رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. فما الصدق؟

الكاتب: المدير -
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. فما الصدق؟
"رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
فما الصدق؟




إن للكلمات معانٍ في ألفاظها ومعانٍ في معانيها.. وأقصد الفرقَ بين حَرفية اللفظ ودلالته.. وحديثنا عن الرجولة موجه منذ البداية إلى مفهومها الدلالي، والذي لا يجدي نفعاً أن ترسم حدوده كلمات قلائل.. فالرجولة معنىً سامٍ استخدمه اللغة في بعض مواضعه للإشارة إلى خصائص يتفرد بها إنسان ما، ليبلغ درجة التكريم الإلهي الذي اختصه به الحق تعالى.. قلت إن الكلمات لاتصف هذا الارتقاء في تحمل مسؤولية الحق والوقوف جبلا شامخا في وجه أي محاولة لاهتزازه..

 

إنه أهم معاني الرجولة، وهي التي تنتظم كثيراً من معاني الأخلاق الرفيعة والقيم الراقية.. فالفرد من الناس حين لا يرضى إلا الأنوثة في امرأته فهو ذكر، ولكن حين يرفع قواعد بيت صالح بكل ما يكلفه ذلك؛ فهو الرجل حقاً.. والشاب حين تجرى به الدنيا في ملاهيها ولا يعرف من عمره إلا اللذات.. يتبعها حيث كانت؛ فهو التائه الضائع لا شك، ولكن حين يدرك ما خلق له من الاستعداد عقلا وجسما وقلبا وروحا لمهمة إصلاح العالم وهدايته؛ فهو الفتى (من معنى الفتوة) اليوم، والرجل غدًا.. وعلى هذا تقاس المعاني، ولكن من يعقل قليل.. وقد آنستنا سير البطولة بنساء الواحدة فيهن بألف رجل.. بل وأطفال أكثر رجولة من الكثيرين فينا...

 

إن القرآن العظيم تحد ث عن الرجولة - بمعناها الدلالي - أكثر من مرة؛ ليربط الأذهان دائما بمقاييس الرجولة في الإسلام. ومن تلك المرات التي يتحدث فيها عن الرجولة الحقة، والتي تنبع من الإيمان بمبدأ الحق، واليقين بنصرته، وتفرز البطولات التي لا تنتهي رفعة للحق على أرض الواقع... يقول تعالى: ? وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ? [الأحزاب: 23، 24].

 

في غزوة الأحزاب للسنة الخامسة من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم.. وقد تجمعت كل قوى الشر؛ تريد الانقضاض على الإسلام للمرة الأخيرة لتبيده تماما وتمحوه من على وجه البسيطة.. والرسول والمؤمنون معه يحتمون بخندق صنعوه حول المدينة.. الحقيقة أن الإيمان كان يجمعهم خلف الخندق في خندق واحد..

 

(وقد كان أحرج موقف يقفه المسلمون، فلم يكن يحول بينهم وبين قريظة شيء يمنعهم من ضربهم من الخلف، بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم يكونوا يستطيعون الانصراف عنه، وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء الغادرين في غير منعة وحفظ، وصاروا كما يقول الله تعالى: ? وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ? [الأحزاب: 10، 11]. ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وحتى قال بعض آخر في ملأ من رجال قومه: إن بيوتنا عورة من العدو، فأذن لنا أن نخرج، فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج المدينة، وحتى همت بنو سلمة بالفشل وفي هؤلاء أنزل الله تعالى: ? وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ? [الأحزاب: 12، 13]). إلى هذا الحد كان الموقف عصيباً، (أما رسول الله صلّى الله عليه وسلم فتقنع بثوبه حين أتاه غدر قريظة، فاضطجع ومكث طويلا، حتى اشتد على الناس البلاء، ثم غلبته روح الأمل، فنهض يقول: «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره»)[1]. في هذا الموقف يُبتلى المؤمنون، وتظهر المعادن الأصلية للرجال.. هنا اختبار المتانة لصناعة الرجولة الإسلامية.. هنا يظهر للدنيا كلها جيلا من الرجال تربى في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ليعلّم الدنيا معنى البطولة.. جيل مرسوا الابتلاءات والمحن حتى صقلتهم كما تصقل النار الذهب.. امتحن الله صدق إيمانهم؛ فما كان منهم إلا النجاح بامتياز.. حين تعلموا القرآن، وسمعوا الله فيه يقول ? أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ? [البقرة: 214].. وعوا الدرس جيدا، فكان الثبات والرجولة.. ? وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ? [الأحزاب: 22].. هذا هو طريق الصادقين.. والسؤال لنا اليوم، ماذا لو كنا مكانهم؟!

 

من المؤمنين رجال.. منهم.. وليس كل مؤمن يستحق معنى الرجولة.. فإن مجرد الإيمان بمعناه المجرد في التصديق لا يكفى لصنع رجل على الطريقة الإسلامية.. ولذلك شدد أهل الحق على أن الإيمان اعتقاد يصدقه القول والعمل.. وإلا فهو ادعاء أجوف ليس له على أرض الحياة دليل.. وكم اقترن العمل بالإيمان في آيات القرآن.. ? وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ? [الأنعام: 33].

 

? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ? [الأحزاب: 23].. الصدق أصعب صفات الرجولة وأشقه على النفس، ولذا أفرده المحققون بالعناية، وأولوه من نفوسهم الرعاية..

 

فصل في الصدق:

قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله سبحانه وتعالى- في إحياءه: (اعلم أن لفظ الصدق يستعمل في ستة معان صدق في القول، وصدق في النية والإرادة، وصدق في العزم، وصدق في الوفاء بالعزم، وصدق في العمل، وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها. فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صديق لأنه مبالغة في الصدق. ثم هم أيضاً على درجات فمن كان له حظ في الصدق في شيء من الجملة فهو صادق بالإضافة إلى ما فيه صدقه.

 

الصدق الأول: صدق اللسان، وذلك لا يكون إلا في الإخبار أو فيما يتضمن الإخبار وينبه عليه، والخبر إما أن يتعلق بالماضي أو بالمستقبل.. وفيه يدخل الوفاء بالوعد، والخلف فيه، وَحَقٌّ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَنْ يَحْفَظَ أَلْفَاظَهُ فلا يتكلم إلا بالصدق وهذا هو أشهر أنواع الصدق وأظهرها، فمن حفظ لسانه عن الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه فهو صادق، ولكن له كمالان:

فالكمال الأول: في اللفظ أن يحترز عن صريح اللفظ بالكذب، وعن المعاريض أيضاً إلا عند الضرورة.

 

والكمال الثاني: أَنْ يُرَاعِيَ مَعْنَى الصِّدْقِ فِي أَلْفَاظِهِ الَّتِي يُنَاجِي بِهَا رَبَّهُ كَقَوْلِهِ ? وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ? [الأنعام: 79] فَإِنَّ قَلْبَهُ إِنْ كَانَ مُنْصَرِفًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَشْغُولًا بِأَمَانِي الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهِ فَهُوَ كَذِبٌ. وكقوله ? إِيَّاكَ نَعْبُدُ ? [الفاتحة: 5] وقوله أَنَا عَبْدُ اللَّهِ فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَّصِفْ بِحَقِيقَةِ الْعُبُودِيَّةِ وَكَانَ لَهُ مَطْلَبٌ سِوَى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ صِدْقًا؛ وَلَوْ طُولِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالصِّدْقِ فِي قَوْلِهِ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ لعجز تَحْقِيقِهِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ عَبْدًا لِنَفْسِهِ، أَوْ عَبْدًا لِدُنْيَا، أَوْ عَبْدًا لِشَهَوَاتِهِ لَمْ يَكُنْ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ. وكُلُّ مَا تَقَيَّدَ الْعَبْدُ به فهو عبد له كما قال عيسى عليه السلام يا عبيد الدنيا، وقال نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعِسَ عَبْدُ الدُّنْيَا وتعس عبد الدرهم وعبد الحلة وعبد الخميصة فسمى كُلَّ مَنْ تَقَيَّدَ قَلْبُهُ بِشَيْءٍ عَبْدًا لَهُ. وَإِنَّمَا الْعَبْدُ الْحَقُّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ أعتق أولاً من غير الله تعالى فصار حراً مطلقاً، فإذا تقدمت هذه الحرية صار القلب فارغاً فحلت فيه العبودية لله فتشغله بالله وبمحبته، وتقيد باطنه وظاهره بطاعته؛ فلا يكون له مراد إلا الله تعالى، ثم تجاوز هذا إلى مقام آخر أسنى منه يسمى الحرية وهو أن يعتق أيضاً عن إرادته لله من حيث هو بل يقنع بما يريد الله له من تقريب أو إبعاد فتفنى إرادته في إرادة الله تعالى، وهذا عبد عتق عن غير الله فصار حراً ثم عاد وعتق عن نفسه فصار حراً وصار مفقوداً لنفسه موجوداً لسيده ومولاه؛ إن حركه تحرك، وإن سكنه سكن، وإن ابتلاه رضي لم يبق فيه متسع لطلب والتماس واعتراض؛ بل هو بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل وهذا منتهى الصدق في العبودية لله تعالى. فالعبد الحق هو الذي وجوده لمولاه لا لنفسه وهذه درجة الصديقين. وأما الحرية عن غير الله فدرجات الصادقين، وبعدها تتحقق العبودية لله تعالى، وما قبل هذا فلا يستحق صاحبه أن يسمى صادقاً ولا صديقاً فهذا هو معنى الصدق في القول.

 

الصدق الثاني: فِي النِّيَّةِ وَالْإِرَادَةِ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى الْإِخْلَاصِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ بَاعِثٌ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ مَازَجَهُ شَوْبٌ مِنْ حُظُوظِ النَّفْسِ بَطَلَ صِدْقُ النِّيَّةِ، وصاحبه يجوز أن يسمى كاذباً كما روينا في فضيلة الإخلاص من حديث الثلاثة حين يسئل العالم ما عملت فيما علمت؟ فقال: فعلت كذا وكذا، فقال الله تعالى: كذبت بل أردت أن يقال فلان عالم. فإنه لم يكذبه ولم يقل له لم تعمل ولكنه كذبه في إرادته ونيته. وقد قال بعضهم الصدق صحة التوحيد في القصد.

 

وكذلك قول الله تعالى والله يشهد إن المنافقين لكاذبون وقد قالوا إنك لرسول الله وهذا صدق ولكن كذبهم لا من حيث نطق اللسان بل من حيث ضمير القلب وكان التكذيب يتطرِق إلى الخبر. وهذا القول يتضمن إخباراً بقرينة الحال، إذ صاحبه يظهر من نفسه أن يعتقد ما يقول فكذب في دلالته بقرينة الحال على ما في قلبه، فإنه كذب في ذلك، ولم يكذب فيما يلفظ به فيرجع أحد معاني الصدق إلى خلوص النية وهو الإخلاص فكل صادق فلا بد وأن يكون مخلصاً.

 

الصدق الثالث: صدق العزم، فإن الإنسان قد يقدم العزم على العمل؛ فيقول في نفسه (إن رزقني الله مالاً تصدقت بجميعه أو بشطره ) أو (إن لقيت عدواً في سبيل الله تعالى قاتلت ولم أبال وإن قتلت) (وإن أعطاني الله تعالى وِلَايَةً عَدَلْتُ فِيهَا وَلَمْ أَعْصِ اللَّهَ تَعَالَى بظلم وميل إلى خلق)، فهذه العزيمة قد يصادفها من نفسه وهي عزيمة جازمة صادقة، وقد يكون في عزمه نوع ميل وتردد وضعف يضاد الصدق في العزيمة.. فكان الصدق ههنا عبارة عن التمام والقوة كما يقال لفلان شهوة صادقة، ويقال هذا المريض شهوته كاذبة إذا لم تكن شهوته عن سبب ثابت قوي أو كانت ضعيفة، فقد يطلق الصدق ويراد به هذا المعنى. والصادق والصديق هُوَ الَّذِي تُصَادِفُ عَزِيمَتُهُ فِي الْخَيْرَاتِ كُلِّهَا قُوَّةً تَامَّةً لَيْسَ فِيهَا مَيْلٌ وَلَا ضَعْفٌ ولا تردد؛ بل تسخو نفسه أبداً بالعزم المصمم الجازم على الخيرات وهو كما قال عمر رضي الله عنه: (لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر رضي الله عنه) فإنه قد وجد من نفسه العزم الجازم والمحبة الصادقة بأنه لا يتأمر مع وجود أبي بكر رضي الله عنه، وأكد ذلك بما ذكره من القتل.

 

ومراتب الصديقين في العزائم تختلف فقد يصادف العزم ولا ينتهي به إلى أن يرضى بالقتل فيه؛ ولكن إذا خلي ورأيه لم يقدم، ولو ذكر له حديث القتل لم ينقض عزمه.. بل في الصادقين والمؤمنين من لو خير بين أن يقتل هو أو أبو بكر كانت حياته أحب من حياة أبي بكر الصديق.

 

الصدق الرابع: فِي الْوَفَاءِ بِالْعَزْمِ، فَإِنَّ النَّفْسَ قَدْ تَسْخُو بِالْعَزْمِ فِي الْحَالِ إِذْ لَا مَشَقَّةَ فِي الوعد والعزم، والمؤنة فِيهِ خَفِيفَةٌ.. فَإِذَا حُقَّتِ الْحَقَائِقُ وَحَصَلَ التَّمَكُّنُ وَهَاجَتِ الشَّهَوَاتُ انْحَلَّتِ الْعَزِيمَةُ وَغَلَبَتِ الشَّهَوَاتُ، وَلَمْ يَتَّفِقِ الْوَفَاءُ بِالْعَزْمِ. وَهَذَا يُضَادُّ الصِّدْقَ فِيهِ.. وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عاهدوا الله عليه فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أنس أَنَّ عَمَّهُ أنس بن النضر لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى قَلْبِهِ وَقَالَ أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غِبْتُ عَنْهُ أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَرَانِي اللَّهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ قَالَ فَشَهِدَ أُحُدًا فِي الْعَامِ الْقَابِلِ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ يا أبا عمرو إِلَى أَيْنَ فَقَالَ وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا دُونَ أُحُدٍ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مَا بَيْنَ رمية وضربة وطعنة فقالت أخته بنت النضر مَا عَرَفْتُ أَخِي إِلَّا بِثِيَابِهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مصعب بن عمير وقد سقط على وجهه يوم أحد شهيداً وكان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وقال فضالة بن عبيد سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول الشهداء أربعة رجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوته قال الراوي فلا أدري قلنسوة عمر أو قلنسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل جيد الإيمان إذا لقي العدو فكأنما يضرب وجهه بشوك الطلح أتاه سهم عاثر فقتله فهو في الدرجة الثانية ورجل مؤمن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذاك في الدرجة الثالثة ورجل أسرف على نفسه لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذلك في الدرجة الرابعة. فَجَعَلَ الْعَزْمَ عَهْدًا وَجَعَلَ الْخُلْفَ فِيهِ كَذِبًا والوفاء به صدقاً.

 

وهذا الصدق أشد من الصدق الثالث فإن الناس قد تسخو بالعزم ثم تكيع عند الوفاء لشدته عليها ولهيجان الشهوة عند التمكن وحصول الأسباب.

 

الصدق الخامس: فِي الْأَعْمَالِ، وَهُوَ أَنْ يَجْتَهِدَ حَتَّى لَا تَدُلَّ أَعْمَالُهُ الظَّاهِرَةُ عَلَى أَمْرٍ فِي بَاطِنِهِ لا يتصف هو به؛ لا بأن يترك الأعمال ولكن بأن يستجر الباطن إلى تصديق الظاهر. وهذا مخالف ما ذكرناه من ترك الرياء لأن المرائي هو الذي يقصد ذلك، ورب واقف على هيئة الخشوع في صلاته ليس يقصد به مشاهدة غيره، ولكن قلبه غافل عن الصلاة، فمن ينظر إليه يراه قائما بين يدي الله تعالى، وهو بالباطن قَائِمٌ فِي السُّوقِ بَيْنَ يَدَيْ شَهْوَةٍ مِنْ شهواته.. فهذه أعمال تعرب بلسان الحال عن الباطن إعرابا هو فيه كاذب، وهو مطالب بالصدق في الأعمال، وكذلك قد يمشي الرجل على هيئة السكون والوقار وليس باطنه موصوفاً بذلك الوقار فهذا غير صادق في عمله؛ وإن لم يكن ملتفتاً إلى الخلق ولا مرائياً إياهم. ولا ينجو من هذا إلا باستواء السَّرِيرَةِ وَالْعَلَانِيَةِ بِأَنْ يَكُونَ بَاطِنُهُ مِثْلَ ظَاهِرِهِ أو خيراً من ظاهره. إذن مخالفة الظاهر للباطن إن كانت عن قصد سميت رياء ويفوت بها الإخلاص، وإن كانت عن غير قصد فيفوت بها الصدق.

 

قال يزيد بن الحارث: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته فذلك النصف، وإن كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل، وإن كانت علانيته أفضل من سريرته فذلك الجور.

 

وقال عطية بن عبد الغافر: إذا وافقت سريرة المؤمن علانيته باهى الله به الملائكة يقول هذا عبدي حقاً. وقال عبد الواحد بن زيد: كان الحسن إذا أمر بشيء كان من أعمل الناس به، وإذا نهي عن شيء كان من أترك الناس له، ولم أر أحداً قط أشبه سريرة بعلانية منه. وكان أبو عبد الرحمن الزاهد يقول: إلهي عاملت الناس فيما بيني وبينهم بالأمانة، وعاملتك فيما بيني وبينك بالخيانة ويبكي. وقال أبو يعقوب النهر جوري: الصدق موافقة الحق في السر والعلانية. فإذن مساواة السريرة للعلانية أحد أنواع الصدق.

 

الصدق السادس: وهو أعلى الدرجات وأعزها الصدق في مقامات الدين كالصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل والحب وسائر هذه الأمور، فإن هذه الأمور لها مباد ينطلق الاسم بظهورها ثم لها غايات وحقائق والصادق المحقق من نال حقيقتها وإذا غلب الشيء وتمت حقيقته سمي صاحبه صادقاً فيه كما يقال فلان صدق القتال، ويقال هذا هو الخوف الصادق وهذه هي الشهوة الصادقة.

 

وقال الله تَعَالَى ? إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ? [الحجرات: 15]- إلى قوله -? أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ? [الحجرات: 15]. وقال تعالى ? وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ? [البقرة: 177]- إلى قوله- ? أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ? [البقرة: 177].

 

ولنضرب للخوف مثلاً فما من عبد يؤمن بالله واليوم الآخر إلا وهو خائف من الله خوفاً ينطلق عليه الاسم، ولكنه خوف غير صادق أي غير بالغ درجة الحقيقة.. أما تراه إذا خاف سلطاناً أو قاطع طريق في سفره كيف يصفر لونه، وترتعد فرائصه، ويتنغص عليه عيشه، ويتعذر عليه أكله ونومه، وينقسم عليه فكره حتى لا ينتفع به أهله وولده، وقد ينزعج عن الوطن فيستبدل بالأنس الوحشة، وبالراحة التعب، والمشقة والتعرض للأخطار كل ذلك خوفاً من درك المحذور؟! ثم إنه يخاف النار ولا يظهر عليه شيء من ذلك عند جريان معصية عليه! ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لم أر مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها . فالتحقيق في هذه الأمور عزيز جداً، ولا غاية لهذه المقامات حتى ينال تمامها، ولكن لكل عبد منه حظ بحسب حاله إما ضعيف وإما قوي، فإذا قوي سمي صادقاً فيه.

 

فمعرفة الله تعالى وتعظيمه والخوف منه لا نهاية لها...، وكذلك الصحابة كانوا خائفين وما كانوا بلغوا خوف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما: لن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تنظر الناس كلهم حمقى في دين الله.

 

وقال مطرف: ما من الناس أحد إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه، إلا أن بعض الحمق أهون من بعض.... فالصادق إذن في جميع هذه المقامات عزيز، ثُمَّ دَرَجَاتُ الصِّدْقِ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَقَدْ يَكُونُ لِلْعَبْدِ صِدْقٌ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي الْجَمِيعِ فَهُوَ الصديق حقاً. قال سعد بن معاذ: ثلاثة أنا فيهن قوي وفيما سواهن ضعيف. ما صليت صلاة منذ أسلمت فحدثت نفسي حتى أفرغ منها، ولا شيعت جنازة فحدثت نفسي بغير ما هي قائلة وما هو مقول لها حتى يفرغ من دفنها، وما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول قولاً إلا علمت أنه حق، فقال ابن المسيب ما ظننت أن هذه الخصال تجتمع إلا في النبي صلى الله عليه وسلم فهذا صدق في هذه الأمور وكم قوم من جلة الصحابة قد أدوا الصلاة واتبعوا الجنائز ولم يبلغوا هذا المبلغ )[2]ا. هـ.




[1] (الرحيق المختوم - ط دار العصماء دمشق، 1/ 251).

[2] من إحياء علوم الدين للغزالى 4/ 387 - 392 دار المعرفة بيروت. بتصرف واختصار.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook