رحلات ابن كثير في الدعوة وطلب العلم

الكاتب: المدير -
رحلات ابن كثير في الدعوة وطلب العلم
"رحلات ابن كثير في الدعوة وطلب العلم

 

كان علماء المسلمين يحرصون على الرحلة والتنقل بين البلدان طلبًا للعلم، أو من أجل سماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من أجل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام والجهاد في سبيله، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني لم تبلغه الإبل لأتيتُه[1].

 

وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: إن كنت لَأسيرُ في طلب الحديث الواحد مسيرة الليالي والأيام[2].

 

ولأهمية الرحلة في حياة العالم وتحصيله للعلم؛ فإنك قلَّ أن تجد ترجمة لأحد علماء الإسلام ورجاله إلا وتذكُر رحلاته والبلدان التي رحل إليها في طلب العلم، ومع أن ابن كثير رحمه الله له عناية بسماع الحديث وروايته من كبار أئمة الحديث الحفاظ، وإكثاره من ذلك، فإن الذين ترجموا لابن كثير لم يذكُروا من أخبار رحلاته الشيء الكثير، وقد ذكر البعض أن ظهور المدارس ودور القرآن الكريم في البلاد الإسلامية بكثرة منذ القرن السادس الهجري، وتعيينَ أشهر العلماء الحفاظ البارزين في مختلف العلوم الإسلامية في تلك المدارس - أضعَفَ وقلَّل من أهمية الرحلة في طلب العلم وضرورتها القصوى التي كانت موجودة قديمًا، وقد كانت القاهرة ودمشق في عصر المماليك مركزينِ رئيسيين في العالم الإسلامي للعلم والمعرفة والثقافة، وكانتا عامرتين بمئات من العلماء البارزين، الذين وقفوا حياتهم لنشر العلم وتثقيف الأجيال الناشئة، وكان العلماء والطلاب يقصدونهما من جميع أنحاء العالم الإسلامي[3].

 

ويمكن أن نضيف أن دمشق على وجه الخصوص يوجد فيها علماء متميزون، وحفاظ بلغوا مرتبة عالية ومنزلة رفيعة في العلم؛ كالذهبي والمزي والبرزالي وابن الزملكاني وابن القيم... ونحوهم، بل إن بعضهم قد بلغ رتبة الاجتهاد واجتمعت فيه أدواته؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية[4]، وهذا مما جعل ابن كثير يلازم بعضهم ملازمةً طويلة، وتكون بينه وبينهم صُحبة وخصوصية كالمزي وابن تيمية، إضافة إلى ذلك هو محبة ابن كثير لبلده الشام ومدحه لها وثناؤه عليها، وكتابه البداية والنهاية مليء بذلك[5]، بينما تختلف هذه النظرة لغيرها من البلدان الأخرى، فيصف ابن كثير العراق بأنه أرض الشقاق والنفاق[6]، وأرض مصر بأنها أرض الفراعنة والظلم[7].

 

كل ذلك جعل ابن كثير يفضِّل البقاء في الشام، ويقتصر رحلاته على مدنها؛ كالقدس فقد زارها أكثر من مرة[8]، وزار نابلس[9] بطرابلس الشام، وزار بعلبك[10].

 

ومن رحلات ابن كثير رحلتُه لأداء فريضة الحج، وقد ذكر أنه كان في هذه الرحلة جمعٌ كبير من علماء ومشايخ دمشق، يقول: اجتمع في ركبنا هذا أربعمائة فقيه، وأربع مدارس، ودار حديث، وكان معنا من المفتين ثلاثة عشر نفسًا[11].




[1] الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي ص 402، وانظر منهج ابن كثير وجهوده في الدعوة إلى الله، إبراهيم المرشد ص 741 مرجع سابق.

[2] فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، للحافظ العراقي 7/86. وانظر المرجع السابق ص 741.

[3] الإمام ابن كثير سيرته ومؤلفاته، د. مسعود الندوي ص 59-60.

[4] انظر البداية والنهاية 18/298.

[5] فمثلًا حينما أورد حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((ورأت أمِّي حين حبلتْ كأنه خرج منها نور أضاءت له بُصرى من أرض الشام)) الحديث.

قال ابن كثير: وفيه بشارة لأهل محلتنا أرض بصرى، وأنها أول بقعة من أرض الشام خلص إليها نور النبوة ولله الحمد والمنة؛ ولهذا كانت أول مدينة فُتحت من أرض الشام، وكان فتحها صلحًا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه. وقد قَدِمَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مرتين: مرةً في صحبة عمِّه أبي طالب وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وكانت عندها قصة بحيرا الراهب. والثانية ومعه ميسرة مولى خديجة في تجارة لها، وبها مبرك الناقة التي يقال لها: ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم،.... وهي المدينة التي أضاءت أعناق الإبل عندها من نور النار التي خرجت من أرض الحجاز سنة 654ه،ـ وفق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى)). فما أجمل هذا الحب للوطن لدى ابن كثير كما قاله الدكتور صديق جلالي. انظر منهج ابن كثير وموارده في المبتدأ والسيرة، لشمس الدين صديق جلالي ص 1014. رسالة غير منشورة.

[6] ذكر ابن كثير في حوادث سنة 761هـ في وفاة فياض بن مهنا فيقول: أورد الخبر بذلك يوم السبت الثامن عشر منه، فاستبشر بذلك كثير من الناس... لأنه كان قد خرج عن الطاعة ومفارقة الجماعة، فمات ميتة جاهلية بأرض العراق؛ أرض الشقاق والنفاق. 18/606.

[7] يقول تعليقًا على تصرف بعض الأمراء والحكام حينما يريدون معاقبة أحد الدماشقة، فحينئذٍ يستدعونه إلى مصر، ويقومون بمصادرة أمواله ومعاقبته، فيقول ابن كثير: وذلك أنه بلغهم أن من ظلَمَ بالشام لا يفلح، ومن ظلَمَ بمصر أفلح وطالت مدَّته، فكانوا يطلبونهم إلى مصر أرض الفراعنة والظلم، فيفعلون معهم ما أرادوا 17/608 في حوادث سنة 686هـ.

[8] البداية والنهاية 18/234 في حوادث سنة 723هـ، 18/354 في حوادث سنة 733ه.

[9] المرجع نفسه 18/397 في حوادث سنة 737ه.

[10] المرجع نفسه 18/555 في حوادث سنة 754هـ.

[11] المرجع نفسه 18/336 في حوادث سنة 731، وانظر الإمام ابن كثير سيرته ومؤلفاته، د. مسعود الندوي ص 60-62 مرجع سابق.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook