دعوة بلا سهام ولا ألسنة لئام

الكاتب: المدير -
دعوة بلا سهام ولا ألسنة لئام
"دعوة بلا سهام ولا ألسنة لئام

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي لولاه ما جرى قلمٌ ولا تكلم لسان، والصلاة والسلام على خير الأنام محمد صلى الله عليه وآله والصحب الكرام، ثم أما بعد:

فعلى جيل الدعوة الآمن في ربوعِ الأوطان كلِّها أن يحتفظ بإيجابيات ما زرعه في حقولِها، ويختار البذرة الأكثر جودة لتحصيل آماله ومبلغِ مناه.

 

بَيْدَ أن هذه التَّرِكة النبويَّة التي ساقها إلينا نبيُّ الرحمة والملحمة محمد صلى الله عليه وآله أجمعين كان أساسُها أوثقَ بالحق ظاهرًا وباطنًا، مبنيًّا على لَبِنة الزاد الدعوي، فقد بُني صرحها - أي: التركة - في قلوبهم قبل أن تدشن على أرض الواقع؛ لكيلا يهوي من ضرر الدهر، ونُكول البشر.

 

وكان غرسُها الإرث النبوي (المعدن النفيس الخالص) الذي حمله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون من بعده، حيث كانوا أكْفَاءً لها، وسُلمُ درجاتِ إيمانهم بربهم جل وعلا لا يقاس بعلو السماء وعرضِ الأرض وأقطارهما.

 

جاء في كتاب رب العالمين: ? فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ? [الفتح: 27].

وقال أيضًا: ? رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ? [الأحزاب: 23].

 

دعوة بلا سهام ولا ألسنة لئام:

أيها الداعي إلى الله، إن أعباء هذه الدعوةِ التي تريد حَمْلَها ينبغي لك أن تكون مؤهَّلًا لرفعها؛ لتكون أهلًا لها صحوةً وضميرًا، وتصميم فكرك يجب أن يكون له دور مناسب لمقومات هذا الدين؛ فليكن فؤادك ينبض بخطرات لا تزال تهم فيك، بما أنك الوارث لها، وقد قررت المُضيَّ قُدمًا لشق طريقك ومنهجك الدعوي في سبيل إعلاء كلمة التوحيد.

 

جاء على لسان علي رضي الله عنه وأرضاه:

الناسُ من جهة التمثال أَكْفَاءُ
أبوهمُ آدمٌ والأمُّ حوَّاءُ
فإنْ يكن لهمُ في أصلِهم شرفٌ
يفاخِرون به فالطينُ والماءُ
ما الفضلُ إلاَّ لأهل العلم إنهمُ
على الهدى لمن استهدَى أدلَّاءُ

قال أحد الحكماء: لا يفيدُ الوعظ إلا بثلاث: حرارة القلب، وطلاقة اللسان، ومعرفة طبائع الإنسان.

 

دعوة بلا سهام ولا ألسنة لئام:

يا محبًّا للتوحيد، إن حجم معاناة الأمة الإسلامية اليوم كبيرٌ، قد أثقل كاهلَها جُهَّالُها الذين لا همَّ لهم في هذا العصر إلا اللهث وراء هذا الإرث الثقيل، الزادُ عندهم قليل وهم أحوجُ إلى معرفة اليسير من العسير، أَإلى ذلك الطريق توجُّهًا أم إلى تقلُّبات المسير؟ لا جرم أن الله مُطلِعٌ على أحوال العباد بما هو كائن، وما سيكون، فأين لهم النظير؟

قال صلى الله عليه وسلم: ((مَن تعلم علمًا مما يُبتغى به وجهُ اللَّه عز وجل، لا يتعلَّمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة))، (عرف الجنة يعني: ريحها)[1].

ولله درُّ هذا الأثر: ما كان في القلب وصَل إلى القلب، وما كان على اللسان لم يتجاوَزِ الآذان.

 

دعوة بلا سهام ولا ألسنة لئام:

للذين يعملون في المجال الدعوي أمامكم لحظةُ تأمُّل، ووقفة تذكُّر، فإنه لا يستقيم أمرُ الداعي حتى يكون مخلصًا لدعوته إخلاصًا من القلب يقينًا لا كذبًا وزورًا، وادِّعاءً بظهر الغيب.

فيصلحُ الناس بأمره ونواهيه ويفسد هو، بل عليه أن يكونَ مدركًا بما يخرج من فِيه، ويسكبها عِبَرًا وتطبيقًا في أرض الدعوة حتى يُؤتمن.

 

قال تعالى: ? فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ? [آل عمران: 159].

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قام رجلٌ غائر العينين، مشرف الوَجْنتين، ناشز الجبهة، كثُّ اللحية، محلوقُ الرأس، مشمِّر الإزار، فقال: يا رسول اللَّه، اتقِ اللَّه، قال: ((ويلك! أولستُ أحقَّ أهل الأرض أن يتقيَ اللَّه؟!))، قال: ثم ولَّى الرجل، قال خالد بن الوليد: يا رسول اللَّه، ألا أضرب عنقه؟ قال: ((لا؛ لعله أن يكون يصلي))، فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ((إني لم أُومرْ أن أنقُب قلوب الناس، ولا أشقَّ بطونهم))، قال: ثم نظر إليه وهو مُقفٍّ، فقال: ((إنه يخرج من ضئضئ هذا قومٌ يتلون كتاب اللَّه رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرقُ السهم من الرميَّة، لئن أدركتهم لأقتلنَّهم قتلَ عاد))[2].

 

دعوة بلا سهام ولا ألسنة لئام:

يا راجيًا عفو ربِّك، إن من يتجرأ على الدخول إلى حقل الدعوة لا بدَّ أن يكون قلبه واعيًا بما هو مُقدِم عليه؛ ففي ساحات الدعوة تداعيات تصارعت عليها الأكَلَة، وتضاربت خلالها أزمة المنهج وعقيدة كلِّ فرد في المجتمع، وأيضًا ينبغي عليه أن يتجاوز نفسه أولًا وينهاها عن منكرِها، ويستعين بحبل النجاة، وإلا فما الفائدةُ إذا غرق ونجا غيره؟

قال تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ? [التحريم: 6].

 

فإلى حين نضوج المرء كفاية تامة، فلا يقصد بذلك عمر الإنسان شبابه وهرمِه، بل إنه يسمو بفكره وعقله، ويرتفع بروحه لمراتب الكمال الإنساني، وتزداد خُطاه إلى منحنًى واحد مستقيم لا ضيقٍ ولا محدود، فالدعوة إلى الله مزرعة، فأين هو زرعُك أيها المسلم لِينبتَ الكلأ؟

لكن هناك ظروفًا مرت به جعلته يتخلَّى عن مبادئه والقيم المغروسة في باطن كل غيور على هذا الدين.

قيل: احذر الحقودَ إذا تسلَّط، والجاهلَ إذا قضى، واللئيم إذا حكم، والجائع إذا يئس، والواعظ المتزهد إذا كثُر مستمعوه.

 

دعوة بلا سهام ولا ألسنة لئام:

وفي الشق الآخر نفوسٌ جُبلت على خيريَّة هذه الأمة والنصح لها بما تيسر لها، فبالرغم أنهم قلَّة قليلة في هذا العصر، إلا أنهم ضربوا أحسنَ الأمثلة وأروع الآثار؛ اقتداء بالنبي المختار محمدٍ صلى الله عليه وآله الأخيار.

فمهما تزلزلت معتقداتُ البشر، واستنزفوا من رحم المعاناة في تقصي الحقائق الإيمانية واتِّباعها فهم بخير السبل في كل الأحوال.

أقول: لذلك ينبغي أن تُعنى هذه الاهتمامات بجدٍّ في حياة كل داعٍ إلى الله، واتخاذها مرجعًا ودستورًا؛ تكريسًا لخدمة الدعوة عن حقٍّ لا عن جهالة، وهي رسالة عاجلة لا يجب أن يغفل عنها كل مسلم ومسلمة.

وبها يُشَكَّلُ جسر متينٌ، وحصن منيع، يتربَّى في رعايته أجيال وأجيال.




[1] أبو داود بلفظه في العلم، باب في طلب العلم لغير اللَّه، 3 /323، (رقم 3664)، وابن ماجه في المقدمة، باب: الانتفاع بالعلم، 1 /93، (رقم 252)؛ وانظر: صحيح ابن ماجه: 1 /48.

[2] البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن، 8 /67، (رقم 4351)، ومسلم، في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، 2 /741، (رقم 1064).


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook