ركائز العمل المؤسساتي في الإسلام: العفوية

الكاتب: المدير -
ركائز العمل المؤسساتي في الإسلام: العفوية
"سلسلة ركائز العمل المؤسساتي في الإسلام
أولاً: العفوية

 

حين نتكلَّم عن العفويَّة كمصطلحٍ عرفيٍّ، فإنَّنا نقصد في كلامنا: الابتعاد عن التكلُّف والمَشاهِد التمثيليَّة، التي يتبنَّاها (الكثيرُ منَّا) لسببٍ أو لآخر، وفي كلِّ تفاصيل الحياة، في المأكَل والملبَس والمركبِ، وطريقةِ التعامل، وحتى في الأخلاقِ العامَّة، وربَّما حتى في العبادة أحيانًا، فعلى سبيل المثال وليس الحصر تجد إنسانًا يستحلُّ الكذبَ بلا تردُّد، فتراه يَكذب ومن غير أن يَرمش له جفنٌ في مواضِع معيَّنة، ويحرص على أن يكون صادقًا ويتكلَّم عن النَّواهي الشرعيَّة والعواقب الوخيمة للكذِب في مواضع أخرى.

 

لقد أدَّى الابتعاد عن العفويَّة إلى ظهور مشكلةٍ لم تكن كَبيرة فحَسْب، بل كانت مركَّبة التَّعقيد، وقد كان لمجالها السَّلبي تأثيرٌ كبير وواضح على اتِّجاه البوصلة، على المستوى الفَردي والجماعيِّ في آنٍ واحد، هذه المشكلة هي تَعدُّد الشخصيَّات، (وهذه الصفة فاقَت الازدواجيَّة في الشخصيَّة)؛ فالازدواجيَّة تعني وجود شخصيَّة أخرى متناقِضة مع شخصيَّة الفرد، تَظهر تحت ظروف أزماتٍ ضاغِطة معيَّنة أو في وقت معيَّن، وهذه المعضِلة هي التي جعلَت الكثيرَ من بيننا يَحمل أكثر من هويَّة (معنويَّة) لشخصِه؛ فهو في البيت إنسانٌ بمواصفات معيَّنة، ومع الأصدقاء شخصٌ آخر، وفي العمل أو مكان الدِّراسة شخصٌ ثالث، ومع مَن لا يعرفهم شخصٌ رابع.

 

وفي هذه القضيَّة المحوريَّة كان حِرص رسولِ الله محمد صلى الله عليه وسلم واضحًا وكبيرًا باتِّجاه ثبوت الشخصيَّة الواحدة للفَرد، والمحافَظة على عفويَّتها وحقيقتها وتوازنِها، فكان صلَّى الله عليه وسلم يُعلِن ذلك الأمرَ لأصحابه بوضوحٍ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((تجدون النَّاس معادِن، خيارُهم في الجاهليَّة خيارهم في الإسلام إذا فَقهوا، وتجدون خيرَ الناس في هذا الشَّأن أشدهم له كراهِية، وتجدون شرَّ النَّاس ذا الوَجهَين الذي يَأتي هؤلاء بوجهٍ، ويأتي هؤلاء بوجهٍ))[1].

 

ولعلَّ التكلُّف في الحياة هو الوسِيلة البَشِعة لقتل الفِطرة الإنسانيَّة التي فطَر الله جلَّ جلاله الناسَ عليها.

 

فما هي الفِطرة؟ وكيف نحافِظ عليها من الانحراف؟

• الفطرة البشرية فِطرتان:

الأولى: تتعلَّق بالجزء الرُّوحي (المعنوي)، الذي هو الجُزء السَّماوي للإنسان، والمقصود بالسَّماويِّ هو المتمثِّل بنفخَة الرُّوح في الإنسان، قال تعالى في حقِّ أبينا آدم عليه السلام: ? فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ? [الحجر: ??]، وهذه الفِطرة إيمانيَّةٌ روحيَّة، وهي التي تقود الإنسانَ نحو الإيمان الفِطري بالخالِق جلَّ جلالُه، وتُلهم النفسَ البشريَّة أسسَ الاستعداد والحاجَة لوجود مَعبودٍ يستحقُّ أن يُعبَد، وهو الله جلَّ جلاله لا إله غيره، وهذه الفِطرة هي التي دَعَت ذلك الأعرابيَّ الذي يَرعى الغنمَ وقد آمن بالله جلَّ جلاله إيمانًا راسخًا، حين سُئل كيف آمن بالله جلَّ جلاله ولم يرَه؟ لأَنْ يقول: البَعرة تدلُّ على البَعير، والأثَر يدلُّ على المَسير، فسماءٌ ذات أبراجٍ، وأرضٌ ذات فِجاج، ألاَّ تدلُّ على العليم الخبير؟، لقد عرف الأعرابيُّ اللهَ جلَّ جلاله بفطرته السَّليمة.




والثانية: تتعلَّق بالجانب المادِّي للإنسان (الجزء الأرضي)؛ وهو الطِّين الذي خَلق الله جلَّ جلاله الإنسانَ منه، وهذه الفِطرة هي التي تَدعو الإنسانَ إلى حبِّ الخير وكراهِية الشرِّ، وحبِّ الجميل ونَبْذ القَبيح، والانجذاب إلى الشَّيء الشَّبيه له، وكما يقال في المثَل: من طينته، فكما هو مَعروف كم من الخَير يَحتوي هذا الطِّين، وكيف تَنبت فيه من خَيرات وثمرات، وتُستخرَج منه مَعادن ثمِينة.

 

والفِطرة حين تَشوبها الشَّوائب فإنَّ الفرد يكون قد فَقد السيطرةَ على زِمام النَّفس المجبولة على الارتباط العَفوي (الفِطري) بالخالِق جلَّ جلاله، كما هي مَجبولة على الفَضيلة والخيرِ وحبِّ الجميل، وإنَّ البوصلة في حالَة تشوُّهِ الفِطرة ستشير إلى الاتِّجاه الخَطأ بكلِّ تأكيد، فيجنح الإنسانُ إلى عِبادة غير الله جلَّ جلاله من غيرِ شعورٍ، فربَّما عبَدَ الشجرَ والحجرَ والبقرَ، وربَّما عبَدَ المالَ والجاه، يقول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: ((تَعِس عبدُ الدِّينار، والدِّرهم، والقَطيفة، والخَميصة، إن أُعطِي رَضي، وإن لم يُعط لم يَرض))[2].




وربَّما يَجنح إلى حبِّ الشرِّ والقَبيح لنَفس السَّبب، فيستسِيغ ما لا توافِقه الفِطرة السَّليمة من القَتل وشربِ وأَكل القَبيح الطَّعم الذي حرَّمه الله جلَّ جلالُه، ويأتي بأَفعال من البشاعَة والشناعة ما يَغلب فيها حتى الحيوانات أحيانًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مَولود إلاَّ يولد على الفِطرة، فأبواه يهوِّدانه، وينصِّرانه، أو يمجِّسانه، كما تُنتَجُ البهيمةُ بهيمةً جَمعاء، هل تُحسُّون فيها من جدعاء؟))، ثمَّ يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ? فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ? [الروم: 30][3].

 

وحتى نحافِظ على فِطرتنا السَّليمة التي تُدير دفَّة بوصلتنا، علينا العمل بجدٍّ ومثابَرة لكي نكون قرِيبين من الله جلَّ جلاله، والقُرب من الله جلَّ جلاله يَحفظ لنا فِطرتنا، فعن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتيتَ مضجعَك، فتوضَّأ وضوءَك للصَّلاة، ثمَّ اضطجع على شقِّك الأيمن، ثمَّ قل: اللهمَّ أسلمتُ وجهي إليكَ، وفوَّضتُ أمري إليك، وألجأتُ ظهري إليك، رغبةً ورَهبةً إليك، لا مَلجأ ولا مَنجا منك إلاَّ إليك، اللهمَّ آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ، وبنبيِّك الذي أرسلتَ؛ فإِن متَّ من لَيلتك، فأنتَ على الفِطرة، واجعلهنَّ آخرَ ما تتكلَّم به))، قال البراء رضي الله عنه: فرددتُها على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا بلغتُ: اللهمَّ آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ، قلت: ورسولِك، قال: ((لا، ونبيِّك الذي أرسلتَ))[4].

 

وما يَنبغي النَّظَر له بعِناية هنا حِرص رسولِ الله محمد صلى الله عليه وسلم في أن يكون الفردُ في حال اتِّصال دائمٍ بخالِقه تبارك وتعالى في كلِّ ساعات يومِه، وبخاصَّة ساعة انتهاء أعمال اليوم والشُّروع في النَّوم؛ حيث سيَبدأ الفردُ بأعمالِ يومٍ ثانٍ، فيُعلِّم رسولُ الله محمد صلى الله عليه وسلم الصحابيَّ رضي الله عنه ما يَجعله يحافِظ على فِطرَته السَّليمة التي أَساسُها أن يكون مع الله جلَّ جلاله، ومن اللافِت في هذا الموضوع حِرص النبيِّ محمَّد صلى الله عليه وسلم على نصِّ العِبارة، ولم يفوِّض المتعلِّم بالتصرُّف بالألفاظ، فحين ردَّدها الصحابيُّ رضي الله عنه بعد النبيِّ قال: رسولِك، صحَّح له رسولُ الله محمَّد صلى الله عليه وسلم بقوله: ((نبيِّك))، على الرغم من أنَّ المعنى لن يختلَّ، كما أنَّه يبقى صحيحًا، ولكن كان لرسول الله محمدٍ صلى الله عليه وسلم مرادٌ آخر في الموضوع؛ أن الالتزامَ الدَّقيق بالنصوص والأوامر الشَّرعيَّة لهو من ضَوابط بوصلة الفِطرة السليمة، فأصبَح لزامًا مع هذا الفهم البحث عن دلالاتٍ أو معايير يُقَوِّم الفردُ نفسَه عن طريقها؛ ليعرف نفسَه هل ما زالَت على الفِطرة، أم أنَّها جنحَت بعيدًا؟ فمِن تلك الدلالات والمعايير التي تقوِّم فِطرتَنا حُسن العبادة، فقد رأى حذيفةُ بن اليمان رضي الله عنه رجلاً لا يتم الركوعَ والسُّجود، قال: ما صلَّيتَ، ولو متَّ متَّ على غير الفِطرة التي فَطَر الله محمدًا صلى الله عليه وسلم عليها[5].

 

• العفويَّة المطلوبة في العلاقات أن يبادِر الإنسان بأن يعبِّر عن حَجمه الحقيقي أمام الآخرين؛ فإنَّ إظهار الشَّكل والحَجم الحقيقي بعيدًا عن الزيفِ يُكسب الفردَ المزيدَ من الثِّقة بالنَّفس، فلا يضطر إلى أن يَأتي بأعمالٍ غير حقيقيَّة أو يدَّعيها، كما يكسبه هذا الخُلق الحسَنُ المزيدَ من احترام الآخرين، فالحذَر كل الحذر من ادِّعاء العِلم لمن لا يكون عالمًا، والحذَر من زَعم المهارة في أَمرٍ ما لِمن لا يكون عارفًا حاذقًا به، والكلام عن البُطولة لِمن لا يكون فارسًا، وإنَّ التظاهُر بأشياء أو أخلاق أو قِيَم على أنَّها من صميم شخصيَّتنا والحقيقة أنَّ الأمر ليس كذلك - سيؤدِّي إلى تناقُض بين المهارات المتوفِّرة على أَرض الواقِع وحَجم المهام الملقَاة على عاتِقنا، فتأتي النتائجُ مخيبة للآمَال، ويحصل الإخفاقُ الذي يُظهر صورتَنا الحقيقيَّة أمام الآخرين، فينظرون لصورتنا في النِّهاية على أنَّها مشوَّهة.

 

وأحيانًا يُخدَع بعضُ الأفراد بأنَّه ربَّما يستطيع أن يعوِّض بعضَ صفات النَّقص في شخصيَّته - وكلُّ إنسانٍ لديه نَقص في بعض الصِّفات - عن طريق بَعض الفعاليَّات المادِّيَّة، ومن أَمثِلة ذلك يعتقد من تَنقصه مهارات التَّفاوض وإقناع الآخرين والجرأَة الأدبيَّة في أنَّه لو لبس بدلةً فاخِرة، ورَبْطَةَ عنقٍ متميزة، وقَيمصًا فريدًا من نَوعه - سيتمكَّن من إِضافة أشياء إيجابيَّة لشخصيَّته تساهِم في إضعاف الآخرين وإمكانيَّة إقناعِهم بأفكاره؛ فإنَّه يقع في خطأ كَبير، ويَخوض في تهوُّر خطِير، ولا يفوتنا أن نَذكر أنَّه قد يُخدع من كان قليل الخِبرة وساذج التَّفكير بهذه الأمور، ولكن هذه الفعاليَّات لا يمكن أن تمرَّ على العاقِل الحاذِق، وإن مرَّت هذه المظاهِر في بعض الأحيان على بعضِ الأفراد، ولكنَّها لن تكون لتمرَّ على جميع الأفراد ولا على طولِ الوقت، وفي هذا المقام يقول رسولُ الله محمد صلى الله عليه وسلم: ((ليس على رجلٍ نَذرٌ فيما لا يَملك، ولَعْنُ المؤمن كقَتْلِه، ومَن قتل نفسَه بشيء في الدُّنيا عذِّب به يوم القيامة، ومن ادَّعى دعوى كاذِبة ليتكثَّر بها، لم يزده اللهُ إلاَّ قِلَّة، ومن حلف على يمين صبر فاجرة))[6].

 

والعفويَّة المطلوبَة من أجل ضَبط البوصلة تكون للكبيرِ قبل الصَّغير، وللقويِّ قبلَ الضَّعيف، وللغنيِّ قبلَ الفقير، ولذي الشَّأن قبل الحقير؛ لأنَّ كِبار القوم وساداتهم هم أَولى النَّاس بها؛ لأنَّهم قدوات يُحتذى بها، فهُم مَن يجب عليهم السَّيطرة والمحافَظة على عفويَّتهم؛ لوجود مسببات وعوارِض كثيرة تُحيط بهم قد تُحرِّف أو تشوِّش وربَّما تَقتل عفويَّتهم؛ فكَثرة المال، وصِيتُ الجاه، وعلوُّ المنصِب الوظيفي، ودَرَجة الشَّهادة الجامعيَّة، ومنصب القِيادة، وكَثرة الأتباع - كلُّها أسبابٌ مؤدِّية إلى فقدان الفرد لعفويَّته.




فحين يتعلَّق الفرد بأحد هذه الأمور الدنيويَّة، ستقوده إلى مجموعةٍ من الأعمال السيِّئة - وربَّما يضطر لها - التي تدمِّر فطرتَه وتقتلها، مثل: أن لا يَبتغي وجهَ الله في العمل، والرِّياء، والتكبُّر، والعُجب والغرور بنفسِه، وحب الثَّناء والمَدح من الآخرين، والحسَد، وتقديم المفضول على الفاضِل بسبب الشُّهرة، وعدم محاسبة النَّفس[7].

 

ومن خِلال مَسيرة الحياة رأينا كَم من رجل متواضِع، بسيط التعامُل، صحيحِ القلب، نقيِّ البدَن من أمراض القلوب، مرهَف الحسِّ، ولكنَّه ما أن يتولَّى أمرَ مجموعة حتى يَسعى من يَعمل معه لإفساد عفويَّته - التي أدَّت به إلى ما هو عليه - وحين يَرفض أن يتحوَّل من إنسانٍ إلى وَحش، يَضغطون عليه بشتَّى الوسائل، وخاصَّة تِلك التي يزينونها له على أنَّها شرعيَّة وتراعي المصالحَ العامَّة، ويبدأ الفرد بالتنازُل شيئًا فشيئًا، حتى يتحوَّل من إنسان عفويٍّ طيِّبٍ إلى وَحش كاسِر يدمِّر كلَّ شيء يقف في طريقه، ولربَّما دمَّر من أوصلوه إلى ما هو عليه، والبعض يَصِل إلى أن يدمِّر نفسَه.

 

• إنَّ الخُلق الحسن مع الآخرين على اختلاف مشاربهم، والتعامل معهم بهدوءٍ ورِقَّة وبشَاشَة - لهو من العفويَّة التي تُعين الفردَ على المحافظة على بوصلته بالاتِّجاه الصَّحيح، فالابتسامةُ مثلاً رسولُ سلامٍ وودٍّ إلى الآخرين، فعن مكحول قال: الْتقى يحيى بنُ زكريَّا وعيسى ابن مريم عليهما السَّلام، فضحكَ عيسى في وجه يَحيى وصافحَه، فقال له يَحيى: يا بن خالَتي، ما لي أراك ضاحكًا كأنَّك قد أَمِنْتَ؟ فقال له عيسى: يا بن خالَتي، ما لي أراك عابسًا كأنَّك قد يَئِسْتَ؟ فأوحى الله عزَّ وجلَّ إليهما عليهما السلام: إنَّ أحبَّكما إليَّ أبشُّكما بصاحبه[8].

 

• ومن العفويَّة الاعتراف بعدَم الكمال؛ فالإنسان مَهما بلغَ عِلمُه، وارتفعَ مقامُه، وكثرَت أموالُه، ومهما تعدَّدَت مهاراتُه، وتميَّز بآرائه الصَّائبة من وجهة نظره - يَبقى يتبنَّى مواقف خاطِئة أحيانًا، وهذا هو حالُ الإنسان؛ يَدور بين الخطأ والصَّواب، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ بَني آدم خطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوَّابون))[9].

 

فوجب على كلِّ فردٍ ألا يَقع في العُجب بنفسِه، ويستمرِئ أن يَراها أعلى وأهمَّ من الآخرين، وعليه مراجعَة تَسمية الأخطاء التي يَقع فيها بنفسه، والتقصِير الذي يَصدر عنه، فلا يَنتظر أن يقدِّمه له الآخرون، فقد سُئلَ عبدُالله بن المبارك: ما الكِبر؟ قال: أن تزدري النَّاسَ، وسئلَ عن العُجب، قال: أن ترى أنَّ عندك شيئًا ليس عِند غيرك، قال: ولا أَعلَم في المصلِّين شيئًا شرًّا من العُجب[10].

 

• التزام منمِّيات الفِطرة واجتناب ماحقَاتها: فهناك أمور تنمِّي الفِطرةَ، وبضدِّها أمور تدمِّرها وتَمحَقها، فمن الأمور التي تحافِظ على الفِطرة السَّليمة، وليس ذلك فحسب بل وتنمِّيها:

• الصلاة في جَوف الليل (التهجُّد)، فهو شرَف المسلِم وهو عَلامة الإخلاص لله جلَّ جلاله الذي بيده مفاتِيح كلِّ شيء، فعن سَهل بن سَعد رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ((يا محمد، عِش ما شئتَ فإنَّك ميِّت، واعمل ما شِئتَ فإنَّك مجزيٌّ به، وأَحبِب مَن شئتَ فإنَّك مفارِقُه، واعلم أنَّ شرَف المؤمن قيامُ الليل، وعزَّه استغناؤه عن النَّاس))[11].

 

• الإكثار من النَّوافِل: جاء في أساس البلاغة للزَّمحشري: ورجل نوفل: مِعطاء، وتنفَّل على أصحابه: أخذ من النَّفل أكثر ممَّا أخذوا، ويقال: نفِّلوا كُبْرَكم؛ أي: زيدوا أكبركم على حصَّته، فهذا يَعني أنَّ النَّوافل إمَّا أن تكون عطاءً، أو هي التَّقديم (الأخذ) أكثر من الآخرين، أو هي الزِّيادة على الحدِّ الطَّبيعي، وكلُّ هذه المعاني عَظيمة تدلُّ على كرَم صاحبها وعلوِّ قَدرِه ونفسه الأبيَّة، وذلك هو السرُّ في قول الله تعالى في الحديث القدسي: ((وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافِل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه: كنتُ سمعَه الذي يَسمع به، وبصرَه الذي يبصِر بِه، ويدَه التي يَبطش بها، ورِجلَه التي يَمشي بها، وإن سألَني لأعطينَّه، ولئن استعاذَني لأعيذنَّه))[12].

 

فمن كان الله جلَّ جلاله معَه إلى هذه الدَّرجة في سمعه وبصرِه ويده ورِجلِه، ويستجيب الله جلَّ جلاله لدعوته، ويُعاذ بخالِق الخَلق والأسباب - سيكون على فِطرة سَليمة.

 

وأحيانًا يَسعى البعضُ منا لقَتل الفِطرة الربانيَّة السَّليمة في داخِل آخرين؛ وذلك مِن خلال مطالبَتهم بأقوالٍ أو أفعال مخالِفة لأوامر شرعيَّة أو ضوابط عرفيَّة، ومن ذلك دَعوة كِبار القوم لصغارهم بممارَسة الكذب أو النِّفاق الاجتماعي أو السَّعي بالنَّميمة وما إلى ذلك، إنَّ مثل قبول هذه الأفعال تَقتل الفِطرةَ السَّليمة، وتحوِّل ذلك الإنسان إلى وحشٍ كاسِر يطول أذاه أفرادًا مسالِمين، ومع مرور الوقت يَطول حتى من أَفسد فِطرته، لقد استطاع الإمام الشَّافعيُّ أن يختصر الطريقَ للباحِث عن العفويَّة في العلاقات، فهو يقول:

إذا المرءُ لا يرعاك إلاَّ تكلُّفا
فدَعْهُ ولا تكثِرْ عليهِ تأسُّفَا
ففي النَّاس أبدالٌ وفي الترك راحة
وفي القلب صبرٌ للحبيبِ ولو جَفَا
فما كلُّ من تَهواه يهواك قلبُه
ولا كل مَن صافيتَه لك قد صفَا
إذا لم يَكن صفو الوداد طبيعةً
فلا خَير في وُدٍّ يجيء تكلُّفَا
ولا خير في خلٍّ يخون خليلَهُ
ويَلقاه من بعد المودَّة بالجفَا
وينكر عيشًا قد تقادَم عهدُه
ويُظهر سرًّا كان بالأمس في خَفا
سلامٌ على الدُّنيا إذا لم يَكُن بها
صديق صَدوق صادِق الوعدِ منصِفَا



[1] صحيح البخاري - كتاب المناقب.

[2] صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسِّير، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله.

[3] صحيح البخاري - كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات.

[4] صحيح البخاري - كتاب الوضوء، باب فَضل من بات على الوضوء.

[5] صحيح البخاري - كتاب الأذان، أبواب صِفة الصلاة.

[6] صحيح مسلم - كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه.

[7] الأتقياء الأخفياء؛ سعيد عبدالعظيم، ص 41.

[8] حلية الأولياء - مكحول الشامي.

[9] سنن الدارمي - كتاب الرقاق؛ باب: في التوبة.

[10] شعب الإيمان للبيهقي - التاسع والثلاثون من شعب الإيمان، فصل في التواضع.

[11] المعجم الأوسط للطبراني - باب العين: مَن اسمه عبدالله.

[12] صحيح البخاري - كتاب الرقاق، باب التواضع.


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook