رسائل الوعظ والتذكير

الكاتب: المدير -
رسائل الوعظ والتذكير
"رسائل الوعظ والتذكير




هي التي يتم فيها إيصال الموعظة إلى الموعوظين بدون الالتقاء بهم مباشرة، وإنما عن طريق الرسائل.

وتتسم الرسائل بالبساطة وعدم التكلف، والوضوح في العبارات والمعاني، مع جودتها وقوة سبكها وإيجازها وتناسبها مع عقلية المرسل له.

كما تتضمن الرسائل الدعوية غالباً، الاستشهاد بالنصوص الشرعية، وتدعيم القول بالأدلة، والشواهد من أقوال وكلام أهل العلم، ومحاولة إقناع المخاطبين بالحجج، والبراهين المتنوعة[1].

 

وقد قام النبي - صلى الله عليه وسلم - بإرسال العديد من الرسائل، ومن ذلك:

( الرسالة التي أرسلها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي - رحمه الله تعالى -، وقد حمل تلك الرسالة الصحابي عمرو بن أمية الضمري - رضي الله عنه -.

وعندما قرأ كتاب رسول الله - صلى الله عليه سلم -، دعا النجاشي جعفر بن أبي طالب والمهاجرين - رضي الله عنهم -، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ثم أمر جعفراً يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم، فبكى النجاشي حتى أخضلت لحيته، وبكت أساقفتهم حتى أخضلت لحاهم) [2].

 

كما سار الصحابة - رضي الله عنهم - ومن جاء بعدهم من سلف هذه الأمة على نهج رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - في استخدام الرسائل في الدعوة إلى الله تعالى، ونشر الدين، وهكذا استخدمها الأئمة الأعلام - رحمهم الله تعالى -.

ولاشك أنَّ للرسائل أهمية كبرى في تبليغ الدعوة، ويمكن للدعاة أن يستفيدوا من ذلك بأن تترجم هذه الرسائل إلى لغات عدة، بحسب طبيعة لغة الناس المستهدفين بالدعوة.

 

نماذج للموعظة بالمراسلة من سير الأئمة الأعلام - رحمهم الله تعالى -:

1. رسالة من العالم الرباني الحسن البصري إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - رحمهما الله تعالى -، يحثه على الزهد في الدنيا، وأنها دار بلاء.

يقول: (فإن رأس ما هو مصلحك، ومصلح به على يديك، الزهد في الدنيا، وإنما الزهد في الدنيا باليقين، واليقين بالتفكر، والتفكر بالاعتبار، فإذا أنت تفكرت في الدنيا لم تجدها أهلاً أن تبيع بها نفسك، ووجدت نفسك أهلاً أن تكرمها بهوان الدنيا، فإن الدنيا دار بلاء، ومنزل قُلعة[3]) [4].

 

2. رسالة من الإمام مالك بن أنس إلى الإمام الليث بن سعد - رحمهما الله تعالى -، يظهر فيها الأدب الرفيع، والتواصل بين أهل العلم.

( من مالك بن أنس، إلى الليث بن سعد: سلام عليكم، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعد: عصمنا الله وإياك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا وإياك من كل مكروه. اعلم رحمك الله أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا، وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في إمامتك وفضلك، ومنزلتك من أهل بلدك

وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك، حقيق بأن تخاف على نفسك وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه، فإن الله تعالى يقول في كتابه: ? وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ? [التوبة: 100] [5].

وقال تعالى: ? وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ? [الزمر: 17، 18] [6].

 

فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن، وأحل الحلال وحرم الحرام، إذ رسول الله بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله واختار له ما عنده، - صلوات الله عليه ورحمته وبركاته -. ثم قام من بعده أتبع الناس له من أمته ممن ولي الأمر من بعده، فما نزل بهم مما علموا أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالف أو قال امرؤ غيره أقوى منه وأولى ترك قوله وعمل بغيره، ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبيل ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أر لأحد خلافه، للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون هذا العمل ببلدنا وهذا الذي مضى عليه من مضى منا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم. فانظر رحمك الله فيما كتبت إليك فيه لنفسك، واعلم أني أرجو أن لا يكون دعائي إلى ما كتبت به إليك، إلا النصيحة لله تعالى وحده، والنظر لك والظن بك، فانزل كتابي منك منزلته، فإنك إن فعلت تعلم أني لم آلك نصحاً.وفقنا الله وإياك لطاعته وطاعة رسوله في كل أمر، وعلى كل حال. والسلام عليك ورحمة الله) [7].

 

3. رسالة من سماحة الشّيخ العلامة عبد العزيز بن باز إلى الشّيخ العلاَّمة محبّ الدِّين الخطيب - رحمهما الله -، يُنبِّهُهُ على ملحوظةٍ وردت في مقالٍ نُشر في مجلّة الأزهر الّتي كان يرأسُ تحريرها محبّ الدِّين الخطيب؛ فإليك نصّها:  

بسم الله الرحمن الرحيم

( من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم العلاَّمة الشّيخ محبّ الدِّين الخطيب رئيس تحرير مجلّة الأزهر الغرَّاء وفّقه الله آمين. سلامٌ عليكم ورحمةُ الله وبركاته، أمّا بعد:

فقد اطّلعتُ على الكلمة المنشورة في مجلّتكم الغرّاء عدد ربيع الثّاني سنة 1376هـ صفحة 354 للشّيخ محمّد الطنينحي مدير عامّ الوعظ والإرشاد للجمهوريّة المصريّة؛ حيث يقول في آخرها ما نصّه: قد علمت أنّ الإيمان عند جمهور المحقّقين هو التّصديق بما جاء بهِ النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وهذا التّصديق هو مناط الأحكام الأُخرويّة عند أكثرهم؛ لأنّه هو المقصود مِن غير حاجةٍ إلى إقرارٍ أو غيره؛ فمَن صدَّق بقلبه، ولم يُقرّ بلسانه، ولم يعمل بجوارحه كان مؤمنًا شرعًا عند الله تعالى ومقرّه الجنّة إن شاء الله. انتهى.

فاستغربتُ صُدور هذا الكلام، ونشرَه في مجلّتكم الغرّاء الحافلة بالمقالات العلميّة والأدبيّة النّافعة من جهتين:

إحداهما: صدوره مِن شخصيّةٍ كبيرةٍ تمثّل الوعظ والإرشاد في بلادٍ واسعةِ الأرجاء، كثيرة السّكّان.

والجهة الثّانية: نشره في مجلّتكم وسكوتكم عن التّعليق عليه، وهو كلامٌ كما لا يخفى فيه تفريطٌ وإفراطٌ؛ تفريطٌ في جانب الدين، ودعوةٌ إلى الانسلاخ من شرائعه، وعدم التّقيّد بأحكامه. وإفراطٌ في الإرجاء يظنُّ صاحبه أنّه على هدى، ويزعم أنّه بمجرّد التّصديق قد بلغ الذِّروة في الإيمان، حتّى قال بعضهم: إنّ إيمانه كإيمان أبي بكرٍ وعمرَ بناءً على هذا الأصل الفاسد، وهو أنّ الإيمان مجرّد التّصديق وأنّه لا يتفاضل!

ولاشكَّ أنّ هذا خلاف ما دلَّ عليه القرآن والسّنّة، وأجمع عليه سلف الأمّة. وقد كتبتُ في ردّ هذا الباطل كلمةً مختصرةً تصلكم بِطَيِّهِ، فأرجو نَشرها في مجلّتكم، وأرجو أن تُلاحظوا ما يُنشر في المجلّة من المقالات الّتي يُخشى من نشرها هدم الإسلام، فتُريح الناس من شرّها والرّدّ عليها لأمرين:

أحدهما: أنّ نشر الباطل مِن غيرِ تعليقٍ عليه نوعٌ من ترويجه والدّعوة إليه. والثّاني: أنّه قد يسمع الباطل مَن لا يسمع الرّدّ عليه فيغترّ به، ويَتبع قائله، وربّما سمعهما جميعًا فعشق الباطل وتمكّن من قلبه، ولم يَقْوَ الرّدُّ على إزالة ذلك مِن قلبه، فيبقى النّاشر للباطل شريكاً لقائله في إثمِ مَن ضلَّ به.

عصمني الله وإيَّاكم وسائرَ إخواننا مِن أسباب الضّلال والإضلال، وجعلنا وإيَّاكم مِن الهُداة المهتدين.

وليكن على بالِ فضيلتكم ما ثبتَ في الصّحيح عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: مَن دعا إلى هُدى كان له مِن الأجر مثل أجور مَن تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومَن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه مِن الإثم مثل آثام مَن تبعه لا ينقص ذلك مِن آثامهم شيئًا[8].

والله أعلم، والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته) [9].

 

يتبين من خلال ما سبق:

1. أن هناك طرقاً لإيصال الدعوة إلى كافة الناس، وأنها ليست محصورة في نوعية معينة، بل هي متنوعة بحمد الله تعالى.

وهذا يعطي الداعية حرية ومرونة أكثر في مخاطبة الناس، عالمهم وعاميهم، من خلال إمكان استعمال عدة بدائل وسبل في الدعوة إلى الله تعالى.

2. أن ما تقدم من الرسائل بين العلماء، نماذج حسنة في احترام العلماء بعضهم لبعض، وشدة المراعاة للألفة والمحبة بينهم، والبعد التام عن التحقير والشتم والتقاطع والتدابر، بل كانوا يعرفون لكل عالم حقه، ويقرون له بالفضل، وغايتهم جميعاً الوصول إلى الحق المبين.




[1] الأسس العلمية لمنهج الدعوة الإسلامية، عبد الرحيم المغذوي، ص: 829.

[2] انظر الدرر في اختصار المغازي والسير، أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، تحقيق: د.شوقي ضيف، 1/ 133-134، ط2، 1403هـ، دار المعارف، القاهرة.

[3] يقال هذا منزل قُلعة:إذا لم يكن موضع استيطان، انظر معجم مقاييس اللغة، أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، 5/ 22، ط2، 1420هـ/ 1999م، دار الجيل، بيروت.

[4] الزهد الكبير، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله البيهقي، تحقيق: عامر أحمد حيدر، ص: 150، ط3، 1996م، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت.

[5] سورة التوبة، آية: 100.

[6] سورة الزمر، الآيتان: 17، 18.

[7] ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي، تحقيق: محمد سالم هاشم، 1/ 21، ط1، 1418هـ 1998م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

[8] رواه مسلم، كتاب العلم، باب من سنَّ سنَّة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، 4/ 2060، رقم الحديث ( 2674 ).

[9] جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز، محمد ابراهيم الحمد، ص: 467-469، ط1، 1423هـ2002م، دار ابن خزيمة، الرياض، السعودية.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook