خيانات اليهود ومواقفهم من الدعوة الإسلامية

الكاتب: المدير -
خيانات اليهود ومواقفهم من الدعوة الإسلامية
"خيانات اليهود ومواقفهم من الدعوة الإسلامية

 

تبيَّن مما سبق أن المراد بشرِّ الدواب هنا هم اليهود، والذين كفروا بالنبي الخاتمِ صلى الله عليه وسلم، مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا من أهل مكة، كما جاء في قوله تعالى: ? الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ? [الأنعام: 20]، وقوله تعالى: ? وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ? [البقرة: 89].

 

ولما هاجر النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كتب بينه وبين اليهود كتابًا، شرط لهم فيه وشرط عليهم، وأقرَّهم على دينهم، على ألا يغدروا ولا يمالِئوا عدوًّا للمسلمين، وكان المفروض أن يقابل اليهود هذا الإحسانَ بمثلِه، غير أن الذي حدث خلاف ذلك، ويقول الدكتور محمد طلعت أبو صير:

(فقد حاربوا الدعوة حربًا لا هوادة فيها، بل همُّوا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، ونقضوا بذلك العهد، وحاولوا طعن المسلمين من الخلف، كما ألَّبُوا المشركين على الدعوة، وأمدُّوهم بأساليبِ الدعاية، وقوَّوا في نفوسهم روحَ الشر والعداوة والبغضاء، قال تعالى: ? أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ? [النساء: 51]، وإزاء هذا الموقف من اليهود اضطرَّ المسلمون إلى اتخاذ موقف حازم؛ حفاظًا على أنفسهم، وحماية للدعوة التي من أجلها تحمَّلوا المتاعب والمشاق.

 

إن ما جاء به الإسلام من المبادئ، وما حث عليه من حسن الجوار ورعاية الحرمات، في عالَمٍ كان غارقًا إلى الأذقان في الحروب والفساد والظلم والاستبداد - يعد نموذجًا في مراعاة العدل والإنصاف، وتأمين الغير على النفس والعِرض والمال، فإذا لم يراعِ اليهود جانبَ الوفاء بالعهود، ولم يقابلوا الإحسان بمثله، فلا بد من وضع حدٍّ للتصرفات التي تضر بالدعوة، وتَحُول بين الناس والدخول في دين الله، وكان على اليهود أن يأخذوا العِبرة مما جره على المشركين من أهل مكة الظلمُ والعناد والصد عن سبيل الله)[1].

 

وفيما يلي بيانٌ لبعض نماذج من خيانات اليهود، وطرف من محاولاتهم معارضة الدعوة وحملات التشكيك التي أثاروها ضد الإسلام؛ لنعلم أن عداوة اليهود قديمة، وأنهم ألد أعداء الإسلام، ثم بيان لأساليب ووسائل مواجهتهم، والمنهج الدعوي الذي اتبعه القرآن الكريم في دعوة اليهود.

 

أولًا: نماذج من خيانات اليهود ومواقفهم من الدعوة الإسلامية:

1- ما قالَتْه اليهود عند صرف القِبلة إلى الكعبة، ذلك أن المسلمين كانوا يُصلون ناحية بيت المقدس - بعد هجرتهم إلى المدينة - سبعةَ عشر شهرًا، ثم أُمِروا بالتوجه ناحية الكعبة، فانتهزها اليهود فرصة وأخذوها مادَّة للدعاية ضد الإسلام والمسلمين؛ إذ قالوا: إن توجُّهَكم ناحية بيت المقدس دليلٌ على أن ديننا حق، وأنتم الآن توجَّهتم ناحية الكعبة، فما مصير صلاتكم التي صلَّيتموها قبل ذلك؟ وكانت أزمة ومحنة مرَّ بها المسلمون، فأنزل الله تعالى قوله: ? سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ ? [البقرة: 142، 143][2].

 

2- اتِّفاقهم على طرحِ الصخرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد دبَّروا واتفقوا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن إسحاق:

(وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النَّضِير، يستعينهم في دِيَة قَتيل، فلما خلا بعضهم ببعض قالوا: لن تجدوا محمدًا أقرب منه الآن، فمَن رجلٌ يظهر هذا البيت، فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال رجل منهم - (هو عمرو بن جحاش بن كعب) -: أنا، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فانصرف عنهم، فأنزل الله تعالى فيهم، وفيما أراد هو وقومه: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ? [المائدة: 11])[3].

 

3- خبر يهود بني قَيْنُقاع: جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوقهم، ثم قال: ((يا معشر يهود، خذوا مِن الله مثلَ ما نزل بقريش من النقمة، وأسلِموا، فإنكم قد عرَفتم أني نبي مرسَل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم))، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، أما والله لئن حاربناك لتعلمنَّ أنا نحن الناس، فنزل قول الله تعالى: ? قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ? [آل عمران: 12، 13]، قال ابن إسحاق:

(إن بني قَيْنُقاع كانوا أوَّل يهود نقضوا العهد وحاربوا فيما بين بدر وأُحد، وقال ابن هشام: وكان أمرُ بني قَيْنُقاع أن امرأةً من العرب قدِمت بجلب لها فباعَتْه بسوق بني قينقاع، وجلسَتْ إلى صائغ هناك منهم، فجعَلوا يريدونها على كشف وجهها، فأَبَتْ فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقَده إلى ظهرها، فلما قامت انكشَفَتْ سَوْأَتها، فضَحِكوا بها فصاحت، فوثب رجلٌ من المسلمين على الصائغ فقَتَله، وكان يهوديًّا، فشدَّتِ اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهلُ المسلم المسلمين على اليهود، فأُغضِب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع)[4].

 

منهج الإسلام في مواجهة اليهود:

لقد جاء ذكر اليهود في مواضع كثيرة في القرآن الكريم، وفي سورة البقرة وحدَها ما يقرب من مائة وعشرين آيةً تتحدث عنهم، وكان الحديث عن اليهود يدور حول محورين:

الأول: كشف طبيعة وصفات وألاعيب اليهود؛ من المكر، والكذب، وكتمان الحق، وتلبيس الحق بالباطل، ونقض العهود، والاعتداء على الأنبياء، وشتم الملائكة، ووصفوا الله عز وجل بما لا يليق بجلاله وعظمته.

 

الثاني: تعريف المسلمين كيف يُواجِهون اليهود مع تحذير المسلمين من التشبُّه بهم، وفعل ما فعلوا، فيصدر فيهم الحكم الذي صدر في اليهود، وهو اللعن والغضب من الله عز وجل، وعلى هذا فإن دعوة اليهود ومواجهتهم تكون بتذكيرِهم بما نزل في التوراة قبل تحريفها، والرجوع إلى الحق الذي يعلمونه ويكتمونه، ثم بدعوتهم إلى عبادة الله الواحد وعدم الشرك به، كما قال تعالى: ? قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ? [آل عمران: 64]، ثم أمرهم بالرجوع إلى الميثاق الذي أخذه الله عليهم في قوله تعالى: ? وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ? [البقرة: 83]، وأن يُؤمِنوا ويقولوا ما أمرهم الله به في قوله تعالى: ? قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ? [البقرة: 136]، فإن أبَوا - وقد أبَوا - فعليهم أن يكفُّوا عن قتال المسلمين، فإن ظهَرت منهم الخيانة والغدر، وتحالفوا مع المشركين للنَّيْل من الإسلام؛ فالواجب تقتيلهم والتنكيل بهم ليتفرَّقوا في الأرض بعيدًا عن المسلمين وكيلا تقوم لهم قائمة، ولا بأس من مهادنتهم، وأخذ الشروط عليهم - كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم - على أن يلتزموا بالهدنة أو بالمعاهدة، ومما لا شك فيه أن اليهود أهل غدر وفساد، وهم دعاة انحلال وتحلل من الأخلاق والقيم العالية، كما أنهم يروجون للرذائل.

 

فالواجب على الدعاة كشف ألاعيب اليهود ومخططاتهم الشيطانية للإفساد والسيطرة على العالم والدعوة إلى ما يلي:

1- عدم التشبه باليهود في أقوالهم وأفعالهم، قال تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ? [البقرة: 104]، وهذا أول نداءٍ للمؤمنين في سورة البقرة.

 

يقول ابن كثير: (والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولًا وفعلًا؛ وذلك أن اليهود كانوا يُعانون مِن الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص - عليهم لعائن الله - فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا، يقولوا: راعِنا ويورُّوا بالرعونة، وكانوا إذا سلَّموا إنما يقولون: السام عليكم، والسام هو الموت، ولهذا أُمِرنا أن نردَّ عليهم بـ""وعليكم"")[5].

 

2- الحذر الدائم من مخططات الإفساد والترويج لإباحة الجنس والمخدِّرات لهدم القيم وإضعاف شباب المسلمين ماديًّا ومعنويًّا، ومن مخططات اليهود أيضًا إضعاف الاقتصاد الإسلامي والسَّعي للسيطرة الاقتصادية، خصوصًا على المنطقة العربية، وكذا من مخططاتهم تدمير القوة البشرية عن طريق نشر الأمراض المهلكة، وذلك بالتدخل في النشاط الزراعي؛ (كالإنضاج المبكر للثمار والخضر، والمبيدات المسببة لمرض السرطان وفشل الكُلى والكبد وغير ذلك).

 

3- الدعوة إلى تقوية المسلمين علميًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا؛ لأن إعداد القوة هو الحل الوحيد للصراع العربي الإسرائيلي، والسَّعي إلى امتلاك سلاحِ الردع النووي، لفرض السلم المسلح، كما أنه الحل الوحيد لإعادة الحقوق المسلوبة وإعادة الأرض المحتلَّة إلى أهلها، وتحرير المسجد الأقصى من أيدي المغتصِبين.

 

4- دعوة المسلمين إلى العودةِ إلى كتاب الله وسُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى ما كان عليه سلف الأمة، وإحياء روح الجهاد لحماية الأرض والعِرض؛ ذلك لأن الصراع في العالم الآن إنما هو ما يُسمَّى بصدام الحضارات أو الأصوليات، فهناك الأصوليات اليهودية التي تدعو إلى التمسُّك بالأصول القديمة للديانة اليهودية، وهناك الأصولية المسيحية، وهنا الصحوة الإسلامية، ولا مناص من التمسُّك بأصول الدين والرجوع إلى شريعة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، والاستجابة الفورية الجادَّة لوصايا الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ولا شك أن السورة الكريمة تُقدِّم منهجًا دعويًّا يقوم على التربية الإيمانية - وبالأخص الجانب العملي منها - وعلى الجهاد؛ من أجل الحياة الكريمة.

 

ما يتعلق بالأساليب:

أسلوب الترهيب:

تبيَّن من خلال هذا الفصلِ أهمية إعداد المستطاع من القوَّة لتخويف العدو من الاعتداء على المسلمين، ومنعه من الصدِّ عن سبيل الله، وفرض السلم المسلح لتجنُّب القتال وإقرار سلامٍ مِن شأنه ضمان حرية الدعوة، وحرية اختيار العقيدة، وتحقيق القاعدة المقررة في قوله تعالى: ? لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ? [البقرة: 256].

 

ولضمان أمن وسلامة المدعوين، فلا يتعرَّض أحدٌ آمَن أو كفر لأي عدوان، وذلك بعد منع شر الأنظمة التي تؤذي الناس بسبب عقيدتهم أو تفتنهم في دينهم، أو تروِّج للفكر المضاد، قال تعالى: ? وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ? [الأنفال: 60]، فكان الهدف من إعداد المستطاع والمناسب من القوة، هو إقرار السلم ومنع القتال، وإبعاد أعداء الدعوة؛ كي تشق طريقها بلا عقبات أو معوقات، (وقد سبق بيان فوائد إعداد القوة في المبحث الثالث من هذا الفصل)، وإن القصد مِن إيجاد القوة إنما هو للتلويج بها أو التهديد باستعمالها، وفي ذات الوقت يحرص المسلمون على عدم استعمالها، فالسلم أفضل من الحرب، والرِّفق أفضل من العنف.

 

ما يتعلق بالوسائل:

1 - المعاهدات:

قد بات واضحًا أن الإسلام يقرُّ المعاهدات، ويحترم العهود مع الأعداء، ولعل مِن شأن ذلك تحقيق حالتينِ؛ هما السلام والحرية، فالسلام وإشاعة الأمن والأمان هدفٌ يسعى إليه الإسلام من أجل أن تسير الدعوة في طريقها بلا عقبات أو معوقات أو مناوشات، كما أنها - أي المعاهدات - وسيلةٌ لبيان وعرض الإسلام بصورة عملية، وذلك من خلال إظهار أخلاق الإسلام وآدابه؛ كاحترام المواثيق، وعدم نقض العهود، وبيان أن العداوة لا تزيل العدالة، وأن الإسلام يُجرِّم الخيانة ويحرم الغدر حتى مع الأعداء، فإذا رأى العدو تلك الأخلاق والقيم، ربما كان ذلك داعيًا إلى هدايته ودخوله في الإسلام، وطالما أن الآخر يلتزم بما أبرم مِن اتفاقات مع المسلمين، فعلى المسلمين الوفاء بالتزاماتهم، أما حين الغدر، فإن الأمر يختلف، فإذا أحس المسلمون بوادرَ الخيانة، فإن ذلك ليس مبررًا للعدوان؛ لأن الإسلام لا يقابل الغدر بالغدر، ولا الخيانة بالخيانة، ولكن على المسلمين النبذ، وإعلام الطرف الآخر بإنهاء وقطع ما أبرم وبصورة واضحة.

 

2 - القتال:

أقر الإسلام القتال في أحوال؛ منها:

1- حال الفتنة واستعلاء الشرك.

2- الاعتداء على الدعوة.

3- نقض العهود وأخذ مواقف عدائية واضحة، كما في قوله تعالى: ? فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ? [الأنفال: 57، 58]، ولا شك أن الآخر وهو العدو هو الذي ألجأ المسلمين إلى القتال، وذلك بخيانته ونقضه للعهود وسعيه لحرب المسلمين، أو بصورة أخرى كتحريضِ جبهات أخرى معادية للإسلام أو مساعدتهم ومساندتهم، فهنا يتحتَّم العمل بوسيلة القتال لتأديب الناقضين للعهود المعادين للدعوة وأهلها.

 

3 - الإنفاق:

والإنفاق مِن مال الله ومِن الرزق الحلال الطيِّب مِن صفات المؤمنين حقًّا - كما سبق في أول السورةِ - وهو مِن أهم الوسائل لدعم وتجهيز وإعداد جيش المسلمين، فالجهاد إنما يكون بالمال وبالنفس، وثوابه عند الله عظيم كما جاء في قوله: ? وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ? [الأنفال: 60].

 

4 - الحذر:

إن أخطر أعداء الدعوة هم اليهود والمنافقون؛ لأنهم يعيشون بيننا ويختلطون بالمسلمين، ومع أن الإسلام يُوصي بحسن الجوار وحسن معاملة المخالفين لنا في العقيدة - طالما أنهم لم يُظاهروا علينا - كما أمرنا بمعاملة المنافقين بظاهر أحوالهم، إلا أن الحذر وأخذ الحيطة واليقظة الدائمة تجاه هذين الفريقين من أهم الوسائل (الخارجية) للدعوة، يقول الدكتور عبدالكريم زيدان:

(الحذر هو التحرُّز والتيقُّظ، وهو يقوم على أساسِ المعرفة وأخذ الحيطة، فالحذر يعرف مدى ضررِ المكروه المتوقَّع حصوله، فيخاف مِن وقوعه خوفًا يدفعه إلى أخذ الحيطة والتحرُّز، ومباشرة الأسباب لمنع وقوعه أو لدفعه إذا وقع، أو لتقليل أضراره وأذاه، فهو ليس بخوف مَشُوب باستسلام وقعود، وانخلاع الفؤاد، واضطراب الفكر، وتشويش البال، واليأس من الخلاص، والاستسلام له قبل الوقوع، ولهذا فالحذر محمود غير مذموم، وهو من صفات أهل الإيمان والعقل السليم والفهم الدقيق لسنن الله في الكون، لا من صفات أهل الطيش والحماقة والجهالة وقصر النظر، فهؤلاء لا يعرفون الحذر ولا تتسع له عقولهم)[6].

 

ومن الخصائص:

1- الوضوح: وقد تجلَّى ذلك في النبذ، وهو ما تبيَّن من إعلام الطرف الآخر - المعاهد - بإنهاء المعاهدة وبصورة واضحة، بشرط أن يتساوى الطرفان في المعرفة بأن كل طرف في حلٍّ مِن عقده وعهده، وكذلك وضوح الهدف من إعداد العُدَّة وهو إرهاب العدو المتربص والساعي لوقف الدعوة والصد عن سبيل الله، وهذا الإرهاب ليس موجَّهًا لمسلم ولا لمعاهد، ولا لمن اختار دينًا غير دين الإسلام وجلس يتعبد في صومعته، أو مارَسَ تجارةً أو زاول مهنة، أو مثل ذلك، فهؤلاء معصومون، دماؤهم وأموالهم وأعراضهم، فلا يتعرَّض أحدٌ لهم بأذى، وتخويف أو إرهاب.

 

2- المرونة: فمنهج الإسلام واضحٌ، وإنما يتحدَّد حسب بيئة الدعوة، وظروف المرحلة، لكن الأصل هو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ومجادلة الخصوم بالتي هي أحسن، وفي جو مِن السلام والأمان، وقد يحتاج تحقيق السلام والأمان إلى عقد معاهدة أو إبرام صلح فلا بأس، وقد يضطر المسلمون إلى تأديب الخائنين أهلِ الغدر، فلا مانع، وتحت أي ظرف وحال، فإن إعداد العدة ضمان وأمان لتحقيق السلام.

 

[1] الدعوة الإسلامية ودعاتها، د. محمد طلعت أبو صير، كلية أصول الدين، القاهرة، 1992، ص94.

[2] انظر: السيرة النبوية، ج2، ص131.

[3] انظر: السيرة النبوية، لابن هشام، ج2، ص142.

[4] البداية والنهاية، ج4، ص3.

[5] تفسير ابن كثير، ج1، ص 148.

[6] أصول الدعوة، ص 448.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook