رب عمل صغير تكبره النية

الكاتب: المدير -
رب عمل صغير تكبره النية
"رب عمل صغير تكبره النية

 

كتب الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله عام ???? (أي قبل مائة عام من الآن) مقالَ نعي وثناء في صحيفته المنار على رجل مصري توفي اسمه محمد وهبي رحمه الله، رجل من عامة المسلمين ومن المغمورين، وكان شغله الشاغل وهمه الأكبر جمع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وجمع النوادر منها، والبحث عن المخطوط، حتى إنه لم يوجد في زمانه مثله في هذا الشأن، حفظًا للعلم، وصيانة لها من الاندثار، ثم لقي الله على ذلك، فنُعي في صحيفة المنار ومَن (صاحبها نفسه)، وكان للخبر والمقال في الصحيفة وزن وقيمة كبيرة في الساحة المصرية ذلك الحين!

 

عجبًا كيف رفع الله ذكره وأحيا اسمه؟!

تأمَّل: هو لم يحقق ولم يعلًّق ولم يدرس، ولم يكن عالِمًا ولا دكتورًا في مركز بحثي أو جامعة عريقة يشار إليه بالبنان، وتتزاحم الأكتاف لحضور محاضراته، وتشرئبُّ الأعناق لرؤيته ونيل شرف توقيعه على كتابه الأكثر مبيعًا!

 

إننا فقط - وحال من قرأ الخبر في حينه - نَحسَبه والله حسيبُه إنما دفَعه إلى فعله الإخلاص ومحبة العلماء الصادقين الذين يصدُق فعلُهم قولَهم.

 

وهناك نماذج أخرى عبر التاريخ لم يكن لها الذيوع والشهرة بين الخلق، لكنهم عند الخالق محبوبون مكرَّمون، صوتهم معروف من عباد معروفين جهِلهم الخلقُ، لكن الله يعلمهم، ? ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ? [المائدة: 54].

 

يمر بالأذهان القصة الشهيرة في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما نعى السائب بن الأقرع شهداءَ المسلمين في معركة نهاوند، فعد أسماءً من أعيان الناس وأشرافهم، ثم قال السائب: وآخرون من أفناء الناس لا يعرفهم أمير المؤمنين، فبكى عمر، وقال: وما ضرَّهم ألا يعرفهم عمر، إن الله يعرِفهم.

 

وهنا نصيحة لنفسي ولبعض الشباب المتحمس للظهور الإعلامي، أو نشر كتاب، أو تصدُّر مجلس للفتوى أو للعلم قبل أوانه، وساعة نضوجه، وينسى أن للصدارة ضريبتها الكبيرة، وكما قيل: الظهور يَقصِمُ الظهور.

 

فالروية والاستشارة والْمُلأة من العلم والحكمة مطلب، وقبلها طلب العون من الله أن يرزُقَه الإخلاص والقبول.

 

أي: أخي لا تقطف الثمرة قبل نُضجها، ولا تُخلِ المركب قبل بلوغ الشاطئ، ولا تترجل القطار قبل وصول المحطة، ولا أعني من كلماتي هذه السلبية والانطوائية والانكفاء على النفس، وكتمان ما تعلم،

وعدم التبليغ في حدود العلم والمعرفة، فالحديث الشريف أرشدنا: (بلِّغوا عني ولو آية).

 

إنما مقصدي أن اذا أردت الرباط في ثغرة الإعلام والنشر، وأردت تصدرًا للمجالس للفتوى والتعليم،

 

فالميدان له رجاله وأفذاذه، فكن مستعدًّا متسلحًا بالعلم، متدرعًا بالإخلاص، متحملًا مشقةَ مهنة المتاعب الإعلام مجاهدًا النفس عالِمًا من قرارتك أن الحياة رحلة تعلم كبيرة مستمرة من المهد إلى اللحد، لا تستصغر من يعلمك، ولا تستكبر من نفسك أن تتعلم، ثابت الموقف، لا تُطربك كلمات الثناء، فتزيد العمل إحسانًا، ولا تُحبطك كلمات النقد الجارح المثبط، فتتركه نكولًا وإحجامًا.

 

ملمح مهم نستلهمه من مقدمتنا، وهو عليك ألا تقلق على عملك المتواضع المغمور محدود الأثر في نظرك القاصر، إذا صاحبَه الإخلاص والمتابعة، ? وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ? [الرعد: 17].

 

فعليك بذر الحب لا قطف الجنى *** والله للساعين خيرُ مُعينِ

 

إنما ينبغي أن تجاهد نيتك إذا عملت كثيرًا وكبيرًا، ورآه الناس وأثنوا وأُعجبوا وأطْروا، هنا مكمن الانزلاق في الفتنة بين نوازع النفس للظهور وحب الثناء والعُجب، وبين إبقاء العمل خالصًا، ودفع نزغات الشيطان المحبطة للعمل، المرغِّبة في زيادة الثناء، أو المحجمة للعمل بدثار دفعٍ للرياء.

 

ونتيقَّن أن العمل الصالح كما قرَّره أهل العلم له شرطان: الإخلاص والمتابعة، هاذان معياران أساسيان لكل عمل صالح ترجو ثوابه عند الله أن يسلم من شوائب الرياء والعجب، وحب الظهور وإطراء الناس، ويكون متابعًا لسنة سيد المرسلين على منهجه القويم، متلمسًا سنته في كل أمر وكل فعل، وكل تقرير، محققًا قوله تعالى: ? وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ? [النور: 54]، وقوله: ? وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ? [آل عمران: 132].

 

وقوله عليه الصلاة والسلام: (مَن عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رد)؛ أي: مردود عليه لعدم المتابعة له والاقتداء به عليه الصلاة والسلام، فإذا انتفت الشروط وحلت موانع القبول، فالتذكرة ماثلة أمامنا في قوله تعالى: ? فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ? [الرعد: 17]، ومتمثلةٌ في تشبيهه تعالى أعمالَ الكفار الخالية من عوامل القبول؛ في قوله: ? كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ? [إبراهيم: 18].

 

قال أحمد رفيق المهدوي:

فإذا أحب الله باطنَ عبده
ظهَرتْ عليه مواهبُ الفتَّاحِ
وإذا صفَت لله نيةُ مصلحٍ
مال العبادُ عليه بالأرواحِ

 

وخلاصة القول:

إن النيات مطايا، والإخلاص عزيز، وجهاد النفس عزيمة العمر لا رخصة فيه.


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook