رسالة قديمة من دفتر الرسائل

الكاتب: المدير -
رسالة قديمة من دفتر الرسائل
"رسالة قديمة من دفتر الرسائل




أخي......

أمتعك الله بنعمته عليك، وتولَّاك بحسن معونته لك، وألهمكَ حمدَه، وأوزعَكَ شُكرَه، ومنحَكَ صُنعَه وتوفيقَه، وأكسبَكَ عفوَه وعافيتَه، وأوصلَ إليك رأفتَه ورحمتَه، وصرفَ رغبتَكَ إلى ما خلَصَ عندكَ نفعُه عاجلًا، وحلَّتْ لكَ ثمرتُه آجلًا، وعرَّفَكَ ما في الخيانة والفِرْيَة من الهُجْنَةِ والشَّناعَة، وما في نُكران الفضل وجُحود النِّعمة من العار والتَّبِعَة [1].




وبعد:

فإنك - أيدك الله - كتبتَ إليَّ متعجِّبًا من أمر صاحبك الذي انقلبت حاله، وتغيَّرت أقواله؛ فعادَ يعرف ما كان يراه منكرًا، وينكر ما كان يراه معروفًا، وعلمتُ عجبك وحيرتك مما حلَّ بالرجل، ولمستُ حزنك وأساك لما صار إليه من الضلالة بعد الهدى، والخذلان بعد التوفيق. وقد بلغتني رسالتك وقرأتُها فَزِعًا مذهولًا، ولم أكَدْ أفرُغُ منها حتى فزِعتُ إلى ربِّي أسأله السلامة والعافية، وأستعيذُ به من شرور نفسي وسيِّئات عملي، وأستمنِحُه العزيمة على الرشدِ والثباتَ في الأمر.




وثارت في نفسي أسئلة وأسئلة؛ عن طبائع السُّوءِ؛ كيف تُودي بأهلِها؟! وكيف تُورِدُهم مواردَ الهَلَكَة؟! وعن الذنوب التي لا يُؤبَهُ لها؛ من الكذبِ والحسدِ وبَذاءةِ اللِّسان، وانطِواءِ القلوب على الغش وإرادة الشَّرِّ للمسلمين – كيف تكون أسبابًا للزَّيْغ والضلال؟! ثم عن الهداية والرشاد؛ كيف يسترخصُهما من قلَّ حظُّهُ من تعظيم ربِّه ومخافته، وهانَتْ عليه آخرتُه، وعظُمَت هيبةُ الخلق في نفسِه؟! ثم عن شهوة الكلام وحبِّ مَحْمَدَة الناس وثنائهم؛ كيف يحمِلان الرجلَ على أن يقولَ الباطلَ المحضَ، ويعمَى عن الحق الصُّراح؟!




والموفق - أكرمك الله وسلمك - من وفقه الله، والمعصوم من عصمه، والمهتدي من هداه، ولا يهلك على الله إلا هالك، ? وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ? [فصلت: 46].




واسمع - أسمعك الله الخير - ما يقوله أبو عبد الله ابن قيِّم الجوزية:

((والأسباب المانعة من قَبول الحقِّ كثيرةٌ جدًّا؛ فمنها:

• الجهل به؛ وهذا السببُ هو الغالب على أكثر النفوس؛ فإنَّ مَن جهِلَ شيئًا عاداهُ وعادى أهلَه. فإن انضاف إلى هذا السبب:

• بُغضُ من أمرَه بالحقِّ ومُعاداته له.




• وحسدُه.

كان المانعُ من القَبول أقوى.




فإنِ انْضافَ إلى ذلك:

• إلفُه وعادَتُه ومَرْباهُ على ما كان عليه آباؤه ومن يحبُّه ويعظِّمُه.

قَوِيَ المانعُ.




فإنِ انْضَافَ إلى ذلكَ:

• توهُّمُه أنَّ الحقَّ الذي دُعِيَ إليهِ يحولُ بينَه وبينَ جاهِه وعزِّهِ وشَهواتِه وأغراضِه. قَوِيَ المانعُ منَ القَبولِ جدًّا. فإنِ انْضافَ إلى ذلك:

• خوفُه من أصحابه وعشيرته وقومه على نفسه وماله وجاهه؛ كما وقعَ لهرقلَ ملكِ النصارى بالشام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ازدادَ المانعُ من قَبول الحقِّ قوَّةً...)).




إلى أن يقول رحمه الله ورضي عنه: ومن أعظم هذه الأسباب:

• الحسد؛ فإنَّه داءٌ كامن في النفس، ويرى الحاسدُ المحسودَ قد فضلَ عليه، وأُوتيَ ما لم يُؤتَ نظيرَه، فلا يَدَعُه الحسدُ أن ينقادَ له ويكونَ من أتباعِه. وهل منعَ إبليسَ من السجودِ لآدمَ إلا الحسدُ؟! فإنَّه لمَّا رآهُ قد فُضِّلَ عليهَ ورُفِعَ فوقَه، غَصَّ برِيقِهِ، واختارَ الكفرَ على الإيمان بعدَ أن كانَ بين الملائكة. وهذا الداءُ هو الذي منعَ اليهودَ من الإيمان بعيسى ابن مريم، وقد علموا علمًا لا شكَّ فيه أنَّه رسولُ الله جاءَ بالبيِّنات والهدى؛ فحملَهم الحسدُ على أنِ اختاروا الكفر على الإيمان، وأطبقُوا عليه، وهم أمَّةٌ فيهمُ الأحبارُ والعلماءُ والزهَّادُ والقُضاةُ... هذا، وقد جاءَ المسيحُ بحُكمِ التوراة، ولم يأتِ بشريعةٍ تُخالفُها، ولم يُقاتِلْهم، وإنَّما أتى بتحليل ما حُرِّمَ عليهم تخفيفًا ورحمةً وإحسانًا، وجاءَ مكمِّلًا لشريعة التوراة، ومعَ هذا فاختاروا الكفر كلُّهم على الإيمان، فكيفَ يكونُ حالُهم مع نبيٍّ جاءَ بشريعة مستقلَّة ناسخة لجميع الشرائع، مُبَكِّتًا لهم بقبائحهم، ومناديًا على فضائحهم، ومخرِجًا لهم من ديارهم، وقد قاتلوه وحاربوه، وهو في ذلك كلِّه يُنصَر عليهم، ويَظفَر بهم، ويعلو هو وأصحابُه، وهم معه دائمًا في سِفال، فكيفَ لا يملك الحسدُ والبغيُ قلوبَهم؟! وأين يقعُ حالُهم معه من حالِهم مع المسيح، وقد أطبقوا على الكفر به من بعدِ ما تبيَّن لهم الهدى؟! وهذا السبب وحدَه كافٍ في ردِّ الحقِّ، فكيفَ إذا انْضافَ إليهِ زَوالُ الرِّئاساتِ والمأكلِ كما تقدَّمَ؟!




وقد قالَ المِسْوَرُ بن مَخْرَمَةَ - وهو ابنُ أختِ أبي جهل -: يا خال، هل كنتُم تتَّهمونَ محمدًا قبلَ أن يقولَ ما قال؟ فقال: يا ابن أختي، والله لقد كان محمدٌ فينا صادقًا وهو شابٌّ، يُدعى الأمين، فما جرَّبنا عليه كذبًا قطُّ.




قال: يا خال، فما لكم لا تتَّبعونَه؟!

قال: يا ابن أختي، تنازَعنا نحنُ وبنو هاشم الشرفَ؛ فأطعموا وأطعمنا، وسقَوا وسقَينا، وأجارُوا وأجَرْنا، حتى إذا تجاثَيْنا على الرُّكَبِ وكنَّا كفَرَسَي رِهان، قالوا: منَّا نبي! فمتى نُدرك مثلَ هذه؟!




وقال الأَخْنَسُ بن شَرِيق يومَ بدرٍ لأبي جهل: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمدٍ أصادقٌ هو أم كاذبٌ؟ فإنَّه ليس هاهنا من قريش أحدٌ غيري وغيرك يسمعُ كلامَنا.




فقال أبو جهل: ويحَك! والله إنَّ محمدًا لصادق، وما كذبَ محمدٌ قطُّ؛ ولكن إذا ذهبت بنو قُصَيٍّ باللِّواء والحِجابَة والسِّقايَةِ والنُّبوَّةِ، فماذا يكون لسائر قريش؟!...)).

هداية الحيارى، في أجوبة اليهود والنصارى (ص39-42).




ويقول - قدَّس الله رُوحه – في موضع آخر وهو يعدِّد الأسباب المانعة من الهداية: السبب التاسع:

متابعةُ من يُعادِيهِ منَ الناسِ للرسول، وسبقُهُ إلى الدخولِ في دينِه، وتخصُّصه وقُرْبُه منهُ.




وهذا القدر منع خلقًا كثيرًا منِ اتِّباع الهدى؛ يكونُ للرجل عَدوٌّ يبغضُ مَكَانَهُ، وَلَا يحبُّ أرضًا يمشي، عَلَيْهَا ويقصد مُخَالفَته ومناقَضَتَه، فيراه قدِ اتَّبعَ الحقَّ؛ فيحمِلُه قصدُ مُناقَضَتِه ومُعاداتِه على مُعاداةِ الحقِّ وأهلِه، وإن كَانَ لَا عَداوةَ بَينَه وبينَهم.




وهذا كما جرى لليهود معَ الأنصار؛ فإنَّهم كَانُوا أعداءهم، وكانوا يتواعَدُونَهم بخروج النَّبِيِّ، وأنَّهم يتَّبعونَه ويُقاتِلُونَهم مَعَه، فَلَمَّا بَدَرَهُم إليه الأنصارُ وأسلموا، حملَهُمْ مُعاداتُهم على الْبَقَاء على كفرهم ويهوديَّتِهِم)). مفتاح دار السعادة، ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة (1/ 269-270).




وهذا كلام رجل استنارَ قلبُه بنورِ الشَّرعِ الشريف، وخبرَ أدواءَ النُّفوسِ، وعرفَ طبائعَ الناسِ حقَّ المعرفةِ، فلله درُّه! فإذا عرفت ذلك - شدَّ الله بالتوفيق أزرَك - وعرفت أن تلك الأدواء لا تكاد تخلو منها نفس - تبيَّنَ لكَ شديدُ افتقارِ المؤمن إلى هداية ربِّه ومعونته، وسوءُ مغبَّةِ الرُّكون إلى النفس وإهمال مجاهدتها وترك الاستعاذة بالله من شرِّها؛ فإن كل ما مضى يمنع الرجلَ من اتِّباع الحقِّ وهو موقِنٌ بكونه حقًّا، ويوقِعُه في الباطل وهو جازمٌ بكونه باطلًا.




فاللهمَّ إنَّا نعوذُ بعِزَّتكَ لا إلهَ إلا أنتَ أن تُضلَّنا، أنتَ الحيُّ الذي لا يموتُ والجنُّ والإنسُ يموتون، اللهمَّ اهدِنا وسدِّدنا، اللهمَّ إنَّا نسألُكَ الهُدى والسَّداد.

أخوك.



[1] من دعاء أبي حيان التوحيدي مع بعض التصرف.

"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook