خطورة الإقامة الدائمة في بلاد غير المسلمين

الكاتب: المدير -
خطورة الإقامة الدائمة في بلاد غير المسلمين
"خطورة الإقامة الدائمة في بلاد غير المسلمين

 

هذا الذي ستقرؤونه هو نتاج تجربة شخصية ومشاهد رأيتها، وناس عشت معم ثلاث سنوات في دولة البرازيل، حينما كنت مبعوثًا للدعوة هناك (2013-2016م)، والأمر المهم الذي أودُّ أن يستحضره القارئ أن هذه البلاد ليس فيها اضطهاد للمسلمين، بل فيها حرية كاملة في العبادة، وأداء الشعائر، ومع ذلك سترى ما آل اليه حال المسلمين هناك.

 

الجالية المسلمة في منطقة كولينا ساو باولو البرازيل:

أولًا: وصف مصغر للمنطقة:

كولينا تعتبر مثل قرية صغيرة مساحتها السكنية ليست كبيرة، فيبلغ عدد سكانها ما يزيد عن 20000 عشرين ألف قليلًا، ومعظم اهتمام أهلها بالتجارة والزراعة، مع التعليم، نظامها الإداري يشبه المحليات عندنا في مصر، ولها رئيس بلدية، وكولينا تتبع إداريًّا مدينة ساو باولو، وهي تبعد عنها أكثر من أربعمائة كيلو متر، ومع صغر حجم هذه المنطقة، فإن فيها من الخدمات الكثير، ففيها محكمة وفيها ثلاثة مصانع، أحدها مصنع ليمون، والأخر برتقال، والثالث للسكر، والمصانع الثلاثة ليست داخلها، وإنما في الأطراف، كما أنها تتمتع بجودة التنظيم للمساكن والشوارع.

 

تاريخ وجود المسلمين في هذه المنطقة:

توافد المسلمون إلى هذه المنطقة في بدايات القرن 1900 تقريبًا، وكل المسلمين الوافدين كانوا من لبنان، وكان لهم وجود قوي، حتى إن بعضهم تُسمى شوارع باسمه حاليًّا، فهناك شارع باسم أسعد الدروبي، وشارع آخر باسم أسعد إبراهيم ضاهر، وكل من يسكن هذه المنطقة من المسلمين ينتمون تقريبًا إلى بلد واحد في لبنان، وهو بلد تُسمى بكفر حمام في الجنوب اللبناني تقريبًا، قريبة من الحدود، وينتمون إلى عوائل الدروبي (هناك عائلتان بنفس الاسم)، وسمور ورمضان وطه وضاهر، وجميعهم بينهم مصاهرات وقرابات.

 

عدد الجالية في المنطقة:

كان العدد الذي وفد إلى هذه المنطقة وصل في فترة 1960-1970 إلى أكثر من مائتي فرد، وفي حدود ما يقرب من 90 أسرة.

 

الأعمال التي اشتغلوا بها:

أكثر الجالية المسلمة الوافدة للبرازيل اشتغلت في مجال التجارة والزراعة، وهذا ساعدهم على الثراء السريع.

 

النشاط الديني للجالية:

معلوم أن كل المهاجرين كانوا يهاجرون هروبًا من الحروب ومن الفقر، لهذا كان اهتمامهم الأول هو البحث عن لقمة العيش والاستقرار المعيشي، إضافة إلى أن كثيرًا منهم لم يكن على قدر من التعليم، لهذا ظل الجانب الديني عندهم خاملًا منذ قدومهم إلى ما بعد السبعينيات، وهي الفترة التي وفد فيها الداعية المصري الدكتور عبدالله عبدالشكور الذي كان له أكبر الأثر في نقل الجالية المسلمة في البرازيل كلها إلى الاهتمام بالنشاط الديني، والمحافظة على الهوية الإسلامية للجالية المسلمة في البرازيل.

 

بداية إنشاء الجمعية في كولينا:

بدأ التفكير في إنشاء ما يشبه جمعية أو مؤسسة يشارك فيها المسلمون، فأسسوا ما يسمى الآن الاتحاد الخيري الإسلامي بكولينا، وكان الأعضاء المشاركون يزيدون عن الستين عضوًا،

 

وتعاونوا على إنشاء مقر، فجمعوا فيما بينهم مبلغًا من المال، وجاءتهم مساعدات من سفارات عربية، فقامو بشراء قطعة أرض مساحة 60 x 30 مترًا تقريبًا، فأقاموا عليها بناءً صغيرًا كانوا يجتمعون فيه، وكان هذا تقريبًا في عام 1975، وكانوا قبل ذلك يؤدون صلاة الجمعة في مسجد بريتوس الذي بُني قبل هذه الفترة بسنوات قليلة، وهي بلدة تبعد عن كولينا حوالي عشرين كيلو مترًا.

 

بناء المسجد:

في نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات، جاء مبلغ من المال من دولة عربية لأجل إنشاء مسجد، فقامت الجالية باقتطاع مساحة من الأرض التي سبقت الإشارة إليها، وأقاموا عليها مسجدًا مساحته تقريبًا 15في 22 مترًا، وبه مصلًّى علوي للنساء، وبه مئذنة يزيد ارتفاعها عن 20 مترًا تقريبًا، وكان افتتاحه تقريبًا سنة 1983، وتقدمت وزارة الأوقاف المصرية بهدية لهذا المسجد هو عبارة عن منبر خشبي مزخرف.

 

النشاط الديني للجالية:

قبل إنشاء المسجد كان العدد الذي يَفِدُ إلى الجمعية للصلاة في الجمعه تقريبًا يزيد على الأربعين، في حين كان عدد المسجَّلين بالجمعية أعضاءً، أكثر من مائتي فرد، ومع مرور الوقت وتأثُّرًا بالنظام العام لهذه البلاد، كان الأبناء يتعلمون في المدارس العامة، ثم يشقون طريقهم في العمل الذي غالبًا ما يكون في مدينة أخرى غير التي نشأ فيها، فكان هذا الانفصال الأسري مع ضعف الثقافة الدينية له أكبر الأثر في ضياع أجيال كثيرة من أبناء المسلمين، فكثيرًا من هؤلاء الشباب تزوَّجوا برازيليات، فكان أولادهم ينشؤون نشأة أمهاتهم، فكان لذلك أكبر الأثر في ضياع أبناء المسلمين، فكثيرًا ما التقيت برجال وسيدات أسماؤهم عربية، فأسال: هل هم مسلمون، فيقال لي: آباؤهم مسلمون.

 

حال الدعوة الآن في المنطقة:

المسجد منذ 2009 يوجد به شيخ بصفة مستمرة تقريبًا، ولكن بعد فترة خمول طويلة لهذا، فهي تحتاج لجهد ووقت وعوامل كثيرة للنهوض بالجالية، ففي الوقت الحالي أصبح الالتزام الأكبر في الحضور لصلاة العشاء يوميًّا مع صلاة الجمعة، وعددهم في العشاء يتراوح ما بين خمسة أفراد، ويَصِلون إلى عشرين، خصوصًا في أيام العطلات، وعدد الذين يحضرون الجمعة ما بين 15 و20 رجالًا ونساءً، يزيدون حينما يوافق الجمعة يومَ عطلة، ويحضر في الفجر بصورة شبه مستمرة فرد أو اثنان، وهناك درس يومي بين الأذان والإقامة في صلاة العشاء، وهناك محاضرة يوم السبت، وغالبًا ما تكون في الأخلاق.

 

ومن الأمور التي قمت بها للتواصل مع شباب الجالية وغيرهم: إنشاء صفحة على الفيس بوك باسم المسجد، أقوم فيها بنشر مقالات مترجمة وأحاديث وآيات قرانية مترجمة أيضًا، كما أقوم بإرسال خطبة الجمعة لبعض الشباب الذين يدرسون، أو يعملون في أماكن بعيدة، فلا يتمكنون الحضور، وقد رأيت لذلك تأثيرًا، وإن كان نسبيًّا، لكن مع الوقت قد تكون له فائدة كبيرة، كما يسَّرت هذه الصفحة تلقي الأسئلة والتواصل مع بعض هؤلاء الشباب.

 

أكبر الأخطاء التى وقعت فيها الجالية:

مع أن المسجد بُنِيَ منذ أكثر من 30 سنة، فإن أول داعية وفد إلى هذا المكان كان في 2009 تقريبًا، وظلوا أكثر من 20 سنة دون توجيه أو تعليم ديني؛ مما جعل الثقافة الإسلامية عندهم شبه ضائعة، ولا يوجد إلا القليل من كبار السن الذين وفدوا من البلاد الذين يحافظون على الشعائر.

 

أكبر المشكلات التي تواجه الجالية هناك:

هناك مشكلات رئيسة هي ما تجعل مستقبل الجالية هنا معرَّضًا للخطر؛ منها:

الزواج ببرازيليات محافظات على دينهنَّ حتى ولو بالاسم، فينشأ أولاده مرتبطين دينيًّا بدين أمهاتهم.

 

يترتب على الأول وجود بنات مسلمات كُثر في سن الزواج، وهؤلاء مع إعراض الشباب المسلم عنهنَّ، يقعنَ بين ثلاثة أمور؛ إما أن تظل بلا زواج، وإما أن تحاول إقناع رجل بالنطق بالشهادتين صوريًّا في الغالب وتتزوَّج به، ويظلون بعد ذلك بعيدين عن الدين،

 

وثالثة: الانحراف السلوكي والأخلاقي، وكل هذه كوارث تهدد الجالية بالذوبان مع مرور الوقت.

 

عدم الاهتامام بنشر الدين بين البرازليين أو حتى تعريفهم.

 

العلاج لهذه المشكلات:

يتمثل في التوعية الثقافية والدينية، والتنبيه على هذه المخاطر، واستمرار الاهتمام من المعنيين بهذه المنطقة؛ لأنهم لضعف الدين لا يعنيهم إن جاء شيخ أم لم يأت.

 

خطورة الإقامة الدائمة في مثل هذه البلاد:

قد بدا واضحًا من خلال هذا العرض المصغر مدى الخطورة التي يتعرض لها دين المسلم بالإقامة الدائمة في هذه البلاد، وما أشبهها؛ إذ إنه مع الوقت ستنقطع صلة الذرية بالإسلام، ومن المشاهد التي آلَمتني كثيرًا أن هناك رجلًا من خدم الكنيسة في هذه البلدة، وحينما ذكر اسمه أمامي فإذا اسم عربي مسلم، وسنه قد جاوز الثمانين، ولَما سألت عنه، قالوا: إن والده قدم إلى هنا وتزوَّج بأمه، وكان والده جاهلًا لا همَّ له إلا البحث عن لقمة العيش التي جاء من أجلها، فتزوَّج من مسيحية، وأنجب ولده المذكور، وأنشأته أمه تنشئة مسيحية، وصار من خدام الكنيسة والمتعصبين لها.

 

مشهد آخر مؤلم جدًّا ذكره لي أحد أطباء الجالية، وهو أنه جاءه مريض، فنظر في بطاقة التعريف، فإذا اسمه حسن محمد، فلما دخل عليه وجد الصليب يملأ صدرَه، فقال له: ألستَ عربيًّا مسلمًا، فقال: بل أبي، أما أنا فبرازيلي مسيحي.

 

وهذا ليس في هذه البلدة وحدها، بل تقريبًا في كل البلاد الأجنبية التي وفدت إليها جاليات عربية، وهنا تظهر صدق مقولة مَن قال: مَن أراد أن ينقطع من نسله قول: لا إله إلا الله، فليمكُث في بلاد غير المسلمين.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook