دعوة نوح عليه السلام

الكاتب: المدير -
دعوة نوح عليه السلام
"دعوة نوح عليه السلام




إن الدعوة إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، هي المهمة التي من أجلها أرسل الله تعالى جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، فاصطفاهم الله تعالى وجعلهم قدوة حسنة في توجيه الناس إلى الله تعالى، وهدايتهم سواء السبيل؛ قال الله تعالى: ? وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ? [الأنبياء: 25]. وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله سبحانه وتعالى أن يُعبد وحده لا شريك له [1].

 

فما من أمة إلا وبعث الله تعالى فيها رسولًا، والدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى أول ما دعا إليه الرسل أقوامهم، وإن دعوتهم جميعًا متفقة على هذا الأمر؛ قال تعالى: ? وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ? [النحل: 36].

 

ففي الآية الكريمة يخبرنا الله تعالى أنه بيَّن للأمم على ألسنة الرسل عليهم الصلاة السلام، أنَّه يأمرهم بعبادته واجتناب عبادة الأصنام [2].

 

وقد شرع الله تعالى لهذه الأمة من الدين ما شرعه لغيرها من الأمم السابقة لها قال الله تعالى: ? شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ? [الشورى: 13].

 

فلم يبعث الله عز وجل نبيًّا إلا أوصاه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والإقرار لله سبحانه وتعالى بالطاعة له، فذلك دينه الذي شرع لهم [3].

 

فاتفقت جميع الشرائع على إثبات التوحيد على الرغم من كثرة عدد الرسل المرسلين - عليهم الصلاة والسلام - وكثرة كتب الله عز وجل التي أنزلها عليهم [4].

 

فالدين الذي جاءت به الرسل كلهم من لدن نوح عليه السلام إلى خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو عبادة الله وحده لا شريك له؛ كما في حديث أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فِي الْأُولَى وَالآخرة»، قَالُوا: كَيْفَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ[5]، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ» [6].

 

فالأنبياء متفقون في أصول التوحيد، فأصل إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة، فإنهم متفقون في أصول التوحيد، وأما فروع الشرائع، فوقع فيها الاختلاف [7].

 

ومما لا شك فيه أن جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومنهم نبي الله نوح عليه السلام:

فقد بعث الله عز وجل نوحًا عليه السلام نبيًّا ورسولًا؛ ليدعو قومه لعبادة الله وتوحيده، فكانت أول دعوته غرس أصول العقيدة في نفوس قومه؛ قال الله تعالى: ? لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ? [الأعراف: 59].

 

وقد استجاب نبي الله نوح عليه السلام لأمر الله تعالى له وبلغ الرسالة التي أمره بأدائها، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى، هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ لاَ مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ، فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم وَأُمَّتُهُ، فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَالوَسَطُ العَدْلُ»[8].

 

فبلغ نبي الله نوح عليه السلام رسالة ربه سبحانه وتعالى على هدى وبصيرة، ودعا الناس إلى الدين الحق، وقد سلك عليه السلام منهجًا قويمًا في دعوته، والمتدبر في الآية يلحظ أنها اشتملت على ثلاثة أصول:

1- أنه عليه السلام أمر قومه بعبادة الله وحده لا شريك له: ? فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ?، اعبدوا الله الذي لا معبود بحق غيره، وتذللوا له بالطاعة، واخضعوا له بالاستكانة، واتركوا عبادة ما سواه من الأنداد، والآلهة، فإنه ليس لكم معبود يستوجب عليكم العبادةَ غيرُه [9].

 

2- أنه عليه السلام أبطل ما كانوا عليه من الشرك، وعبادة الأصنام من دون الله تعالى، وأقر بالتوحيد، فقال لهم: ? أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ?.

 

3- خوَّفهم نبي الله نوح عليه السلام بعذاب يوم القيامة، إن لم يفعلوا ما يأمرهم به من توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له: ? إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ? [هود: 26].

 

ومن المعلوم أن نوحًا عليه السلام هو أول أُولي العزم وديانته أقدم الديانات، وكانت فيها عقيدة الحساب والجزاء، وخاف نبي الله نوح عليه السلام على قومه ما ينتظرهم فيه من عذاب، وقد أظهر نبي الله نوح عليه السلام الشفقة عليهم، وأشْعَرهم برحمته لهم، وخوفه عليهم من العذاب، ولذا يدعوهم إلى الإيمان بالله وحده، وترك عبادة غيره تعالى بقوله: ? قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ? [نوح: 2، 3]، فرغَّبهم، ورهَّبهم واستخدم عليه السلام أفضل الألفاظ، وتلطف في الحديث، فلم يقل لهم يا أيها الكافرون، وكذلك لم ينفرهم ويهددهم بالعذاب بادئ ذي بدئ [10]. وأوضح نبي الله نوح عليه السلام لقومه أمر دعوته، وأنه صاحب رسالة يريد الخير والنجاة لهم [11].

 

فينبغي على الداعي أن يقتدي بنبي الله نوح عليه السلام، فيكون حليمًا، رفيقًا بالناس، بعيدًا عن الشدة والانفعال، يعظهم بالحكمة ويجادلهم بالتي هي أحسن، ليِّن الجانب، لكنه في نفس الوقت شديد عند انتهاك حرمات الله.

 

وهكذا تتحدد الأصول الثلاثة لدعوة نبي الله نوح عليه السلام بأنه: لا إله إلا الله، وما دام لا إله غيره، فلا يعبد بحق سواه، وعبادته تكون بطاعة ما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، فإن لم نفعل فهناك عذاب عظيم ينتظرنا.

 

فمن الواجب على الداعية إلى الله عز وجل أن يبدأ دعوته بالتوحيد لبناء العقيدة الصحيحة في نفوس الأجيال، ثم الانتقال إلى التكاليف الأخرى، ويتلطف في كلامه مع من يدعوهم حتى يَقبلوا حواره ودعوته، ولقد بذل نبي الله نوح عليه السلام أقصى جهده في سبيل هداية قومه وإصلاحهم، فاستحقَّ من خلاله أن يكون قدوة طيبة، وأسوة حسنة للدعاة إلى الله، والمخلصين على مر العصور إلى يوم القيامة.




[1] تفسير القرآن العظيم: ابن كثير، ج1 ص209.

[2] التحرير والتنوير: الطاهر بن عاشور، ج 14 ص 149.

[3] معالم التنزيل في تفسير القرآن: البغوي، ج4 ص141.

[4] إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني. ص5، المحقق: جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية – لبنان، ط1، 1404هـ - 1984م.

[5] أولاد العلات: الذين أمهاتهم مختلفة وأبوهم واحد، وأراد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة. [ انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: لابن الأثير. ج3 ص291].

[6] صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قَوْلِ اللَّهِ: ? وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا ? [مريم: 16]، ج4 ص167، رقم ح3443، وفي صحيح مسلم: كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى ابن مريم، ج4 ص1837، رقم ح2365، (واللفظ لمسلم).

[7] شرح صحيح مسلم: النووي، ج15 ص120.

[8] صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله عز وجل: ? وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ ? [هود: 25]، ج4 ص 134، رقم ح، وفي سنن ابن ماجه: كتاب الزهد باب صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ج5 ص347، رقم ح4283.

[9] جامع البيان في تأويل القرآن: ابن جرير الطبري، ج12 ص498.

[10] التحديات المواجهة للدعوة من خلال سورة نوح: أ/ كائنات محمود عدوان، ص1023-1024، بحث مقدم لمؤتمر الدعوة الإسلامية ومتغيرات العصر، الجامعة الإسلامية غزة، كلية أصول الدين، 16-17 أبريل2005م؛ (بتصرف).

[11] أصول الدعوة الإسلامية في سورة نوح: د/ عصام زهد، ص20 بحث مقدم لمؤتمر الدعوة الإسلامية ومتغيرات العصر، الجامعة الإسلامية غزة، كلية أصول الدين، 16-17 أبريل2005م.


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook