ركائز العمل المؤسساتي في الإسلام: الإيجابية

الكاتب: المدير -
ركائز العمل المؤسساتي في الإسلام: الإيجابية
"سلسلة ركائز العمل المؤسساتي في الإسلام
ثانيًا: الإيجابية




الإيجابية عملٌ عكس السلبية؛ فهي تمنَع الكسل والخمول والجمود، وتبعَث في الإنسان الحيوية والنشاط، وتُكسِبه الهمَّة في إنجاز أعمال الخير لنفسِه ولمَن حوله، إنها تعني العطاء والبذل الذي لا يَنتهي، وهي رقيٌّ لمقام النفس البشرية وسموٌّ بها، وهي تَجاوز لكل النزعات والهواجس النفسية السيئة، والإيجابية دافع مهم للفَرد مِن أجل بذل الجهد اللازم للإنجاز، ولا يقف الأمر عند هذا الحدِّ، بل تَبرز أهميتها في أن يكون الفرد مبادرًا بالأعمال، ويكون فيها في قمَّة التفاؤل بعيدًا عن اليأس والإحباط والقنوط.

 

ولكي تكون العلاقات الاجتماعية ذات قيمة ومعنى، لا بد لها مِن أن تكون إيجابية، والإيجابية التي هي محل بحثنا هنا تعني تبادل المنفعة مع الآخرين من الوجوه كافة، والمنفعة المتبادَلة لا تقتصر على الجانب المادي، لذلك فهي لا تَعني بالضرورة أنها حكْر للغنيِّ حين يقدم الأمور المادية للفقير، بل يمكن للفقير أن يكون إيجابيًّا فينفع الناس في أمور كثيرة؛ منها: العلم والأخلاق والتربية والمساعدة البدنية وغير ذلك؛ فلقد كان علماء المسلمين ودعاتهم على فَقرِهم يُربُّون ويُعلِّمون ويؤدبون خلفاء المسلمين وأمراءهم على غناهم، والإيجابية تكون من وجوه عديدة منها:

• مد يد العون للآخرين وفق الظروف المتاحة وفي الوقت المناسب، وإذا تحقَّقت مُساعدة الآخرين فقد تحقَّقت الإيجابية بمعناها الحقيقي، ولقد اتضحت صورتها بإجابة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لسائله، فلقد سُئل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: مَن خيرُ الناس؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنفعهم للناس))[1].




وقد كانت رؤية السيدة الكريمة خديجة رضي الله عنها لإيجابية رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم - وهو زوجها - في قمَّة الوعي والإدراك والنظرة العملية الواقعية وهي تقوِّم مسيرته صلى الله عليه وسلم التي عاشتها معه، فحين نزل الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال لخديجة رضي الله عنها: ((لقد خشيت على نفسي))، فقالت خديجة: كلا والله ما يُخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ [2]، وتكسب المعدوم، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق[3].

 

ومن هذا الحديث نتوصَّل إلى فهم يَكمن سرُّهُ في أن الله جل جلاله يوفِّق العبد للخير ويمنحه جل جلاله رضاه ويَرزقه السداد والتوفيق، بمقدار ما يُقدِّمه للناس من خدمات.

 

ولمَن حسَّن مدلولات الحديث المهمة التسلسل في الأهمية لأعمال الخير، وهذه مِن علامات الفِطنة والقوة للأشخاص الذين يؤازِرون الأنبياء عليهم السلام، فلم يكن الطرح جزافًا، فالمرء يبدأ بالخير بذوي الأرحام، ثم لمن انقطع بهم السبيل، فما عندهم أحد يَعرفونه، ثم المحتاجين المعدمين، ثم الضيوف على اختلاف أشكالهم، ثم جاءت بقية نوائب الدهر بشكل عام.

 

يقول جعفر الصادق رحمه الله: إني لأسارع إلى قضاء حوائج الإخوان مخافة أن يَستغنوا عني بردِّي إياهم[4].




يقول الشاعر:

وكُنْ على الدَّهر مِعوانًا لذي أمَلٍ ??? يَرجو نَداكَ؛ فإنَّ الحُرَّ مِعْوانُ




• التعامل بنُبْل مع الآخرين، وحين يكون الإنسان نبيلاً فسيكون قد بلغ أرقى مقامات الرقي البشري، والعفة من النزعات النفسية الدنيئة، فالنبيل هو من تسقط عنده المراتب المادية الدنيوية ويكون معياره معيارًا إلهيًّا، فمِعياره لتقويم الآخرين قول الله جل جلاله: ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ? [الحجرات: 13]، والنبل يقتضي الصفح عمن أساء إليك، ومجازاة من أحسن إليك، كما ويَقتضي النظر إلى الناس على أنهم مُتكافئون في الإنسانية ولهم نفس الحقوق التي لك.

 

لقد كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يرى في أبي هريرة وأنس بن مالك وأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهم وغيرهم - ممن كانوا يعانون من الفقر المدقع، والعَوز الشديد - أنهم أصحاب أوفياء وأصدقاء أعزاء، وربما قدَّمهم على غيرهم في المواقف التي تتطلب ذلك، بل كان أبو هريرة رضي الله عنه وهو خادمه الناقل الأمين الحاذق لجزء كبير من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس، كما أن النُّبل يعني العطاء غير المحدود ومن غير مقابل، وكان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أنبل إنسان عرفته البشرية؛ فعن ابن عباس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارسه القرآن، فلَرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المُرسَلة[5].

 

والنُّبل المنشود ليس مع إفلاس الفرد مِن أي مواصفات أو مهارات، بل مع وجود مؤهلات مادية كبيرة يقاومها الفرد للوصول إلى درجة النُّبل الذي يُشار له بالبنان؛ يقول حافظ إبراهيم:

صحِبتُك حِقبةً فصَحِبتُ حُرًّا
أبِيًّا لا يُهانُ ولا يُهينُ
نبيلَ الطَّبعِ لا يغتابُ خِلاًّ
ولا يُؤذي العشير ولا يمينُ
ولم يَثنِ الوعيدُ لهُ عنانًا
ولم تحنَثْ لهُ أبدًا يمينُ
ولم تنزِل بعزَّته الدَّنايا
ولم يعلَق به ذُلٌّ وهونُ




ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلِّم الناس أن يكونوا نُبلاء في التعامل، فـ بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحدِّث أصحابه إذ جاء رجل من الفقراء فجلس إلى جنب رجل من الأغنياء، فكأنه قبَضَ من ثيابه عنه، فتغيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أخشيتَ يا فلان أن يعدو غناك عليه، وأن يعدو فَقره عليك؟)) قال: يا رسول الله، وشرٌّ الغِنَى؟ قال: ((نعم؛ إن غناك يدعوك إلى النار، وإنَّ فقرَه يَدعوه إلى الجنة)) فقال: فما يُنجيني منه؟ قال: ((تواسيه)) قال: إذًا أفعل، فقال الآخر: لا إربَ لي فيه قال: ((فاستغفر، وادعُ لأخيك))[6].

 

يقول أبو الفتح البستي:

مَنْ سالَمَ النَّاسَ يسلَمْ من غوائِلِهمْ ??? وعاشَ وَهْوَ قَريرُ العَينِ جَذْلانُ




• عدم احتكار الأعمال، ومِن الآفات التي تدمِّر العلاقات الإنسانية حب البعض الانفراد بالأعمال كافة، فهناك من يعمل مع مجموعة وهو القائد والمسؤول الإداري والمالي والناطق الإعلامي وكل شيء، فهو قد حاز على الجمل بما حمل ولم يدَع فرصةً للآخرين لتقديم ما يَملكون من مهارات، ومن أجل تشخيص الخلل هنا، فإننا نجد أنه الغرور الذي تمكَّن من قلب وعقل هذا النوع من البشر؛ فهو يعتقد أنه القادر على إنجاز كل هذه الأعمال؛ لأنه يمتلك المهارات الخارقة، فهو الفارس الذي لا يشق له غبار، وهو القائد الأوحد.

 

• الكفُّ عن إيذاء الآخرين: وإيذاء الآخرين ربما كان عن غير قصْد، فليس شرطًا أن يكون الإيذاء عن سابق قصد وتعمُّد وترصُّد، فالإيذاء المقصود بغير وجه حق ومن غير تخويل مسبق من ولي الأمر جرم سيُحاسب عليه المرء حسابًا شديدًا، فربما أفْلَتَ مِن الحساب في الدنيا، ولكنه بالتأكيد لن يُفلت في الآخرة، فتلك عدالة الله جل جلاله، ومدار حديثنا عن الإيذاء بغير قصد، فهو أمر منكر وجب على فاعله التوبة منه والرجوع عنه وطلب الغفران من المتضرر.

 

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مؤمن يُجاهد في سبيل الله بنفسه وماله))، قالوا: ثم مَن؟ قال: ((مؤمن في شِعب مِن الشِّعاب يتقي الله، ويدع الناس من شرِّه))[7].

 

فالإيجابية تقتضي حين لا يستطيع الإنسان نفع الآخرين أن يبذل الجهد بقدر ما يستطيع إلى عدم الإضرار بهم، وبأي شكل من الأشكال، المادية والمعنوية، وإن اقتضى الأمر أن يَنزوي في شِعْب مِن الشعاب.

 

• والإيجابية تعني الإمكانية المتميزة في إيجاد الحلول عند الأزمات، وليس انتظار الحلول من الآخرين، ومِن هذا الفهم توجب أن يفهم من يضطلع بدور إيجابي في العلاقات معنى الازمات وتأثيراتها، وكيفية إدارتها؛ لأن هذا الأمر اليوم أصبح علمًا وفنًّا ينبغي أن نتعلَّمه ونمتلك أدواته.

 

ورجال الأزمات لا بد أن تكون لهم بصمة يُعرفون بها، ويفتقدون فيُبحث عنهم في وقتها، ولقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من ذلك النوع من الرجال، فقد بُحث عنه يوم خيبر، وقد كان رجلاً لتلك الأزمة؛ لأنه امتلك مؤهِّلات ذلك؛ فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول يوم خيبر: ((لأعطين الراية رجلاً يفتح الله على يديه))، فقاموا يرجون لذلك أيهم يُعطى، فغدوا وكلهم يرجو أن يُعطى، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أين علي؟)) فقيل: يشتكي عينيه، فأمر صلى الله عليه وسلم فدُعي له، فبصق في عينيه، فبرأ مكانه حتى كأنه لم يكن به شيء، فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: ((على رسلِك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبِرْهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يُهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم))[8]، وتقدم علي بن أبي طالب فكان قائد الأزمة وحقق نصرًا مؤزرًا للمسلمين.

 

إن رجال الأزمات هم الأقمار التي يُحتاج لضوئها في الليالي الظلماء؛ يقول أبو فراس الحمداني:

سَيَذكُرُني قَومي إِذا جَدَّ جِدُّهُم ??? وَفي الليلَةِ الظَّلماءِ يُفتَقَدُ البَدرُ




ورجال الأزمات من يتصدَّون لها ويَمخرون عبابها، ويَقتحمون صعابها حين يفر الناس منها، ومنهم أنس بن النضْر رضي الله عنه؛ فعن أنس بن مالك بن النضر رضي الله عنه أن عمَّه غابَ عن بدْر، فقال: غبتُ عن أول قِتال النبي صلى الله عليه وسلم، لئن أشهدني الله مع النبي صلى الله عليه وسلم ليرينَّ الله ما أجد، فلقي يوم أحد، فهُزم الناس، فقال: اللهمَّ إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني: المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدَّم بسيفه فلقيَ سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد؟ إني أجد ريح الجنة دون أُحُد، فمضى فقُتل، فما عُرف حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه، وبه بضْع وثَمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم[9].

 

ولأجل التعرُّف على ما ينبغي أن يكون عليه الفرد الإيجابي في الأزمات، نذكر الآتي:

• عدم التأثُّر بالضُّغوط: وتحدُث الضغوط من جراء الأزمة؛ سواء من الأشخاص أو مما يُعرف بضغوط العمل، فالفرق بين من يتأثر ومن لا يتأثر هو بقاء الفرد في سيطرة تامة متوازنة على تفكيره وأدائه، ممَّن يكون في حالة ذهنية مرتبكة ومشتَّتة، فينصاع لكل من يعطيه رأيًا ظانًّا أن فيه الحل.

 

• مخاطِر اتِّباع هوى النفس: وهي ظاهرة على عكس التي قبلَها، بل هي تُناقضها تمامًا، فيُسرع من يَحتاج أن يعطي رأيًا أو قرارًا إلى اتخاذه من غير مشورة اعتمادًا على قدراته التي يرى أنها هائلة.

 

• التخلُّص من الخوف: مِن أكثر الأمور التي تجعل صاحب القرار يتَّخذ قرارات خاطئة، هو أن يكون قد اتخذ قرارًا لم يكن صائبًا في مرة أو مرات قبل ذلك، فالخوف من الفشل يجعله سجين خيالاته السلبية، بأنه غير قادر على اتخاذ قرار صحيح مرة أخرى.

 

• تجنُّب الغضب: فالغضب مؤثِّر خطير على اتخاذ القرارات في حالة الأزمات، فالمرء في العادة يأخذ قرارات غير صائبة في حالة كونه غاضبًا، لأن الغضب يؤدي إلى هيجان الحالة العاطفية وتطغى على الحالة العقلية التي ينبغي أن تكون هي المتحكِّمة في تلك الأثناء.

 

• أثر السرعة في اتخاذ القرار: فمن يُطلب منه اتخاذ قرار في وقت أزمة يَنبغي ألا يأخذ كثيرًا من الوقت في التفكير، وأقصد أن يأخذ وقتًا أكثر من الطبيعي، فيُضيِّع على من يعمل معهم الفرصة التي تسنح لهم، فعدم الاهتمام بضرورة سرعة اتخاذ القرار قد يؤدِّي إلى اتخاذ قرارات خاطئة.

 

• الهروب مِن اتخاذ القرار: كثيرٌ ممَّن يخافون من الفشل يُفضِّلون عدم اتخاذ القرار، لذا فأسوأ ما يمكن أن يتَّخذه الفرد وقت الأزمات هو ألا يتخذ قرارًا.

 

وأخيرًا فإن ظروف الأزمات فرصة مناسبة لمعرفة أنواع الرجال وصقْل شخصياتهم؛ ففي الأزمات إيجابيات لا يَعيها إلا من يقرأ الحياة بشكل صحيح والأزمات بشكل خاص.

 

• العمل بمبدأ الكتف: وهي قاعدة إنسانية رائعة، وقيمة أخلاقية عظيمة، وفائدة اجتماعية لا تقدَّر بثمن، وضع أساسها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهي تربط ما يُقدم من خدمة مِن قِبَل الفرد للآخرين مع الإيمان، وهي تنظِّم العلاقة مع الله جل جلاله ومع الناس، فهي عبادات ومعاملات، فمن أهم نتائجها تعزيز رصيد الفرد في الآخرة مما يعزز موقفه في الدنيا، حيث إن ما يُقدم الإنسان من خدمات مختلفة للناس على تنوع أشكالها، لن تذهب سدىً وستسجل له وتنفعه يوم القيامة؛ فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، أنهم ذبحوا شاةً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما بقي منها؟)) قالت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: ((بقي كلُّها غير كتفها))[10].




• الشخصية المتميزة: والتميُّز يظهر بشكل لا لَبْسَ فيه حين يقدِّم الفرد للآخرين أمورًا لا يستطيع غيره تقديمها، كمًّا أو نوعًا أو توقيتًا، ولكن الكثير من الناس من يقع في وهم نفسه، وفخِّ الشيطان، عندما يَعتقِد بأن التميز يعني أن يلبس شيئًا يعجز الآخرون عن لبسه أو يركب مركبًا لا يركبه غيره، أو يَقتني أثاثًا لا يستطيعه غيره، هذا التميُّز الشكلي الوهمي تكون نتائجه سلبية في العلاقات؛ لأنه إما أن يعلم الآخرون حقيقتَه فستذهب جهوده وماله هباءً، وتتحطَّم صُورته في نظَرِ الآخرين، وإما أنَّ الآخرين لا يعرفون حقيقتَه فيظنون أنه على الحق، فيقدِّمون له الاحترام والإجلال، ويُقوِّمونه تقويمًا خاطئًا، ويضعونه بمقام لا يستحقه، وسيكون في الأمر خديعة ستنتهي بالفشل الذريع ولا شكَّ، لقد كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة في هذا الأمر؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا جلس بين أصحابه لا يميِّزه عنهم ملبس ومجلس، ربما ميزه صلى الله عليه وسلم نور الوجه ووضاءتُه فحسب؛ فقد كان أنس بن مالك رضي الله عنه، يقول: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عقَله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متَّكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ[11]، فلو كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يميزه في المظهر أو المجلس - كأن يكون له عرش كالملوك - لما اضطرَّ هذا الرجل الغريب أن يسأل الأصحاب رضي الله عنهم ليُعلِموه من هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

فالتميز ينبغي أن يكون عمليًّا، ومما فيه خير ومنفعة للآخرين قبل النفْس؛ فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة[12]))[13]، ومِن الضروريِّ الانتباه إلى اللفظ النبوي الشريف لـ(الراحلة) كتعبير عن التميُّز، والراحلة مع الإبل في القافلة في العادة، ولكنها تتميَّز بأنها تحمل الأمتعة والغذاء، وربما الماء، ما يعني معها منافع القوم وحاجاتهم للحياة، وهذا هو المطلوب من المتميز؛ أن يقدِّم للناس أمورَ ديمومة حياتهم وبقائهم، وهذا هو الأمر الإيجابي المهم الذي يجب أن نكون عليه مع الآخرين.

 

• تعزيز الثقة في نفوس الآخرين، فيَعمل الفرد بموجب العلاقة الإيجابية التي تربطه مع الآخرين لتعزيز الثقة في أنفسهم عن طريق تقديم الدعم اللازم لهم، وتتحقَّق هذه القضية بما يأتي:

• تعريفه بمسؤوليته في العمل وحدود صلاحياته، وليس تكليفه بالعمل وترك الحبل على الغارب لا يَدري ما الذي له وما الذي عليه، حتى إذا نجَح قلنا له: إنك تؤدي الواجب الذي عليك على أحسن ما يرام، وينال الرضا وربما المكافأة، وإن أخفق أو قصر وبخناه وزجرناه، وربما عاقبناه، والحقيقة أننا نحن السبب في هذا الإخفاق؛ لأننا لم نسمِّ له الأشياء بمُسمياتها.

 

عن شريح[14]، أنه كتب إلى عمر رضي الله عنه يسأله، فكتب إليه: أن اقضِ بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن في كتاب الله، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقضِ بما قضى به الصالِحون، فإن لم يكن في كتاب الله، ولا في سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقضِ به الصالِحون، فإن شئتَ فتقدَّم، وإن شئتَ فتأخَّر، ولا أرى التأخُّر إلا خيرًا لك، والسلام عليكم[15].

 

• احترام عقل المقابل ودعم قراراته، وتشجيعه على إعمال عقله وإظهار أفكاره في المواضِع المُناسِبة، وتناولها، وتقديم الدعم المناسِب للصالح منها؛ فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وهي مثل المسلم، حدثوني ما هي؟))، فوقع الناس في شجر البادية، ووقع في نفسي أنها النخلة، قال عبدالله: فاستحييتُ، فقالوا: يا رسول الله، أخبرنا بها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هي النخلة)) قال عبدالله: فحدثتُ أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتَها أحب إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا))[16].




• عدم الحكم على الشخص بالنوايا غير المُعلَنة، وإنما يكون الحكم على ظاهر أقواله وأفعاله، وذلك معنىً مهمٌّ من معاني العدالة المطلوبة، التي يُفترَض أن تسود في كل أنواع العلاقات البشرية، ولكن بوصلة واقع الحال تُشير إلى الاتجاه الخطأ؛ فالكثير مِن القرارات المهمَّة والخطيرة تؤخذ على أساس تحليل لنوايا الآخرين، أو بناءً على استشرافات لأمور مستقبلية، فتتخذ قرارات خاطئة في هذا الصدد، وقصة الصحابي الذي قتل رجلاً بعدما أعلَنَ إسلامه معروفة، وكيف تعامل معه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؛ فعن أسامة بن زيد قال: بعَثَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سريَّة، فصبَّحْنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله، فطعنتُه، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرتُه للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أقال: لا إله إلا الله، وقتلته؟)) قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: ((أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟))، فما زال يكرِّرها عليَّ حتى تمنَّيتُ أني أسلمت يومئذ[17].

 

• التشجيع على الإنجاز، فالإنجاز المتميِّز حريٌّ أن يُشار له ولصاحبه بالبنان، فإنَّ ذِكْر الإنجاز وحقيقته ومدى إيجابيته في العلاقة بشكل خاص وفي الحياة بشكل عام له تأثيره وصداه في مسيرة العلاقة وديمومتها، وكل صاحب إنجاز يحب أن يُذكَر إنجازُه باسمه، ويعرِّف بحقيقة قيمته أمام الآخرين، وهذه سنة كونية جُبِلَ الإنسان عليها، فيَنبغي ألا تُترك، ولقد كان السلف الصالح أصحاب مبدأ في هذا المجال، ففي معركة اليرموك بين المسلمين والروم، استطاع القائد العربي المسلم زُهرة بن حيوة قتل القائد الرومي المعروف الجالينوس، وعندما جاء بسلبه استكثر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه سلب الجالينوس، فكتب فيه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتَبَ عُمر رضي الله عنه إلى سعد: تَعمد إلى مثل زهرة وقد صُلي بمثل ما صُلي به، وقد بقي عليك مِن حَربِك ما بقي تُفسد قلبه، أمضِ له سلَبَه، وفضِّله على أصحابه عند عطائه بخمسمائة.




ولن نستغرب هذا الفهم، فلقد جاءت آيات القرآن الكريم بالثَّناء على مواقف الأنبياء تترى، فمِنهم من مُدح بأنه أوَّاه مُنيب، والآخر: كان صادق الوعد، والآخر كان حنيفًا، ومدح القرآن نبيًّا آخر بأنه كان صِدِّيقًا، وهكذا توالى المدح على الأنبياء وهم يَستحقُّون ذلك.

 

• ومِن عظمة الإسلام وعلوِّ ورقيِّ شأنه، وعجيبِ نِظامه، ودقة تنظيمه: أنه لا ينظِّم ويطور وينمي العلاقات الاجتماعية بين الأحياء فحسب، وإنما ينظمها ويوجه بوصلتَها حتى بين الأحياء والأموات، ويضع في ذلك الخطوط الرئيسة في أسس التعامل الإيجابي فيما بينهم، فلا يَعني أن من يموت تنتهي العلاقة بينه وبين الأحياء، بل وجَّهت الشريعة إلى استمرارها وفق نظام معيَّن، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبُّوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا))[18]، فضلاً عن توجيه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بزيارتهم والسلام عليهم عند المرور بهم.

 

وقد أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ مِن بني سلمة، وأنا عنده، فقال: يا رسول الله، إن أبويَّ قد هلَكا، فهل بقي لي بعد موتهما من برِّهما شيء؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم؛ الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عُهودِهما مِن بعدهما، وإكرام صديقِهما، وصلة رحمهما التي لا رحم لك إلا مِن قِبَلهما))[19].




• لقد تجلَّت الإيجابية التي هي مدار بحثِنا بكل معانيها في أعمال أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حين كان برفقة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أصبح منكم اليوم صائمًا؟)) قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: ((فمَن تبع منكم اليوم جنازة؟)) قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: ((فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟)) قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: ((فمَن عاد منكم اليوم مريضًا؟)) قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما اجتمعن في امرئ، إلا دخل الجنة))[20].

 

وفي الحديث إشارات واضحة للدعوة إلى الإيجابية بمفهومها العام، ومِن قراءة لدلالات الحديث نخرج بمجموعة من المفاهيم التي ينبغي التوقف عندها؛ ومنها:

1- في الإيجابية لا بدَّ مِن التوافُق العمَلي بين الأعمال والأقوال، بمعنى آخر بين النظرية والتطبيق، وبهذا جاء الخطاب القرآني في حدود خمسين موضعًا، فإنَّ القرآن يأتي بالخطاب في قوله تعالى: ? يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ? [البقرة: 104]، يقول الإمام البخاري رحمه الله: كتبتُ عن ألف شيخ وثمانين، ليس فيهم إلا صاحب حديث كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل، يَزيد وينقص.

 

1- الانتِباه إلى أنها متعلِّقة بأعمال تتعلَّق بالخالق جلَّ جلاله وأخرى تتعلق بالمخلوقين، وفي ذلك دلالة على الربط بين الجزء الرُّوحي والجزء المادي للإنسان.

 

2- إن ما يُثير الدهشة بالفعل أنَّ حقوق المخلوقين في هذا الحديث كانت أكثر، وأُعطيت أهمية كبيرة جدًّا، فالنسبة المئوية للعمل الإيجابي في هذا الحديث لخدمة البشر تعادل 75% من الإيجابية المَطلوبة في مجمل الحديث، وما ذلك إلا لأهمية دور الإنسان الحقيقي في خدمة أخيه الإنسان.

 

3- نوعية العمل الإيجابي المتعلِّق بالخالق جلَّ جلاله من النوع الذي ليس معه رياء، إنه الصوم الذي أَمرُه بين العبد وربه جلَّ جلاله، فالناس لا تَدري إن كان الفرد صائمًا أم لا! بينما في بقيَّة العبادات فإن العبد لا يُمكن أن يخفيها، لذلك فإنَّ ذلك ربما كان هو السر في قول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل عمل ابن آدم يُضاعَف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عزَّ وجل: إلا الصوم؛ فإنه لي، وأنا أجزي به؛ يدع شهوته وطعامه من أجلي))[21].

 

4- نوعية الأعمال الإيجابية للبشر متعلِّقة بالنوع الفقير من البشر، أو من النوع الذي لا حولَ له ولا قوة، فتكون إيجابية في ذات الله جل جلاله، ليس فيها مصالح مادية، فالفئة المستهدَفة من البشر لتقديم خدمات لها في هذا الحديث هي: ميت، مسكين، مريض، وهم أضعف حلقات المجتمع في العادة، وهم لا حول ولا قوة لهم إلا بالله جل جلاله.

 

5- ترتَّب على تلك الإيجابية جزاء كبير؛ ألا وهو دخول الجنة، فلا بدَّ من مراعاة مكافأة الإيجابيِّين في المجتمع بالمكافآت المناسِبة والمُنسجِمة مع حجم العمل المقدَّم مِن قِبَلِهم.

 

6- الفرص في العمل الإيجابي لا تعدُّ ولا تُحصى، وليس من المستحيل أن يقدم فرد واحد باقة ملونة ومتعدِّدة من الأعمال الإيجابية في وقت واحد، وربما كان هذا الوقت قصيرًا.




[1] المطالب العالية؛ للحافظ ابن حجر العسقلاني - كتاب الزكاة - باب الحث على المعروف وإعانة الملهوف وإغاثته.

[2] جاء في فتح الباري شرح صحيح البخاري: تحمل الكَلَّ: أي مَن لا يقدر على العمل والكسب، وقال المصنِّف: الكَلُّ العيال، وهو أحد معانيه ويطلق على الواحد والجمع والذكر والأنثى، وأصله من الكلال: وهو الإعياء، ثم استعمل في كل أمر ضائع أو أمر مثقل ومنه قوله: مَن ترك كلاًّ أي عيالاً أو دَينًا.

[3] صحيح البخاري - باب بدء الوحي.

[4] آداب العشرة وذكر الصحبة والأخوة، أبو البركات بدر الدين محمد الغزي، ص57.

[5] صحيح البخاري - باب بدء الوحي.

[6] الزهد؛ لأحمد بن حنبل - زهد يونس عليه السلام، (1 / 38).

[7] صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب: أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله.

[8] صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام والنبوة.

[9] صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب غزوة أحد.

[10] سنن الترمذي (الجامع الصحيح)، باب الذبائح - أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[11] صحيح البخاري، كتاب العلم - باب ما جاء في العلم.

[12] الراحلة: الناقة أو البعير القوي في الأسفار الذي يَحمِل الأمتِعَة، والمراد من الحديث: إنَّ القليل من الناس من يتمتَّع بالصفات القيادية والإيجابية واستكمل المحاسن، ممن يصلح لنفع وقيادة الناس.

[13] صحيح البخاري، كتاب الرقاق - باب رفع الأمانة.

[14] شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي، أبو أمية الكوفي القاضي، تُوفِّي عام 80 هـ، قال عنه ابن حجر العسقلاني: شريح بن الحارث بن قيس الكوفي النخعي القاضي، أبو أمية، مخضرم ثقة، وقيل: له صُحبة مات قبل الثمانين أو بعدها، وله مائة وثمان سنين أو أكثر، يقال: حكم سبعين سنة؛ تقريب التهذيب (1 / 265).

[15] السنن الكبرى للنسائي - كتاب القضاء - الحكم بما اتفق عليه أهل العلم.

[16] صحيح البخاري - كتاب العلم - باب الحياء في العلم.

[17] صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله.

[18] صحيح البخاري، كتاب الجنائز - باب ما ينهى مِن سب الأموات.

[19] صحيح ابن حبان، كتاب البر والإحسان - باب حق الوالدين - ذكر وصف بر الوالدين لمن توفي أبواه في حياته، كما أخرجه ابن أبى شيبة في مصنفه، والإمام أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، وابن ماجه وغيرهم، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي.

[20] صحيح مسلم، كتاب الزكاة - باب من جمع الصدقة.

[21] صحيح مسلم، كتاب الصيام - باب فضل الصيام.


"
شارك المقالة:
1 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook