رحلة قلب

الكاتب: المدير -
رحلة قلب
"رحلة قلب

 

ما أجملَ الحُبَّ حين يكون من قلب نقيِّ المشاعر، صادق الإحساس، يُفيض عليك حبَّه بسخاء، لا لشيء إلا لأن الحبَّ سجيتُه وطَبْعُه!

 

ما أجملَ الحبَّ حين يكون من قلب يبذله لكل أحدٍ دون أن ينتظر منه الجزاء، فكيف إذا كان الحُبُّ من قلب علَّمَ البشرية جمعاء فنون الحب وجماله؟! إنه محمد صلى الله عليه وسلم.

 

يُصيبني العجب وتعلُوني الدهشة! وأتساءل: أيمكن أن يُوهب الحب للجماد، فيشعر ويُحِس به؛ بل يفتقد ذلك الحب فيحنُّ إليه، ويتألَّم ويبكي ويشتاق، فإذا ظفر به سكنت الأشواق، وكفْكف الدمع، وتوقَّف عن البكاء؟

تأمَّل هذه القصة التي يرويها لنا جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه، فإن لي غلامًا نجَّارًا قال: ((إن شئت))، قال: فعمِلت له المنبر، فلما كان يوم الجُمعة، قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صُنِع، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت تنشقُّ، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها، فضمَّها إليه، فجَعلت تئنُّ أنين الصبي الذي يُسَكَّتُ حتى استقرَّت، قال: ((بكت على ما كانت تسمع من الذكر))[1].

 

وفي رواية قال: ((أما والذي نفس محمد بيده، لو لم التزمه لما زال هكذا إلى يوم القيامة حزنًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم)) فأمر به فدُفِن[2].

 

لقد أفاض النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الجذع من حُبِّه ورحمته وجميل رعايته، فحُقَّ له أن يذرف الدمع ويجهش بالبكاء على فراق حِبِّه.

يحنُّ الجذع من شوق إليكا
ويذرف دمعَه حُزْنًا عليكا
ويجهش بالبكاء بكاء صَبٍّ
لفَقْد حديثكم وكذا يديكا

 

تخيَّلت مشهده صلى الله عليه وسلم وهو ينزل من المنبر ويفتح ذراعيه؛ ليحتضن ذلكم الجذع بقلبه الرحيم الودود، ويُسكِّن روعه كما تُسكِّنُ الأُمُّ الرؤوم ولدَها الباكي، وتضمُّه إلى صدرها فيشعُر بحبِّها وعطفها وحنانها، فهل عرف التاريخ مثل محمد صلى الله عليه وسلم؟

 

ليس الجِذْع فحسب هو الذي منحهُ محمدٌ صلى الله عليه وسلم الحُبَّ والوداد، فها هو يمُّر بجبل عظيم في حجمه وسواده وصلابته، والحجارة مضرب المثل في القسوة، فيقول عليه الصلاة والسلام: ((أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ))[3].

 

وها هو يدخل حائط رجل من الأنصار، فيَلقى جملًا فيُقبل عليه الجَمَل، ويبثُّ إليه الشكاية، فيبادله صلى الله عليه وسلم الوداد والرحمة والمحبة، يُخبرنا عبدالله بن جعفر رضي الله عنه عن قصة ذلك الجمل، فيقول: دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائطًا لرجل من الأنصار، فإذا فيه ناضِحٌ له، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حَنَّ وذرَفتْ عيناه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمسح ذِفْراه وسَراتَه[4]، فسكن، فقال: ((مَنْ ربُّ هذا الجَمَل؟))، فجاء شابٌّ من الأنصار، فقال: أنا، فقال: ((ألا تتَّقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إيَّاها؛ فإنه شكاكَ إليَّ، وزعم أنك تُجيعه وتُدْئِبُه))[5].

 

إنه قلب محمد صلى الله عليه وسلم الذي عرَفت المخلوقات بفطرتها حبَّه وعطفه ورحمته، فهَفَتْ إليه؛ ليمنحها من حُبِّه، ويزيل عنها الهم والحزن والرهق، هذه حُمَّرة تحلق فوق رأسه، تُرى لماذا تفعل ذلك؟ يكشف لنا ذلك عبدالله بن مسعود رضي الله عنه فيقول: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، ومررنا بشجرة فيها فَرْخا حُمَّرةٍ، فأخذناهما، قال: فجاءت الحُمَّرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تصيح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ فجع هذه بفرْخَيها؟))، قال: فقلنا: نحن، قال: ((فرُدُّوهما))[6].

جاءت إليك حمامةٌ مُشتاقةٌ
تشكُو إليكَ بقلْبِ صَبٍّ واجف
مَنْ أخبرَ الوَرْقاءَ أنَّ مقامكم
حرم وأنَّكَ نُصْرة للخائف

 

قلب يعطف على جذع نخلة يابس، ويُعلن حُبَّه لجبل صَلْد، ويستمع شكاية الجَمَل، وهو يمسح على سنامه وأذنيه، ويرفع المظلمة عن طائر، إذا كان هذا حبه لهذه المخلوقات، فكيف يكون حبُّه لإنسان له جنان؟!

 

كيف سيكون حُبُّه لولده وزوجه وقرابته وأصحابه؟! إنها مدرسة الحب الكبرى، ولعلنا في المقالات القادمة ندلف إلى فنائها، نتجول في فصولها، نتلمَّس نسائم الحب ومعاني الوداد، ونشرب من نَبْعِها الصافي الزُّلال ما يروي عطشَ الظمآن إلى الحب والحنان.




[1] رواه البخاري.

[2] رواه الدارمي بسند صحيح.

[3] رواه البخاري ومسلم.

[4] (ذفراه): الموضع الذي يَعْرَقُ من البعير خلْف الأُذُن، (سراته)؛ أي: سنامه.

[5] رواه الإمام أحمد، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.

[6] / رواه أبو داود والحاكم، وصحَّحه الألباني.


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook