خطوات في طريق الدعوة الفردية

الكاتب: المدير -
خطوات في طريق الدعوة الفردية
"خطوات في طريق الدعوة الفردية

 

مقدمة بين يدي هذا الموضوع:

إن المرحلية في الدعوة والتدرج في عرضها، والحرص على هداية الناس وتعبيدهم لرب العالمين من الأمور التي راعتها النصوص الشرعية في تأديبنا بأدب الدعوة، وفي هذا يقول الله تعالى: ? ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ? [سورة النحل: 125]، وقد تمثل هذا التدرج واختيار الأسلوب الأنسب للمدعو في هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أصبح مسألة ظاهرة المعالم واضحة الأبعاد، قد أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذًا - رضي الله عنه - لليمن وجهه أن يراعي هذه المرحلية في طرح موضوعات الدعوة؛ قال له عليه الصلاة والسلام: إنك تقدم على قوم أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم؛ فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوقَ كرائم أموال الناس، متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهكذا لما أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - عليًا - رضي الله عنه - ليهود خيبر سأله علي - رضي الله عنه -: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال له: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم، متفق عليه من حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه -.

 

ومن هنا تأكد علينا أن نراعي مرحلية دعوة الآخرين إلى الله؛ وخصوصًا في حق من أعرض عن طاعة الله زمانـًا، وانغمس في معاصي الله حقبًا، ومن ذلك أن نراعي ما يلي:

‌أ- موضوعات الدعوة التي تطرح على المدعو؛ فيبدأ بالأهم فالأهم.

‌ب- طريقة عرض الدعوة؛ فيأخذ الأسلوب الأقرب فالأقرب.

‌ج- عتاب المقصر ومحاسبته على أخطائه؛ فتعالج خطأً خطأً؛ الأكبر فما دونه.

 

وكل هذا يدعونا إلى وقفات تأمل في خطاب القرآن والسنة في الدعوة المرحلية، وهي هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في التعامل مع التائبين، وموقف علمائنا رحمهم الله من بعض القضايا التي قد يحتاج إليها في هذا الباب، لذا كانت هذه الكتابة على عجل في فصلين:

الفصل الأول: في خطوات في طريق هداية الآخرين.

الفصل الثاني: في هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في التعامل مع التائبين.

 

والله اسأل أن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يهدينا سبل السلام، ويأخذ بأيدينا إلى أحسن الأخلاق والأعمال، ويصرف عنا سيء الأخلاق والأعمال، ? رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ?، [سورة الفرقان: 74]، والله تعالى أعلى وأعلم.

 

خطوات في طريق الدعوة الفردية:

الدعوة إلى الله تعالى منهج متأصل من نصوص الكتاب والسنة وقواعد السلف رحمهم الله تعالى، وهي في نفس الوقت عبادة يجد الداعية حلاوتها في قلبه وأثرها فيمن حوله، يقول الحسن البصري رحمه الله: هو المؤمن أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته؛ فهذا حبيب الله، هذا ولي الله، قال ابن القيم تعليقًا كما في مفتاح دار السعادة 1 / 153: فمقام الدعوة إلى الله أفضل مقامات العبد.

 

وفي عرضنا هذا سنبدأ من أول مراحل عرض الدعوة على المدعو، وهي مرحلة التعرف عليه، ثم تألفه والتحبب إليه، ثم ترغيبه في الخير، ثم السعي في تغيير معاصيه وعاداته السيئة، ثم السعي في تثبيته على الخير والاستقامة، ثم متابعته المستمرة، وإن كان الداعية قد لا يحتاج دائمًا لهذه المراحل؛ فقد تكون له المعرفة الجيدة بالمدعو وقد تكون بينهما علاقة حسنة؛ فيتجاوز مرحلة أو مرحلتين.

 

المرحلة الأولى: مرحلة التعرف على المدعو:

أول ما يحتاجه الداعية أن يتعرف على المدعو؛ فيعرف اسمه ونسبه، ويعرف حالته الاقتصادية والاجتماعية، ويعرف شيئًا من ماضيه، ويتعرف على نفسيته وعلى أصحابه، كما يتعرف على أسباب وقوعه في المعصية.

 

وهذا ما يعرف في علوم المهارات بمهارة البدء بالاتصال مع الناس، ومن الوسائل المعينة على ذلك:

• أن يتعرف عليه من طريق صاحب له؛ فيُعرف به ويعرفه بأحواله.

• أن يتعرف عليه من خلال عقد بعض المسابقات أو اللقاءات الشبابية، ثم يتواصل معه في مثلها، ويتعرف عليه من خلالها.

• أن يتعرف عليه من خلال زيارته في بيته أو في عمله أو في سجنه، ويخبره أنه جاء للتعرف عليه.

• أن يتعرف عليه من خلال دعوته لحضور مجلس دعوي أو حلقة علمية، ثم يبدأ في سؤال من حوله عنه.

• أن يبدأ العلاقة معه من خلال طلب مساعدته في أمر يجيده من أمور المسجد أو الدعوة أو الأمور الشخصية، ثم يتواصل معه من خلاله.

• أن تكون المعرفة بينهما مسبقة؛ فيسعى لتجديدها وتذكيره بها وبتقلبات الزمان بأصحابهم القدامى، ثم الدخول إلى أحواله.

ومن خلال تعرفه بالمدعوين يختار الأنسب من بينهم لكي يقوم بتركيز الدعوة عليه.

 

ويراعي في ذلك أمور:

الأول: صفات المدعو وأثره في الخير بعد ذلك؛ كأن يكون ممن يتوقع أن ينصر الدين بنفسه أو ماله أو رأيه أو وجاهته عند أهله وأصحابه، وفي المتفق عليه عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة، بل يروي لنا أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:تجدون الناس معادن؛ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خيار الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهة قبل أن يقع فيه، وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، رواه البخاري ومسلم.

 

الثاني: صلة المدعو بالداعية؛ كأن يكون قريبًا له أو جارًا، وبه ينبغي أن يبدأ لقوله تعالى:? وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ? [سورة الشعراء: 214].

 

الثالث: حاجة المدعو وقربه من الخير، وقد عاتب الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - لما أعرض عن دعوة الأعمى وأقبل على دعوة عظماء قريش؛ كما في أول سورة عبس.

 

المرحلة الثانية: تألف المدعو وإيجاد علاقة المحبة بينه وبين الطيبين:

وفي هذه المرحلة يسعى الداعية لتقوية العلاقة بينه وبين المدعو؛ ليكون أقرب إلى قلبه، وأحب إلى نفسه من سائر رفقائه السيئين؛ حتى يسهل بعد ذلك أن يصارحه بهمومه وأحواله، وأن يقتنع بتوجيهاته ونصائحه، وأن يصدق في اجتهاده لتغيير حاله، فالمحب الصادق مطيع لمن أحبه ووده، وهذه المرحلة تعرف عند ذوي المهارات بمهارة كسب الناس والتأثير فيهم، وعليه أن يحرص عليها ولا يستعجل في تخطيها؛ حتى تتمكن العلاقة مع المدعو بالشكل اللازم للتصحيح، ومن وسائل ذلك:

• مخالطة المدعو بزيارته، ودعوته إلى بيت الداعية وفي مناسباته، والسفر والرحلة معه، ويحرص على تنويع مجالسه وأحاديثه حتى لا يمله ويضجره، وقد كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - يخالط الصحابة رضي الله عنهم ويسعى في إدخال البشر والسرور إليهم، قال أنس بن مالك: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير ما فعل النغير، متفق عليه.

 

• أن يتعامل معه بكريم الأخلاق وجميل الآداب؛ فيحرص في التعامل معه أن يتحلى بأدب الإسلام في كل موضع؛ فيخالقه بآداب المجالس، وآداب الحديث، وآداب الزيارة، ويتعامل معه بأخلاق الأخوة الإسلامية، ويحرص على إظهار الاحتفاء به وخصوصية إكرامه بدون أن يحرجه، يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ثلاث تثبت لك الود في قلب أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه، ومنها أيضًا التصريح له بأنه ما يتخلق معه بهذه الأخلاق ولا يحبه إلا لله، فعن أنس - صلى الله عليه وسلم - أن رجلاً كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمر به رجل، فقال: يا رسول الله إني لأحب هذا، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: أعلمته، قال: لا، قال: أعلمه، قال: فلحقه، فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له، رواه أبو داود وحسنه الألباني، ومن جميل ذلك أن يكثر له من التبسم، قال حبيب بن أبي ثابت رحمه الله: من حسن خلق الرجل أن يحدث صاحبه وهو يتبسم، ويقول صاحب كتاب كيف تكسب الأصدقاء/ 73 عن أثر الابتسامة: (إنها لا تستغرق أكثر من لمح البصر، ولكن ذكراها تبقى إلى آخر العمر.. وهي التوقيع على ميثاق المحبة بين الأصدقاء)، وهكذا ليحرص الداعية على أجمل أخلاق الإسلام في تعامله مع المدعو والذي لا يجد إلا القناعة السريعة بأن هذا أجمل وأكرم ممن يعرف، قال أبو حاتم رحمه الله: حسن الخلق بذر اكتساب المحبة.

 

• أن يسعى في الإحسان له ما استطاع بماله أو جاهه أو خدمته أو نصيحته وبحسب حاجة المدعو، فبالإحسان إلى الناس نكسب محبتهم وتسهل دعوتهم، فليس الداعية إلا جوادًا كريمًا بوقته وماله ونصيحته، وهذا هو ابن المبارك رحمه الله يعرف لنا حسن الخلق بقوله: بسط الوجه وبذل المعروف، ويدخل في ذلك الصدقة والهدية التي قال عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -: تهادوا تحابوا ، وهو حديث حسن.

 

• الاجتهاد في القرب منه والاستماع إليه؛ فيطمئن المدعو للداعية ويسعى في تنفيس همه إليه، وعرض شكواه عليه، ويروي أنس - رضي الله عنه - لنا من أخبار نبينا - صلى الله عليه وسلم - أن امرأة كانت في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إني لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها، رواه مسلم.

 

• استخدام المزاح معه بالقدر المناسب؛ ففي المزاح تآلف الصدور والبعد عن الكلفة وتغيير النظرة القاتمة، وأينا في جده وهمه للدعوة كرسولنا - صلى الله عليه وسلم - ؟، وقد كان كما قال له أصحابه: يا رسول الله إنك تداعبنا، فقال: غير أني لا أقول إلا حقًا، رواه الترمذي.

 

• والمظهر الجيد من أبواب فتح القلوب، قال المفسرون رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ? وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ? [سورة طـه: 39]، قال القرطبي 11/ 177: قال ابن عباس: أحبه الله وحببه إلى خلقه، وقال ابن عطية: جعل عليه مسحة من جمال لا يكاد يصبر عنه من رآه، وقال قتادة: كانت في عيني موسى ملاحة ما رآه أحد إلا أحبه وعشقه، وقال عكرمة: المعنى جعلت فيك حسنًا وملاحة فلا يراك أحد إلا أحبك؛ فينبغي للداعية أن يعتني بلباسه وهندامه وطيبه وهيئته وحسن سمته.

 

• أن يدعو الله تعالى أن يجمع قلبه وقلب المدعو بالمحبة فيه؛ فإنه أمرٌ ليس إلا لله تعالى، قال سبحانه مانـًا بهذه النعمة على المؤمنين، ? وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ?، [سورة الأنفال: 63]، وعليه بالصدق مع الله وإخلاص العلم له وتجنب معاصيه، فيصدق فيه قول الله تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ?، [سورة مريم: 96]، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أكمل المؤمنين أيمانًا أحاسنهم أخلاقًا، الموطؤون أكنافـًا، الذين يألفون ويؤلفون، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، انظره في السلسلة الصحيحة 2/ 378.

 

المرحلة الثالثة: إيقاظ واعظ الإيمان في نفس المدعو:

وهنا يستخدم أسلوب الترغيب في الطاعات والترهيب في المحرمات، وهذه الخطوة ينبغي أن تسبق مرحلة النصح المباشر والأمر والنهي؛ كما هو هدي القرآن، تقول عائشة رضي الله عنها: لقد نزل أول ما نزل من القرآن سورة فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذ ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ومن الوسائل التي يحرص عليها الداعية في هذه المرحلة:

• دعوته للمحاضرات والمجالس الإيمانية، ولسماع الأشرطة المؤثرة في وصف الجنة والنار، وأهوال القيامة وأحوال الناس في القبر، والتي تطرق قصص القرآن والسنة في نجاة وانتصار المؤمنين، وهلاك وعذاب الظالمين، ونحوه من القصص التي تحيي في قلبه خوف سوء الخاتمة والسعي في التوبة والاستقامة، ويراعي هنا استخدام الأمرين: دعوته للمحاضرات والمجالس الإيمانية ليحصل الوعظ غير المباشر، وإهدائه الأشرطة والكتيبات المؤثرة ليحصل التأثير المباشر، وقد يكون هذا أنفع، قال تعالى: ? قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ?، [سورة سبأ: 46].

 

• استغلال المواقف المناسبة للتذكير؛ كحادثة وفاة قريب أو جار أو صاحب للمدعو، أو منظر أثّر في نفسية المدعو؛ فيستغل الداعية هذا التأثير ليصنع منه أثرًا يُغرس في نفس المدعو، كما في حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلسنا حوله؛ كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه، فقال:استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثـًا، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه.. الحديث، رواه أحمد.

 

• مرافقة المدعو إلى الطاعات الجماعية؛ كصلاة الجماعة أو التراويح أو رحلة للعمرة أو الحج، أو خطبة جمعة أو عيد، واستغلال فترة الإياب في التعليق على ما سُمع وأثر في نفس المدعو.

 

• حرص الداعية أن يكون قدوة للمدعو في محافظته على العبادات؛ كالمحافظة على الأذكار، وصلاة النوافل والوتر، والمداومة على ورده من القرآن، والصدقة، فيكون داعية بأفعاله وأخلاقه قبل أقواله.

 

المرحلة الرابعة: تغـيير حال المدعو إلى الحال التي ترضي الله تعالى:

وتشمل هذه المرحلة الحرص على تغيير: قناعات المدعو ومعاصيه وأخلاقه والبيئة التي من حوله إلى ما يقربه للخير ويصرفه عن الشر، ومن الوسائل الدعوية لهذه المرحلة:

• النصح المباشر: فبعد أن قويت العلاقة بين الداعية والمدعو وثبت الود والمحبة، لا بد من استغلال هذه العلاقة في توجيهه إلى الخير، وليستعمل الداعية الأسلوب الحكيم في النصح مراعيًا آداب النصيحة، ومن أجمل الأساليب أن يبتدئ نصيحته بمدح المدعو والثناء عليه؛ كأن يقول فيك من الصفات الحميدة كذا وكذا، لكن ينقصك أمر أو يعيبك فعل لو تركته لكنت كأجمل ما يكون خيرًا وهدى، ثم يصارحه به، والمدح له أسلوب عظيم في التأثير والقبول؛ واسمع لهذه القصة الجميلة: كان بعض الدعاة في فرنسا، وذهبوا إلى حديقة مليئة بالناس والمنكرات، فوجدوا شاباً عربياً معه آلات موسيقية ويغني، فذهبوا إليه وبدؤوا نصيحتهم بالخطوات التالية: مَنِ الأخ ؟ فقال: محمد، فقال الداعية: ما شاء الله ما شاء الله! هذا اسم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقال المدعو: ولكني لا أصلي، فقال الداعية: ما شاء الله، الله أكبر، دائماً المؤمن لا يكذب ومنهجه الصراحة، وأنت كذلك؛ فما كان من ذلك الرجل إلا أن ذهب مع الداعية إلى سكنه، ثم هداه الله تعالى على يديه.

• الرسالة ذات العاطفة الصادقة والأسلوب المؤثر، ففي قراءة المدعو للكلمات وتقليبه للصفحات، وترداده لبعض العبارات أبلغ الأثر عليه، فاكتب رسالة خاصة وتدرج في نصيحتك.

• مساعدته في تصحيح الخطأ، فيقف الداعية عونـًا للمدعو في معالجة أخطائه، بنصحه ومتابعته؛ كترك الرفقة السيئة، أو تركه للتدخين أو القات أو الفواحش، وإعانته على صلاة الفجر أو بر الوالدين أو نحو ذلك، وينبغي في هذه المرحلة أن يلم الداعية بالوسائل والسبل المناسبة لمساعدة المدعو وخطوات العلاج، وما قد يقف عقبة في مواجهة المدعو وكيفية التغلب عليه؛ فيحرص قبل بدء هذه المرحلة في القراءة والاستماع واستشارة ناصح أو مجرب؛ حتى يكون أكثر قدرة على مساعدة المدعو ونصحه.

 

وهذه المرحلة تحتاج من الداعية إلى أمور مهمة:

• أولها: التدرج مع المدعو، والرفق به، وهي صفة مهمة في دعوة الداعية، يقول الله تعالى واصفًا رسوله: ? فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ?، [سورة آل عمران: 159]، وفي ترفق النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأعرابي الذي بال في المسجد ما يؤكد الاهتمام بهذا الجانب، فعن أبي هريرة أن أعرابيًا قام فبال في المسجد؛ فتناوله الناس، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -:دعوه، وهريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوبًا من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، رواه البخاري، ومن ذلك أن يراعي الداعية هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد كان يتخولهم في الموعظة كراهة السآمة عليهم، ومن ذلك أن يتلطف في عباراته ومخاطباته؛ فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وربنا تعالى يرسل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون الذي ادعى الربوبية وقال: ? أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى ?، [سورة النازعات: 24]، ويقول لهما: ? فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ?، [سورة طـه: 44]، وليتق الله من تنفيره من الخير، وهو ما حذر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى فيما يتعلق بصلاة الجماعة؛ حتى لا تكون سببًا لنفرة الناس من الطاعة، فعن أبي مسعود - رضي الله عنه - كما في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا أيها الناس: إن منكم منفرين؛ فمن أمّ الناس فليتجوز؛ فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة. ‌

 

• وثانيها: أن يغلب عليه أسلوب التبشير وتقوية عزم المدعو، فهذا منهج الدعاة الذي رسمه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا.

 

• وثالثها: الصبر عليه وعلى خطئه، ولعل الله أراد بحكمته أن يؤخر الهداية؛ ليبتلي صدق الداعية والمدعو، وليضع الداعية نصب عينيه قول الله تعالى: ? إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ?، [سورة القصص: 56]، ولا يستعجل النتائج، يقول أبو الدرداء - رضي الله عنه -:إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه؛ فلا تدعه لأجل ذلك، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى.

 

• كما يحتاج الداعية في هذه المرحلة إلى الخبرة في التعامل مع النفسيات وأكبر قدر من معرفة الحلول المناسبة، كما يحتاج إلى خبرة في مخاطبة العقول والوصول إلى القلوب والتأثير فيها، ومن أهم ما يحتاج إليه في هذه المرحلة أن يتنبه لأساليب الشيطان لتزيين المعصية للعبد: من سعي في التيئيس والتسويف والتزيين وتهوين المعاصي وتخويف العاصي ووعوده بالأماني الكاذبة، بل تيسير بعض ما تعسر عليه فيما مضى ليضله ويغويه، والداعية يقف على ملامح هذه السبل بالبيان والتحذير.

 

المرحلة الخامسة: تثبيت الطاعة وإبعاد المدعو عن المعصية:

وهي مرحلة من أهم المراحل بعد التوبة؛ لأن المقصود من الدعوة ليس مجرد توبة المدعو، بل استقامته على طاعة الله تعالى، والنجاح في هذه المرحلة يعد نجاحًا حقيقيًا في دعوة الداعي.

 

ومن الأمور التي يُعتنى بها في هذه المرحلة:

• البحث للمدعو عن الرفقة الصالحة المناسبة؛ كحلقة قرآن، أو طلبة درس علمي، أو مجموعة عمل دعوي، بما يناسب حاجة المدعو واهتماماته وسنه ومدى قدرته على الاستمرار معهم، وفي المتفق عليه من حديث ابن عمر - رضي الله عنه - في الرجل الذي قتل مائة نفس، قال له العالم العارف:ومن يحول بينه وبين التوبة ؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، متفق عليه، ويحتاج الداعية في هذه المرحلة إلى الخبرة في اكتشاف طاقات المدعو وحسن تنميتها والاستفادة منها، ويعينه على هذا أن يشركه في بعض الأعمال العلمية أو الدعوية أو غيرها ويشرف عليه.

 

• ربط المدعو بالعبادة، فلا يجهد الداعية نفسه بربط المدعو به؛ ففي ذلك بذل لجهد عظيم مع ضعف الاستقامة الحاصلة، بل يحرص كل الحرص على أن يصل المدعو بالله؛ ليجد أنسه في طاعة الله، ويجد سعادته في مناجاة الله، فيشجعه على قيام الليل، والمسابقة إلى الصلوات، والإكثار من صلاة وصدقة وصيام النافلة، والتعبد لله تعالى بكثرة ذكره، والتائب في هذه الفترة يكون عنده الاستعداد النفسي التام للعمل وتعويض ما فاته فلتستغل هذه العزيمة في تغذيته بحب العبادة والأنس بها.

 

• شغل تفكيره بمعالي الأمور وعظيم الاهتمامات؛ فالنفس إذا تاقت لأمر لم تقف لما هو دونه، فيشتغل هذا المدعو بطلب العلم والاهتمام بتحصيله، أو بالدعوة إلى الله والسعي في تعزيزها، أو بقضايا نصرة المسلمين والتضامن معهم، أو ينشغل بمساعدة المحتاجين والسعي في قضاء حوائجهم، أو نحو ذلك مما هو أقرب لطبيعة المدعو وصفاته.

 

• تعاهد المدعو باستمرار ومتابعته، وتقويمه على فترات متقاربة؛ للتأكد من ثباته على الحق وإحاطته بالنصيحة مما يجنبه التفريط والفتور أو الإفراط والغلو، يقول الشيخ عقيل المقطري حفظه الله في رسالته الدعوة الفردية: فالمتابعة أمر مهم في الدعوة الفردية وذلك نظراً لأن كثيراً من المدعوين يتأثرون بالدعوة؛ فيبدأون بالاستقامة، فإن لم يجدوا من الداعية التعهد فتروا؛ لأن البيئة التي يعيشون فيها لا تساعدهم على الاستقامة، بل تتحول إلى حرب شعواء ضد هذا العائد إلى الله، فربما أحاط به قرناء السوء حتى يعيدوه إلى ما كان من الفساد والانحراف.

 

• ويدخل في ذلك تعهد وضعه الاجتماعي والاقتصادي الذي قد يحمله للرجوع إلى أبواب الحرام؛ فيسعى الداعية في مساعدة المدعو لإعفاف فرجه بالحلال وزواجه بمن تعينه على الخير، ويسعى في إيجاد العمل المناسب له مع من يتواصون معه على الحق.

 

ولو أننا سرنا على هذه المراحل لبارك الله في جهودنا ووفقنا، فكل ما نحتاجه بعد هذا ثلاث:

الأول: الوقت الذي نسعى فيه لدعوة هؤلاء، ولا ننسى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، رواه الترمذي عن ابن عمر.

والثاني: الحرص على دعوتهم، ولنتذكر حديث نبينا - صلى الله عليه وسلم -:مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، متفق عليه من حديث النعمان بن بشير .

والثالث: الصدق مع الله تعالى، باحثين عن بشارة النبي - صلى الله عليه وسلم -: لئن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حمر النعم، متفق عليه عن سهل بن سعد - رضي الله عنه -، والله الموفق.

 

الفصـل الثاني

في هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في التعامل مع التائبين

إن المتتبع لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - يجد ثمة ملامح بارزة في تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعوته للتائبين من الذنوب والعائدين إلى الله، ولعلنا نوجز هذا المنهج في النقاط التالية:

أولاً: تذكيرهم بسعة رحمة الله:

ويظهر هذا المنهج النبوي من خلال ما يلي:

أ‌-  بيانه لعظيم رحمة الله ومحبته لتوبة عباده:

• فعن صفوان بن عسال - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:المرء مع من أحب يوم القيامة، فما زال يحدثنا حتى ذكر بابًا من قبل المغرب مسيرة سبعين عامًا عرضه، أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عامًا، قال سفيان: قبل الشام خلقه الله يوم خلق السماوات والأرض مفتوحًا- يعني للتوبة- لا يغلق حتى تطلع الشمس منه، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

 

ب‌- الحث على عدم تيئيسهم من رحمة الله تعالى:

• روى أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كان رجلان في بني إسرائيل متواخيان، وكان أحدهما مذنبًا والآخر مجتهدًا في العبادة، وكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر، فوجده يومًا على ذنب، فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيبًا، فقال: والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض روحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًا أو كنت على ما في يدي قادرًا، وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار، قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وأخرته.

 

• وعن أبي طويل شطب الممدود - رضي الله عنه -، أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أرأيت من عمل الذنوب كلِها، ولم يترك منها شيئًا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا أتاها، فهل لذلك من توبة ؟ قال: فهل أسلمت ؟ قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال:تفعل الخيرات وتترك السيئات، فيجعلهن الله لك خيراتٌ كلُهن، قال: وغدراتي وفجراتي، قال:نعم، قال: الله أكبر، فما زال يكبر حتى توارى، رواه البزار والطبراني.

 

ج- إخبارهم بقصص التائبين الذين قبلهم الله بواسع رحمته:

• وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - في قصة توبة قاتل المائة نفس، وفي آخره: فأدركه الموت، فنأى بصدره نحوها- أي القرية الصالحة- فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ فأوحى الله إلى هذه أن تقربي، وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما؛ فوجداه إلى هذه أقرب بشبر؛ فغفر له، متفق عليه.

 

ثانيًا: الفرح بتوبتهم:

وهو فرح بفرح الله تعالى بتوبة عبده، فعند مسلم من حديث البراء - رضي الله عنه - يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: كيف تقولون لفرح رجلٍ؛ انفلتت منه راحلته، تجر زمامها بأرض قفر، ليس بها طعام ولا شراب، وعليها له طعام وشراب، فطلبها فلم يجدها حتى شق عليه، ثم مرت بجذل شجرة، فتعلق زمامها فوجدها متعلقة به، أما والله لله أشد فرحًا بتوبة عبده من الرجل براحلته. ‌

 

وقد كان هذا هديًا لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - تلقوه من نبينا عليه الصلاة والسلام، وفي خبر توبة كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال: سمعت صوت صارخ أوفى على سلعٍ، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدًا، وعلمت أن قد جاء فرج، قال: وأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قِبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إليّ فرسًا، وسعى ساعٍ من أسلم من قبلي، وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذٍ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أيمم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة، ويقولون: وليهنك توبة الله عليك، حتى دخلنا المسجد فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله: يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: وهو يبرق وجهه من السرور، قال: أبشر بخير يومٍ مر عليك منذ ولدتك أمك.. الحديث، متفق عليه.

 

ثالثًا: الدفاع عنهم والنهي عن سبهم والشماتة بهم:

يقول عليه الصلاة والسلام: إذا زنت أمة أحدكم؛ فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر، متفق عليه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، ومعنى قوله: ولا يثرب أي لا يعير، ويظهر هذا الجانب من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلال:

أ- ذكر حسناتهم عند من ذمهم، فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن رجلاً اسمه عبد الله يلقب حمارًا، كان يضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جلده في الشراب، فأتي به يومًا، فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تلعنوه، فو الله ما علمت أنه يحب الله ورسوله، رواه البخاري.

 

ب- التفاؤل بصالحاتهم أن تكون سببًا لثباتهم على الخير، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن فلانًا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق، فقال: إنه سينهاه ما تقول، رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان.

 

ج- الدفاع عنهم والنهي عن سبهم، فعند أبي داود عن خالد بن اللجلاج حدثه أن اللجلاج أباه أخبره أنه كان قاعدًا يعتمل في السوق، فمرت امرأة تحمل صبيًا، فثار الناس معها وثرتُ فيمن ثار، فانتهيت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: من أبو هذا معكِ؟، فسكتت، فقال شاب حذوها: أنا أبوه يا رسول الله، فأقبل عليها، فقال: من أبو هذا معكِ؟، قال الفتى: أنا أبوه يا رسول الله، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بعض من حوله يسألهم عنه، فقالوا: ما علمنا إلا خيرًا، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:أحصنت ؟، قال: نعم، فأمر به، فرجم، قال: فخرجنا به فحفرنا له حتى أمكنا ثم رميناه بالحجارة حتى هدأ، فجاء رجل يسأل عن المرجوم، فانطلقنا به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -فقلنا: هذا جاء يسأل عن الخبيث، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:لهو أطيب عند الله من ريح المسك؛ فإذا هو أبوه فأعناه على غسله وتكفينه ودفنه، وما أدري قال: والصلاة عليه أم لا، وحسنه الألباني رحمه الله.

 

د- عدم تعنيفهم بماضيهم الذي تابوا منه، وفي المتفق عليه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته؛ أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم، قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وأنزل عليك التوراة؛ أتلومني على أمر كتبه الله على قبل أن يخلقني؛ فحج آدم موسى، فكيف يلام التائب على ذنب قد أبدله الله بالحسنات، كما قال تعالى: ? إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ? [الفرقان: 70، 71]، وعند الإمام مسلم في قصة توبة الغامدية رضي الله عنها قال: ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد فسبها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:مهلاً يا خالد فو الذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، ثم أمر بها؛ فصلى عليها ودفنت.

 

رابعًا: معالجة أسباب المعصية في نفس التائب:

وهذا من علاج التائب من ذنبه، ومن تحصينه في نفس الوقت حتى لا يعود إليه، وقد يكون ذلك:

أ‌- بالحوار والقناع العقلي، ومن ذلك ما أخرجه أحمد عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: إن فتى شابًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنى، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: ادنه، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟، قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟، قال: لا والله، يا رسول الله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أتحبه لأختك؟، قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أتحبه لعمتك؟، قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أتحبه لخالتك؟، قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء.

 

ب‌- بالتوجيه العملي إلى ما يشغله عن أسباب المعصية ويقوي صلته بالله، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني وجدت امرأةً في البستان، فأصبت منها كلَ شيءٍ، غير أني لم أنكحها، فافعل بي ما شئت، فقال له عمر - رضي الله عنه -: لقد سترك الله لو سترت على نفسك، فلم يَرد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا، ثم قرأ عليه النبي: ? وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ? [هود: 114]، فقال: يا رسول الله أليّ هذه ؟ فقال: هي لمن عمل بها من أمتي، قال رجل من القوم: هذا له خاصة، قال: لا، بل للناس كافة، رواه مسلم وغيره.


"
شارك المقالة:
5 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook