموا عباد الله أن من سنن الله تعالى الجارية أن من تعرف عليه سبحانه في الرخاء عرفه الله تعالى وقت الشدة كما اخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: رَدَفْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَأَخْلَفَ بِيَدِهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَقَالَ: يَا غُلَامُ، أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ، ‌احْفَظِ ‌اللَّهَ ‌يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، جَفَّتِ الْأَقْلَامُ، وَرُفِعَتِ الصُّحُفُ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ جَهِدَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ جَهِدَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كُتِبَ عَلَيْكَ[6].

 

روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْكُرَبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ» [7].

 

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: ادع الله يوم سرائك، يستجب لك يوم ضرائك) -إي وربي- (من تعرف على الله في الرخاء تعرف الله عليه في الشدة).

 

إذا ضاقت عليك الضوائق وأتت عليك المصائب، وكنت في الرخاء تذكر الله وتقوم بحدود الله، ينجيك الله، ويجعل لك مخرجًا.

 

فاشدُد يديك بحبل الله معتصمًا فإنه الركن إن خانتك أركان:

قال بعض السلف: تعرفوا إلى الله عز وجل في الرخاء يعرفكم في الشدة، فإن يونس عليه السلام كان ذاكرًا لله عز وجل عارفًا بالله عز وجل في الرخاء، فلما وقع في بطن الحوت نجاه الله، قال الله عز وجل: ? فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ? [الصافات:143 - 144].

 

ولما كان فرعون كافرًا جاحدًا ناسيًا لذكر الله عز وجل لما وقع في البحر: ? قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ ? [يونس:90] قال عز وجل: ? آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ? [يونس:91 - 92]، فكلاهما ذكرَا الله عز وجل في الشدة وأعلن إيمانه في الشدة، ولكن يونس عليه السلام كان من أنبياء الله عز وجل فكان من المدحضين، ولما وصل إلى ظلمة بطن الحوت دعا الله عز وجل: ? فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ? [الصافات:143 - 144] أي: لصار بطن الحوت قبرًا له.

 

أما فرعون فكان جاحدًا ناسيًا ذكر الله عز وجل مستكبرًا على طاعة الله عز وجل، أعلن إيمانه وهو يعاني الغرق فلم يقبل الله عز وجل منه، بل جعله الله عز وجل عبرة للمعتبرين، فقال: ? فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ? [يونس:92].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من البينات والحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه.

 

أما بعد: فيا أيها المسلمون، المفتاح السابع: من يسر على معسر يفرج الله تعالى عنه كربه إذا نزل به ويسر عليه أمره:

وتلك من سنن الجزاء من جنس العمل فمن يسر يسَّر الله عليه ومن عسر عسَّر الله عليه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ نَفَّسَ ‌عَنْ ‌مُؤْمِنٍ ‌كُرْبَةً ‌مِنْ ‌كُرَبِ ‌الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى (1) مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ [8]؛ رواه مسلم.

 

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ‌مَنْ ‌يَكُنْ ‌فِي ‌حَاجَةِ ‌أَخِيهِ يَكُنِ اللَّهُ في حاجته[9].

 

فعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ، فَقَالَ: آللهِ؟ قَالَ: آللهِ؟ قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ)[10].

 

يا أيها التاجر، ويا أيها الثري، ويا أيها الغني، ويا صاحب المال، الله الله بالناس، الله الله بالمعسر، هل أنت في غنى عن فضل الله عز وجل؟ هل أنت في غنى عن النجاة من كربات يوم القيامة؟

 

تذكَّر أنك بإنظارك للمعسر قد ضمِنت التيسير لأمورك في الدنيا والآخرة، وأنك في ظل عرش الرحمن يوم القيامة قال أَبُو الْيَسَرِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ ‌وَضَعَ ‌عَنْهُ، ‌أَظَلَّهُ ‌اللهُ ‌فِي ‌ظِلِّهِ -قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ -يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ [11].

 

المفاتح الثامن: ادع الله الدعاء مضطرين:

قال الله -تعالى-: ? أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ? [النمل:62].

 

قال القاسمي -رحمه الله-: ? أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ?، وهو الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر، إلى اللجأ والتضرع إلى الله تعالى.

 

وقال ابن كثير -رحمه الله-: ينبِّه تعالى أنه المدعو عند الشدائد، الموجود عند النوازل، كما قال: ? وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ? [الإسراء:67]، وقال تعالى: ? ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ? [النحل:53]، وهكذا قال ههنا: ? أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ?، أي: مَن هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه.

 

عن أنس رضي الله عنه قال: كان رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار يكنى أبا معلق، وكان تاجرًا يتجر بمال له ولغيره يضرب به الآفاق، وكان ناسكًا ورعًا فخرج مرة فلقيه لص مقنع بسلاح فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك، قال: ما تريد إلى دمي؟ شأنك بالمال، قال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك، قال: أما إذا أبيت، فذرني أصلي أربع ركعات قال: صلَّ ما بدا لك، فتوضأ، ثم صلى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود يا ذا العرش المجيد يا فعَّال لما يريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وملكك الذي يُضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك، أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني، يا مغيث أغثني، قال دعا: بها ثلاث مرات، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة واضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه، فطعنه، فقتله ثم أقبل إليه، فقال: قم قال من أنت؟ بأبي أنت وأمي؛ فقد أغاثني الله بك اليوم، قال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوت بدعائك الأول، فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل لي: دعاء مكروب فسألت الله أن يوليني قتله.

 

قال أنس: فاعلم أنه من توضأ، وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء، استجيب له مكروبًا كان، أو غير مكروب [12].

 

المفتاح التاسع: إقامة الصلاة:

أحبيتي في الله: إن للصلاة تأثير عجيب في علاج الهموم والغموم وتفريج الكرب، ولذلك فقد أمر الله تعالى بالاستعانة بها في كل الأمور فقال تعالى: ? اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ? [البقرة: 153].

 

وقال تعالى: ? وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ? [الحجر: 97 - 99].

 

قَالَ حُذَيْفَةُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‌إِذَا ‌حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى [13].

 

عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا ‌بِلَالُ، ‌أَرِحْنَا ‌بِالصَّلَاةِ[14].

 

المفتاح العاشر: الصبر مفتاح الفرج:

ومن اعظم مفاتيح الفرج مفتاح الصبر قال صلى الله عليه وسلم: « وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسرًا» [15].

 

وقد قال سبحانه وتعالى: ? قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ? [الزمر: 10].

 

قال بعض السلف: (لو أنَّ العسر دخل في جُحرٍ؛ لجاءَ اليُسرُ حتى يدخلَ معه)، ليس بعده، لا بل يدخل معه، فأبشروا يا عباد الله! أنتم في عسر بل أنتم في يسر، اليسر أقرب إلينا من حبل الوريد، ألم تسمعوا إلى قول الله، عز وجل: ? فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ? [الشرح: 6].

 

من قصص الأنبياء والرسل مع الصبر كثيرة أذكر منها:

1- صبر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على أذى الكفار وبطشهم حتى جاء وعد الله بالحق.

 

2- وأيوب الذي تحمل مصاعب كثيرة ولم يشك أبدًا، إلى أن وصل إلى بر الأمان وعوَّضه الله بالخير.

 

3- قصة نوح عليه السلام وما حدث له مع قومه ومع ابنه؛ قال تعالى: ? ‌تِلْكَ ‌مِنْ ‌أَنْبَاءِ ‌الْغَيْبِ ‌نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ? [هود: 49])).

 

الدعاء.............................




[1] صحيح؛ أخرجه أحمد (205)، والترمذي (2344)، والنسائي (11805)، وابن ماجه (4164)، وابن حبان (730)، والحاكم (7894).

[2](تفسير القرطبي، جـ18، صـ 302)، (فتح الباري، للعسقلاني، جـ11، صـ98).

[3]أخرجه الترمذي في السنن 4/ 636 - 637، كتاب صفة القيامة (38)، باب (23)، الحديث (2457)، وقال: (هذا حديث حسن صحيح) صَحِيح الْجَامِع: 7863، الصَّحِيحَة: 954، صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 1670

[4] أخرجه الخطيب في التاريخ (11/ 263)، والضياء في الأحاديث المختارة (1/ 296)، مسند الشهاب: ج 1/ص 267 ح 434؛ انظر: صَحِيح الْجَامِع: 6018، الصَّحِيحَة: 2313.

[5] رواه البخاري ـ كتاب أحاديث الأنبياء ـ باب حديث الغار(3206)، مسلم ـ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ـ باب استحباب خفض الصوت بالذكر(4926).

[6] واه أحمد في المسند رقم (2669) و(2763) و(2804)، وهو حديث صحيح.

[7] سنن الترمذي برقم (3382) وقال: هذا حديث غريب وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (6290).

[8] «مسند أحمد» (12/ 393 ط الرسالة) «ومسلم (2699)، وأبو داود (1455)».

[9] أخرجه ابن عدي في «الكامل» (6/ 455)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في «قضاء الحوائج» (47)، وفي «اصطناع المعروف» (104) صحيح الجامع (6495).

[10] رواه مسلم، كتاب المساقاة، بَابُ فَضْلِ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ، برقم (1563)، والبيهقي في السنن الكبرى، برقم (11293).

[11] أخرجه مسلم (3006)

[12] الحافظ أبي الدنيا، مجابو الدعوة؛ تحقيق محمد عبد القادر عطاء، ص64-65.

[13] «مسند أحمد» (38/ 331 ط الرسالة):«أخرجه أبو داود (1319)، والطبري في تفسيره 1/260» صحيح أبي داود 1192.

[14] المسند 5/ 364، وأخرجه أبو داود 4/ 296 (4985).

[15] واه أحمد في المسند رقم (2669) و(2763) و(2804)، وهو حديث صحيح.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook