خطر الحقد والبغض على الدعوة الإسلامية

الكاتب: المدير -
خطر الحقد والبغض على الدعوة الإسلامية
"خطر الحقد والبغض على الدعوة الإسلامية

 

وهو العدواة الدفينة والكراهية التي يصاحبها رغبة بالانتقام من الشخص المكروه، قد تصل هذه الرغبة إلى حد إفنائه وإلغائه من الوجود[1].

 

وهو من العقبات النفسية الصادة عن تقبل دعوة الداعي، أو نصحه أو توجيهه، وقد يكون هذا الحقد والكراهية لسبب من الأسباب الشخصية أو القومية أو الدينية، أو غير ذلك، مما يولد العداوة بين الناس[2].

 

والبغض من الإنسان يثمر حب العنت والمشقة والضرر لمن يبغضه، ويتمنى وقوعه في المصائب والضلالات، ولشدة بغضه لا يملك نفسه ولا يقدر أن يحفظ لسانه فتظهر إمارات العداوة للمبغوض من فلتات لسانه وفحوى كلامه،[3] كما قال تعالى: ? قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ? [4].

 

وقد بين الله عظيم حقدهم وحسدهم لو ظهروا على المؤمنين[5]، فقال تعالى ? كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ? [6]، قال الإمام الطبري رحمه الله: تبين الآية حالهم بعد معاهدتهم لكم-أي المسلمين- بأنهم يعطونكم بألسنتهم من القول خلاف ما يضمرونه لكم في أنفسهم من العداوة والبغضاء، وتأبى عليهم قلوبهم أن يذعنوا لكم بتصديق ما يبدونه لكم بألسنتهم [7].

 

كما قال تعالى ? إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ? [8]، وذلك فيما يتعلق بحادثة حاطب رضي الله عنه.

 

وقد تشبعت صدور زعماء قريش بالعداء والبغض للمسلمين، لأسباب عديدة، كالحسد والكبر، وهذا العداء من الأسباب التي جعلتهم يصمون آذانهم عن الحق، مهما كان دامغا، وهو الذي كان يحدوهم في نشاطهم العظيم في الصد والمناوأة[9].

 

وقد قال تعالى مسليا رسوله صلى الله عليه وسلم، ومخبرا أن هؤلاء الخلق لهم سلف صنعوا كصنيعهم ? وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ?[10]، أي (الذين لا يصلحون للخير، ولا يزكون عليه، يعارضونهم، ويردون عليهم، ويجادلونهم بالباطل)[11]، فوجود الفريق الطاهر يُشعر الفريق الكافر الدنس بخبث طويته، وقبيح فعله، ومن هنا يبين كيد أعداء الله لأوليائه، والتربص لهم بكل ما يسوء[12].

 

وقد بدت هذه البغضاء، لما انهزم المسلمون في حنين، فتكلم رجال من أهل مكة -وذلك قبل صفو نفوسهم أو قبل إسلامهم- بما في نفوسهم من الضغن والحقد، فقال أبو سفيان: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وقال كَلَدة بن الحنبلي: الآن بطل السحر، وقال شيبة: اليوم أدرك ثأري من محمد، وحاول قتله فحيل بينه وبين ذلك[13].

 

ومما يدل على حقد المشركين وبغضهم لنبي الله صلى الله عليه وسلم قبل إسلامهم، قول هند بنت عتبة رضي الله عنها: (يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خباءك)[14].

 

وبعد فهذه الأسباب تمثل في الغالب أسباب الصدود عن الحق، في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وتمثلها في أيامنا هذه، وتمثلها غدا، فهي ذاتها في كل زمان، وفي كل مكان، عندما يخبو صوت الحق، ويرتفع صوت الباطل، ولكن تتغير ظواهرها من مجتمع لآخر، فأصحاب المكانة والرياسة-الملأ- هم أول من يحارب دعوات الإصلاح، محافظة على مصالحهم ومراكزهم وأموالهم.

 

وتعلق الناس بزينة الدنيا، وحرصهم على العبّ منها، والتمتع بأكبر قدر من لذائذها، ظاهر لكل ذي عينين.

 

والتمسك بالعادات والتقاليد، واتباع خطى الآباء والأجداد، يترجمه استنكار الناس لكل من حاول تخليصهم من هذه القيود البالية وإرجاعهم إلى طريق الحق.

 

وانتشار المظاهر الحضارية، والتطور زاد من كبرياء وتجبر أصحاب النفوس المريض.

 

والجهل بأمور الدين مسيطر على عقول المسلمين، والشبهات قد شوشت على غيرهم، لصدهم عن دين الحق، وتشويه صورة الإسلام في أعينهم.

 

أينما نظر المسلم وجد تكرارا لنفس الأسباب الصادة عن سبيل الله، فهي نفسيات ومفاهيم متكررة، بأحوال وأوضاع متجددة.




[1] بتصرف، الأخلاق الإسلامية وأسسها 1 /785.

[2] بتصرف، غزو في الصميم، دراسة واعية للغزو الفكري والنفسي والخلقي والسلوكي: عبدالرحمن حسن حبنكة الميداني ص 143، دار القلم، دمشق- بيروت، ط:1، 1402هـ 1982م.

[3] بتصرف، روح المعاني 4 /38، وتفسير القرآن العظيم 2 /89.

[4] سورة آل عمران جزء من آية 118.

[5] انظر الولاء والبراء: محمد القحطاني ص 125.

[6] سورة التوبة آية 8.

[7] بتصرف، جامع البيان في تأويل آي القرآن 10 /85.

[8] سورة الممتحنة آية 2.

[9] بتصرف، سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم صور مقتبسة من القرآن الكريم 1 /205.

[10] سورة الفرقان آية 31.

[11] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 5 /476، وتتمة كلامه: (ومن بعض فوائد ذلك أن يعلو الحق على الباطل، وأن يتبين الحق، ويتضح اتضاحاً عظيماً، لأن معارضة الباطل للحق، مما تزيده وضوحا وبيانا وكمال استدلال).

[12] بتصرف، الولاء والبراء في الإسلام ص 125.

[13] بتصرف، الكامل في التاريخ 2/ 178- 179.

[14] سبق تخريجه ص 210، ومثل ذلك قول ثمامة بن أثال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلى من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي) صحيح البخاري كتاب المغازي باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال 5 /118، وصحيح مسلم كتاب الجهاد والسير باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه 3 /1386 ح 1764.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook