رفقا بالمسلم الجديد

الكاتب: المدير -
رفقا بالمسلم الجديد
"رفقاً بالمسلم الجديد




قَوافِل المهتَدِين إلى الإسلام عبرَ التاريخ لم تتوقَّف، والداخِلون في الإسلام يَزِيدون ولا يَنقُصون، ولا عجَبَ في ذلك؛ فهو الحقُّ لا ريب فيه، والنُّور الذي لا مرية فيه؛ بَيْدَ أنَّ الداخل في الإسلام مولودٌ جديد، والمولود أَحوَجُ ما يكون إلى الرِّعاية والعِناية، وأنْ يَلقَى من الاهتِمام والرِّفق واللين والتيسير حظًّا وافرًا، ولا يَصِحُّ أن يُكلَّف ما لا يُطِيق أو يشدَّد عليه في بدء الأمر.

 

قال ابن تيميَّة رحمه الله: الداخِل في الإسلام لا يُمكِن حين دخوله أن يُلقَّن جميعَ شرائعه ويُؤمَر بها كلها، وكذلك التائب من الذنوب والمتعلِّم والمسترشد لا يمكن في أوَّل الأمر أن يُؤمَر بجميع الدين، ويُذكَر له جميعُ العلم؛ فإنَّه لا يُطِيق ذلك، وإذا لم يُطِقه لم يكن واجِبًا عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجبًا عليه لم يكن للعالم والأمير أن يُوجِبه جميعه ابتداءً؛ بل يعفوان عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمَّا عفا عنْه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرَّمات وترك الأمر بالواجبات؛ لأنَّ الوجوب والتحريم مشروطٌ بإمكان العلم والعمل، وقد فرَضنا انتِفاءَ هذا الشرط، فتدبَّر هذا الأصل فإنَّه نافع؛ ا.هـ.

 

وشواهد الرِّفق بالمسلم الجديد في السنَّة المطهَّرة كثيرة جدًّا، منها ما جاء في الصحيحين من حديث طلحة بن عبيدالله - رضِي الله عنه - قال: جاءَ رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجدٍ ثائرَ الرأس، نسمع دَوِيَّ صوته ولا نَفقَه ما يقول، حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خمس صلواتٍ في اليوم والليلة))، فقال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: ((لا، إلا أنْ تطوَّع))، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((وصيام شهر رمضان))، قال: قال: هل عليَّ غيرُه؟ قال: ((لا، إلاَّ أنْ تطوَّع))، قال: وذكَر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: ((لا، إلا أنْ تطوَّع))، فأدبَرَ الرجل وهو يقول: والله لا أَزِيد على هذا ولا أنقص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أفلَحَ إنْ صدَق)).

 

بهذا الوضوح والصدق واليسر كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلِّم الناس الإسلام.

 

وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة رضِي الله عنْه أنَّ أعرابيًّا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلَّني على عملٍ إذا عملتُه دخلتُ الجنَّة؟ قال: ((تعبُد الله ولا تُشرِك به شيئًا، وتُقِيم الصَّلاة، وتُؤتِي الزكاة المفروضة، وتَصُوم رمضان))، قال: والذي نفسي بيده، لا أَزِيد على هذا، فلمَّا ولَّى قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((مَن سرَّه أن يَنظُر إلى رجلٍ من أهل الجنَّة، فلينظر إلى هذا)).

 

قال الطبراني: هذا الحديث ونحوُه خُوطِب به أعرابٌ حديثو العهد بالإسلام، فاكتَفَى منهم بفِعل الواجِب في ذلك الحال؛ لئلاَّ يَثقُل ذلك عليهم فيملوا، حتى إذا انشَرحَتْ صدورُهم للفَهْمِ عنه، والحِرص على تحصيل ثواب المندوبات، سَهُلتْ عليهم؛ ولذلك فالمسلم الجديد له أحكامُه في الفقه الإسلامي التي تُراعِي مسألةَ الوقت في تقبُّله لتعاليم الإسلام وفهمها والعمل بها، وقد قرَّر العُلَماء مثلاً أنَّ للمرء أن يَكتَفِي بالذِّكر في الصلاة بدَلاً من القرآن إذا لم يمكِنه ذلك.

 

قال الخطابي: فإنْ كان رجل ليس في وسعه أن يتعلَّم شيئًا من القرآن؛ لعجزٍ في طبعه، أو سوءٍ في حفظه، أو عجمةٍ في لسانه، أو آفة تعرض له - كان أَوْلَى الذكر بعد القرآن ما علَّمه النبي صلى الله عليه وسلم من التسبيح والتحميد، والتهليل والتكبير.

 

ثم إنَّ من القضايا المهمَّة في استِقبال المسلم الجديد احتِرامُ مشاعرِه، لا سيَّما بعد دخولِه الإسلام مباشرةً، وعدم تَحقِير شأنه، أو عيب قول منه أو فعل، أو اللمز والطعن في إسلامه بكلمةٍ أو لقب أو غير ذلك؛ إذ في ذلك خطرٌ على المدعوِّ، وربما حدَّثته نفسه بالعودة إلى دينه.

 

ذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق أنَّ رجلاً قام عند باب المسجد، فقال: يا معشر المسلمين، أنا حوصا، كنت يهوديًّا وأسلمت، فصرتُ أُعيَّر باليهوديَّة، فلا تُعيِّروني بها فأرجع إليها.

 

وجاء في مسند الإمام أحمد عن الصُّبَيِّ بن مَعبَد، قال: كنتُ رجلاً نصرانيًّا فأسلمت، فأهللت بالحج والعمرة، فسمعني زيد بن صُوحان وسلمان بن ربيعة وأنا أهلُّ بهما، فقالا: لَهَذا أضلُّ من بعير أهله، فكأنما حُمِّل عليَّ بكلمتهما جبلٌ، فقَدِمتُ على عمر فأخبرته، فأقبل عليهما فلامهما، وأقبل عليَّ فقال: هُدِيت لسنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، هُدِيت لسنَّة نبيِّك صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

وأصرح من هذه الشواهد ما جاء في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السُّلميِّ رضِي الله عنْه قال: بينا أنا أصلِّي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجلٌ من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقتل: واثُكل أُمِّياه! ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعَلُوا يَضرِبون بأيديهم على أفخاذهم، فلمَّا رأيتهم يُصمِّتونني سَكَتُّ، فلمَّا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني - أي: انتهرني - ولا ضربني ولا شتمني، قال: ((إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس؛ إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن...)) الحديث، وأخَذ العُلَماء من هذا الحديث أنَّ كلام الجاهِل إذا كان قريبَ عهدٍ بالإسلام، فهو ككلام الناسي، فلا تبطل الصلاة بقَلِيله؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يَأمُر معاوية بالإعادة، لكنْ علَّمه تحريمَ الكلام فيما يستقبل.

 

إنَّ من أخطر ما تُواجِهه دعوةُ غيرِ المسلمين أولئك الذين يُنفِّرون من الإسلام بأقوالهم وأفعالهم، ويَحُولون بين الناس وبين دين الله، ويُشدِّدون كثيرًا على الراغِبين في الدخول في الإسلام، وإذا كان من واجب الدُّعاة أن يرفقوا بالمسلم الجديد، فإنَّ عليهم أيضًا توعِيَة المسلمين بذلك، وأوَّل ذلك إظهارُ الفرح الحقيقي بإسلامه، وتعاهُده في بدء الأمر، وإعانته بكلِّ مُمكِن حتى ترسخ قدمُه في الإسلام.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook