ركائز العمل المؤسساتي في الإسلام: المصداقية

الكاتب: المدير -
ركائز العمل المؤسساتي في الإسلام: المصداقية
"سلسلة ركائز العمل المؤسساتي في الإسلام
رابعًا: المصداقية




الصدق في التعامل مع الآخرين هو أهمُّ قواعد العَلاقات الإنسانية على الإطلاق، ولعل هذا هو السرُّ وراء تركيز رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم عليه، وضرورة التمسك به، وتعلق الكثير من أمور الحياة به، فعن عبدالله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الصدقَ يهدي إلى البرِّ، وإن البرَّ يهدي إلى الجنة، وإن الرجلَ ليَصدق حتى يكون صدِّيقًا، وإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجورَ يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذَّابًا))[1].




فالصدق مع الآخرين طريق الجنة، ونتيجته الهداية للأعمال الصالحة في المجتمع، بل وله نتيجة أخرى عظيمة، وهي الحصولُ على شرف مقام رفيعٍ، وهي مرتبة (صدِّيق)، وكما هو معلوم فإن مرتبة الصدِّيق هي دون النبيِّ وفوقَ الشهيد؛ لقول الله تعالى: ? وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ? [النساء: 69]، وكان أبو بكر رضي الله عنه صدِّيقًا، وكانت مريم بنت عمران عليها السلام كذلك صدِّيقةً، وعكس ذلك فإن الكذب سيجرُّ الفرد إلى متاهات الفجور، والفجورُ عواقبُه وخيمة.

 

وتكون العلاقاتُ مع الآخرين صادقةً عندما تكون في ذات الله جل جلاله، يأخذُ كلُّ فردٍ فيها حيِّزَه ومجالَه الطبيعي، وحقَّه منها، ولا يعني أن تكونَ في ذات الله جل جلاله أنها لا يمكنُ أن تكون هناك علاقات تتضمن تعاملات مادِّية، أو تجارية، أو مصالحَ مشتركة وما إلى ذلك، وتكون في الله جل جلاله، بل يمكن أن تكون كذلك إلى أبعدِ نقطة، ولكن شرطها أن تَنضبِط بضوابطِ شريعة الله جل جلاله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله: أنا ثالثُ الشريكَيْنِ، ما لم يَخُنْ أحدُهما صاحبَه، فإذا خانَ خرجتُ من بينهما))[2]، ولكنَّ رُقيَّ العَلاقة مع الآخرين وسُموَّها عندما تكون خالصة لله جل جلاله، ليس فيها شيء من مصالح الدنيا المادية، فستكونُ أكملَ وأجملَ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصَد الله له على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه، قال: أين تريدُ؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تَربُّها؟ قال: لا، غير أني أحبَبْتُه في الله عز وجل، قال: فإني رسولُ الله إليك، بأن الله قد أحبَّك كما أحبَبْته فيه))[3].

 

يقول أبو صالح المزي: المؤمنُ مَن يُعاشرك بالمعروف، ويَدلُّك على صلاح دينك ودنياك، والمنافقُ مَن يُعاشِرك بالمماذعة، ويدلُّك على ما تشتهيه، والمعصومُ مَن فرَّق بين الحالتين[4]، وكما ذكرنا فإن العَلاقة التي تكونُ في ذات الله جل جلاله ليس فيها مصالحُ دنيويَّة، لها علو الكعب، وهي التي سيُكافِئُ اللهُ جل جلاله مَن سعى لها ومارسها بتجرُّد؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ لله عبادًا ليسوا بأنبياءَ ولا شهداء، يَغبِطُهم الشهداء والنبيون يوم القيامة؛ لقُرْبِهم من الله تعالى ومجلسِهم منه))، فجثا أعرابي على ركبتَيْه، فقال: يا رسول الله، صِفْهم لنا، وحلِّهم لنا! قال صلى الله عليه وسلم: ((قومٌ من أقناء الناس، من نزاع القبائل تصادقوا في الله، وتحابُّوا فيه، يضعُ الله عز وجل لهم يوم القيامة منابرَ من نور، يخاف الناس ولا يخافون، هم أولياء الله عز وجل الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون))[5].




وبعد أن تكون العَلاقة ذاتَ المصداقية في الله جل جلاله، فإن لها مجموعة من المواصفات التي ينبغي أن تتَّصف بها؛ لكي تتحقق فيها المصداقية، ومنها:

• صدق العمل: ويكونُ فيه الولاءُ للقضيَّة التي يؤمنُ بها جميعُ الأطراف والانتصار لها من أولويات العمل، فكم وكم قال العلماء العاملون من الرعيل الأول: إذا صحَّ الحديثُ فخذوا به، ودعوا قولي.

من منا لم يسمع بهذا الكلام؟

كلنا سمع، وكلنا نتحدث به، ولكن المصيبةَ في التطبيق.

 

فحين نتبنَّى فكرةً أو سلوكًا ويأتينا آخرون بالدليل، يبدأ عند تلك النقطة التأويلُ، وتغليب المصلحة الشخصية ولَيُّ أعناق النصوص والأدلة، والتكلم بفلسفة ربما لا نعيها نحن أنفسنا قبلَ الآخرين؛ كل ذلك من أجل الانتصار لتلك النفس الأمارة بالسوء، فمن صدقِ العمل الاعترافُ بضعف الإنسان أمام المغريات، يقول الله تعالى: ? وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ? [يوسف: 53].

 

• الشفافية: وهي أن يتصرَّف الفردُ مع صاحبِه وكأنه كأس من زجاج يُرى السائل الذي فيه من خلاله، وبالمعنى الفكري: هو مساعدةُ الآخرين على فهم واستشراف التوجُّه الذهني والعملي للفردِ، بحيث لا يضطرُّون للتفسير السلبي، أو الفهم السيئ على الأقل لأي تصرُّفٍ يَبدُرُ منه؛ لأن التفسيرَ السيئ سيضرُّ بالنتيجة بالطرفين.

 

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع إحدى نسائه، فمرَّ به رجل، فدعاه، فجاء، فقال: ((يا فلان، هذه زوجتي فلانة))، فقال: يا رسول الله، من كنت أظن به، فلم أكن أظنُّ بك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان يجري من الإنسان مجرَى الدم))[6].

 

ولقد عمل السلف الصالحُ بشفافية ليس لها مثيل؛ فلم يعلنوا عنها، بل شهد لهم بها غيرُهم، فولاؤهم لقضيتهم لم يكن يحتاجُ إلى دليلٍ، وهم من يقول الشاعر في أحدهم:

قومٌ إذا غسلوا ثيابَ جمالهم ??? لبسوا البيوتَ إلى فراغ الغاسلِ




ومنهم من انشغل بقضيته بمصداقيَّة فاقت حدَّ التصور، حتى نسي كَسْبَه وعيشه، ومنهم من كان يجوعُ حتى يذهب ليَجلسَ قرب الخبَّاز يتقوَّى برائحة الخبز على الجوع!

 

• قَبول النصيحة: فالعَلاقة الحقيقية الصادقة هي التي يُقبل فيها النصيحة، سواء وُجِّهت إلى عظيمِ الشأن، كبيرِ المقام، عليِّ القدر، أم إلى فقيرِ الحال، دنيِّ المنزل، قليلِ الشأن، فقد طلبَ هارون الرشيد وكان أميرًا للمؤمنين أن يقابل الفُضيلَ بنَ عِياض، (فقال لسفيان بن عيينة، أحبُّ أن أرى الفضيل.

قال: أذهب بك إليه إن شئت.

قال: قد شئتُ، فسارا، فلما وقفا بالباب، استأذن سفيانُ على الفُضيل.

قال: مَن هذا؟

قال: سفيان (ابن عُيَيْنة).

قال: يدخل.

قلت: ومن معي؟

فقال: ومن معك.

فلما دخلا قال سفيان: هذا أميرُ المؤمنين هارون الرشيد.

فقال له الفضيل: وإنك لهو يا جميل الوجه! أنت الذي ليس بين الله وبين خلقه أحد غيرك؟ أنت الذي يُسأل يوم القيامة كل إنسان عن نفسه، وتُسأل أنت عن هذه الأمة؟

قال: فبكى هارون الرشيد)[7].

 

والنصيحة تقدم لكل فرد، كبيرًا كان أم صغيرًا، عالمًا كان أم جاهلاً، فليس هناك أحد في غنًى عن النصيحة، وهذا ما كان يُؤكِّد عليه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم حين يَطلُبُ من الصحابة أن يشيروا عليه في كثير من المواضع، يقول ابن حميدس:

لي صديقٌ محْضُ النصيحة كالمر
آةِ إذ لا تريك منها اختلالاَ
فَتُريكَ اليمينَ منك يمينًا
بالمحاذاةِ والشمالَ شمالاَ

 

ولا بد لمن يَنصَحُ أن يفهم أصولَ النصيحة؛ فليس كلُّ الناس يقبلون النصيحة بطريقة واحدة، ما يعني: أن نفهمَ طبائع الآخرين، وعلى ضوئها نتصرَّفُ، ويمكن تقسيمُ الناس في ضوء قبولهم للنصيحة إلى:

• مَن يَتقبَّلُ النصيحة المباشرة، وباللين، وباللفظ الصريح، وبشكل واضح، ولا يتحرَّجُ من ذلك.

 

• من يحب أن يُنصح تلميحًا وليس تصريحًا.

 

• البعض يستحسن نصيحتهم بشكل غير مباشر؛ كأن نهديَهم كتابًا يتضمَّنُ تفاصيل الموضوع الذي نرغَبُ في الكلام عنه معهم.

 

• منهم مَن يُؤثِّر فيه أسلوب الودِّ والرِّفق، ومنهم مَن لا ينفع معه إلا أسلوب القوة.

 

• بعض الناس لا ينفع أن ينصحهم أشخاص بعينهم؛ بسبب نَزعة نفسية تجاههم، أو قضية شخصية، أو أن الناصح من النوع الذي لا يروقُ لهم؛ لذلك وجب تكليفُ آخرين لنصحهم.

 

والنصيحة بذاتها ينبغي أن تتوفَّر فيها مجموعة من الصفات؛ لتكون نصيحةً إيجابية ومؤثرة فيمن تقدم لهم، ومنها:

• أن تكون لوجه الله جل جلاله: لأنها إن كانت لغير الله جلَّ جلاله، أصبحت (فضيحةً) وليس نصيحةً، فقد يستثمِرُ بعضُ الناس النصيحةَ للتجريح أو التشهير بالمنصوح، لحاجاتٍ نفسيَّة أو شخصية في نفس الناصح تجاه مَن يَنصَحُه، فإن نتائج النصيحة متعلِّقة بمدى صدق نية الناصح، يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))[8].




يقول شرفُ الدين البوصيري:

قام لله في الأمور فأرضى ال
لهَ منه تباينٌ ووفاءُ
فعله كله جميل وهل ين
ضَحُ إلا بما حواه الإناءُ؟

 

• استخدام الحكمة في النصيحة: والحكمة هي وضعُ الشيء في محلِّه، والابتعاد عنها سيأتي بالتأكيد بنتائج سلبية؛ لأننا إن وضعنا النصيحةَ في غير محلِّها تحوَّلت إلى ظلم، ونتائج الظلم معروفة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام أعرابيٌّ فبال في المسجد، فتناولَه الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((دعوه، وهريقوا على بولِه سَجلاً من ماء، أو ذَنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسِّرين، ولم تُبعثوا معسِّرين))[9].




والحكمةُ تقتضي دراسةَ واقع حال مَن تُقدَّم إليه النصيحة أولاً، ودراسة الظروف المحيطة به، وسبب حاجتِه للنصيحة، والتحضير الجيد لها، والعلم بالموضوع الذي ستُقدَّم النصيحة فيه.




• إيمانُ الناصح أنها واجبة: يمارسُ الكثير من الناس النصيحةَ وفق الظرف أو المناسبة أو واقع الحال، فينصحُ في أوقات، ولا يفعل في أوقات أكثر، على الرغم من إيمانهم بأن النصيحة (واجبة)؛ لأنها جوهرُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن العمل بهذه الطريقة ينافي الإيمان بكونها واجبةً، وهكذا كان فعلُ السلف الصالح، فقد كان رجل ضرير يجالس سفيان الثوري، فإذا كان شهرُ رمضان يَخرُجُ إلى السواد، فيُصلِّي بالناس، فيُكسَى ويعطى، فقال سفيان: إذا كان يومُ القيامة أثيب أهلُ القرآن من قراءتهم، ويقال لمثل هذا: قد تعجَّلت ثوابَك في الدنيا، فقال: يا أبا عبدالله، تقول لي هذا وأنا جليسك؟ قال: أخافُ أن يقال لي يوم القيامة: كان هذا جليسَك، أفلا نصحْتَه؟![10].

 

• الرِّفْق زينة النصيحة: ونعني بالرفق استخدامَ أسلوب الوُدِّ واللين ابتداءً، والرفق هو زينةُ العمل وجمالُه الذي يراه فيه الآخرون، وقد نضطرُّ إلى تغيير الأسلوب أحيانًا؛ لضرورة شرعية، ولكن الأصلَ هو الرِّفْقُ.

 

لذلك؛ لا بد من ترويضِ وتدريب النفس على قَبول خشونة الآخرين وتَعسُّفهم أحيانًا من أجل استخدام الرفق كطريقة مقابلة للنصيحة، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، زوج النبيِّ صلى الله عليه وسلم، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الرفق لا يكونُ في شيء إلا زانَه، ولا يُنزَعُ من شيء إلا شانه))[11]، يقول الشاعر:

رفيق نصوح ذو ذمام أكيدة
عطوف على مرءٍ لصحبته ألوى
يميط الأذى مهما استعنت جنابه
ويدفع عن أربابه عارض البلوى

 

• عمل الناصح بمقتضاها: والقصدُ من ذلك أن يكون الناصحُ ممن يعمل بمقتضى الموضوع الذي يَنصحُ فيه؛ فإن (فاقد الشيء لا يُعطيه)، ومما يُذكَرُ في هذا الباب أنه طُلِب من الحسن البصري رحمه الله وكان خطيبًا في أحد مساجدِ البصرة أن ينصح الناسَ في خطبته في قضية (عتق الرقاب) وفضلِه، فتأخَّر جمعة وأخرى، وربما أخرى، ثم تحدَّث بالموضوع، فلما سُئل عن سبب التأخير بيَّن للسائل أنه لم يكن قد أعتق عبدًا سابقًا، ولم يكن عنده المال لِيقومَ بذلك؛ فتأخَّر حتى اشتغل بما وفَّر له المال، فاشترى عبدًا فأعتقه؛ لأنه لم يشأ أن ينصَحَ الناس بشيء لا يفعلُه بنفسه.

 

• الجدية في تطبيق ما يتفق عليه من قوانين: إن القوانين والأنظمة المتَّفق عليها بين الأطراف ليست لأغراض إعلامية أو استعراضية أو تكميلية، إنما يُفترَضُ أن تكون أساسية وحقيقيَّة، ونابعة من حاجة هذه الأطراف إلى قوانين يَحيَوْن بها، وتستقيم عليها حياتُهم، وهذا كان دأبَ رسولِ الله محمد صلى الله عليه وسلم في تعامله مع من يعيش معهم، فعن أُسيد بن حضيرٍ رجل من الأنصار رضي الله عنه قال: بينما هو يُحدِّث القوم، وكان فيه مزاح بينا يضحكُهم، فطعنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في خاصرته بعودٍ، فقال: أصبرني، قال: ((اصطبر))، قال: إن عليك قميصًا وليس عليَّ قميص، فرفَعَ النبي صلى الله عليه وسلم عن قميصه، فاحتضنه، وجعل يُقبِّل كشحه، قال: إنما أردتُ هذا يا رسولَ الله؛ قوله: أصبرني يريد أقدني من نفسك، وقوله: اصطبر معناه استقد[12].

 

وكان رسولُ الله محمد صلى الله عليه وسلم جادًّا وحريصًا في السماح لهذا الرجل بأخذ حقِّه الذي يراه مناسبًا، وبقدر ما يرضى مَن وقع عليه الحيف، وجاء حرص رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بأن يكون أولَ مَن يُطبِّقُ أحكام الشريعة ونصوصها، التي هو من جاء بها.

 

وإن واحدًا من أسباب فقدان الثقة بين الناس هو عدمُ المصداقية في أساليب التعامل على أرض الواقعِ، ومن ذلك عند توزيع الأدوار والمهام والمسؤوليات، تجرى انتخابات شكلية أو (صورية) محسومة النتائج، ربما لأغراض إعلاميَّة أمام الآخرين، أو أنها تعمل على إضفاء الشرعية اللازمة لأولئك الذين يتصدَّرون مهام العمل، ويضطلعون بمسؤولياته.

 

• العفو عن المخطئ: فالإنسانُ الصادق في العَلاقة هو الذي يعفو عمن ُيسيء إليه، لأنه هو شخصيًّا سيُخطئ يومًا ما، وسيحتاج إلى مَن يعفو عنه، والعفو هو لبُّ الإحسان إلى الناس، يقول الشاعر:

أحسِنْ إلى الناس تستعبدْ قلوبَهمُ
فطالما استعبَد الإنسانَ إحسانُ
وإن أساء مسيءٌ فليكن لك في
عروض زلته صفحٌ وغفرانُ

 

• السخاء: وهو معيارُ مهم للمصداقية؛ لأنه ببساطة الضد من المصلحة، ولم أجد بعدَ سخاء رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم مع مَن كان معه، بل حتى معنا نحن اليوم سخاء - كموقف الليث بن سعد رحمه الله مع الإمام مالك رحمه الله، فقد كتب مالكٌ إلى الليث بن سعد أن عليه دَيْنًا، فبعث له بخمسمائة دينار، ثم كتب له مرة أخرى أنه يريد أن يزوِّج ابنته، فبعث له بثلاثين جملاً محمَّلة بالعصفر، وكان العصفر غاليًا، فباعه الإمام مالك، فزوَّج ابنته، وبقي له فضلةٌ وفيرة من المال.




وعن أسماء رضي الله عنها، قالت: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا توكي[13] فيوكى عليك))[14].

ويقول الشاعر:

كريم صبيح الوجه سال بشاشةً
وأصبح في بدرِ التهلل محتفَّا
جواد سخيٌّ أريحيٌّ وإنَّه
لبحرُ الندى والجود يولي الندى جزفَا

 

• الكسب غير المشروع: ولا يصحُّ أن يستثمر الفردُ العَلاقة في الحياة بشكل عام أو في العمل بشكل خاص لأغراض شخصية؛ كرفع رصيده الشخصي اجتماعيًّا أو ماليًّا، أو أي صفة من الصفات، فأي إنجازات ينبغي أن تَصبَّ في المصلحة العامة، وليس المصالح الشخصية؛ فعن أبي حُمَيْدٍ الساعديِّ رضي الله عنه، قال: استعمَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد، يقال له: ابن اللُّتْبيَّة، على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أُهدِيَ لي، قال: ((فهلاَّ جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر يُهدَى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحدٌ منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يَحمِله على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر))، ثم رفع بيده حتى رأينا عفرة إبطيه: ((اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ - ثلاثًا -))[15].

 

المصداقية في العلاقة تقتضي رفع مقام الآخرين، فلا بد أن يَعِيَ كلُّ فرد تمامَ الوعي أن إنزال الناس منازلَهم التي يستحقونها - واجبٌ عليه، وأن هذا الأمر سيعودُ بالنفع على الجميع، ولن يقتصر على أحد، وهنا مفترَقٌ ينبغي الانتباهُ له، فرفعُ مَن لا يستحقُّ سيُشكِّلُ خطرًا على مستقبل العَلاقة، وإنما ينبغي رفعُ مَن يَستحقُّ ويُرجَى فيه الأمل في المستقبل، وكان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم حريصًا على أن يُعلِّم الناس أن يرفعوا من قدرهم وقيمتِهم، فلا يكونوا إمَّعات تتقاذفهم أهواء وآراء الغير، فعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تكونوا إمعةً، تقولون: إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تُحسِنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا))[16].

 

وحين يوجد أحد فيه من الصفات التي ينبغي أن تُحترَم وتصان، فلا نتردَّد في رفع مقامه، وتقديره بالطريقة التي تزيدُه ثقةً بنفسه من أجل المزيد من الإنجازات.

 

• الصبر: العَلاقات الإنسانية جزءٌ من فعاليات الحياة، فلا يتوقَّع أحد أن تكون على وتيرة واحدة، فقد تلثمها اليوم نسمات الود والصفاء والنقاء، ولكن هي غير مضمونة في الغدِ، فربما هبَّت عليها رياح الاختلاف، وعصَفت بها أعاصير الغضب والتشنُّج، وفي كلِّ الأحوال على الفرد الإيجابي أن يَصبِرَ، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المسلم إذا كان يُخالِطُ الناسَ ويصبر على أذاهم، خيرٌ من المسلم الذي لا يُخالِطُ الناس ولا يصبر على أذاهم))[17]، يقول الشاعر:

وقد يحفظ المرءُ الكريم إخاءه
ويلقي عليه الموت والموت أحمرُ
ويصبر للأزْمات صبرَ محافظٍ
وفاءً ليَغْنَى خِدنُه وهْو معسرُ

 

وتحقيق المصداقيَّة في العلاقات لن يكون سهلاً إلا ببذل الجهد في مجاهدة النفس ورغباتها الكثيرة، ومدافعة الدنيا ومغرياتها المثيرة، وهذا هو السبب في قول عبدالله بن المبارك للسَّرخسي رحمهما الله: (ما أعياني شيءٌ كما أعياني أني لا أجد أخًا في الله عز وجل).

 

لقد كانت حادثة (المخلَّفين) في غزوة تبوك مثالاً رائعًا وحقيقيًّا لنموذجِ المصداقيَّة الحقَّة في أرفع العَلاقات الإنسانية، ومن جميع الأطراف، سواء من النموذج الذي مثلهم، وهو كعب بن مالك رضي الله عنه، أو من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أو من الصحابة رضي الله عنهم، فعلى الرغم من أن المُخلَّفين كانوا كثيرين؛ حيث كانوا بضعة وثمانين رجلاً، إلا أن البيان القرآني للقصة دار حول ثلاثة أشخاص منهم فقط؛ لسبب واحد هو أنهم لم يحاولوا أن يكذبوا، وأصروا أن يعالجوا ما اقترفوا من جريمة بالصدق تحديدًا، لقد روى كعب بن مالك رضي الله عنه بنفسه قصَّته التي نختار نتفًا منها، حيث يقول رضي الله عنه: (فقال لي صلى الله عليه وسلم: ((ما خلَّفك، ألم تكن قد ابتعتَ ظهرَك؟)).

 

فقلت: بلى، إني والله لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيتُ أن سأخرج من سخطه بعذرٍ، ولقد أُعطيتُ جدلاً، ولكني والله لقد علمتُ لئن حدَّثتُك اليوم حديثَ كذب ترضى به عني، ليُوشكَنَّ الله أن يُسخطك عليَّ، ولئن حدثتُك حديث صدق، تجد عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عفوَ الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنت قطُّ أقوى، ولا أيسر مني حين تخلَّفتُ عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك)).

 

وعلى الرغم من شدة العقوبات التي فُرضت على هؤلاء الثلاثة ومعاناتهم منها، فقد منع الناس من أن يُكلِّموهم، وأُمروا أن يعتزلوا أهلَهم، حتى شعروا أن الأرض تنكَّرت لهم، وضاقت بهم على رحابتها، وضاقت عليهم أنفسهم، إلا أن ذلك لم يَثنِهم عن أداء واجباتهم على الوجه الأمثل، فيقول كعب رضي الله عنه: (فلما صلَّيْت صلاة الفجر صبحَ خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيتٍ من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رَحُبت، سمعت صوتَ صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعبُ بنَ مالكٍ، أبشِرْ، قال: فخَرَرْتُ ساجدًا، وعرفتُ أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشِّروننا).

 

وتأتي المكافأة على قدر المصداقية، فيقول كعب بن مالك رضي الله عنه: (فلما سلَّمْتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور: ((أبشر بخيرِ يومٍ مرَّ عليك منذ ولدَتْك أمُّك!))، قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: ((لا، بل من عند الله))، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ استنار وجهُه حتى كأنه قطعةُ قمر، وكنا نعرفُ ذلك منه، فلما جلستُ بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلَعَ من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَمسِكْ عليك بعضَ مالك؛ فهو خير لك)).

 

قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسولَ الله، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أُحدِّثَ إلا صدقًا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت).




وكأن كعب بن مالك رضي الله عنه في ذلك اليوم في ليلة عُرس وهو عريسها، أو كأنه في يوم عيدٍ خاص به، ولنا أن نتخيل أن كلَّ الأنظار تَتَّجه صوبه، ليس ذلك فحسب، بل يُنزل الله جل جلاله قرآنًا يُتْلى بحقِّ كعب بن مالك وصاحبَيْه، فيقول الله جل جلاله: ? وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ? [التوبة: 118]، وسُمِّيت السورة التي اشتملت على هذه الآيات سورة التوبة.




[1] صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ? [التوبة: 119].

[2] المستدرك على الصحيحين؛ للحاكم، كتاب البيوع، حديث معمر بن راشد.

[3] صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: في فضل الحب في الله.

[4] آداب العشرة وذكر الصحبة والأخوة؛ أبو البركات محمد الغزي، ص: 22.

[5] المستدرك على الصحيحين؛ للحاكم، كتاب البر والصلة، حديث عبدالله بن عمرو.

[6] صحيح مسلم، كتاب السلام، باب: بيان أنه يستحبُّ لمن رئي خاليًا بامرأة وكانت زوجته أو محرمًا له أن يقول: هذه فلانة؛ ليدفع ظن السوء به.

[7] مقامات العلماء بين يدي الخلفاء والأمراء؛ أبو حامد الغزالي، ص: 35.

[8] صحيح البخاري، باب بدء الوحي.

[9] صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب: صب الماء على البول في المسجد.

[10] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء؛ أبو نعيم الأصفهاني، ج7، ص: 16.

[11] صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: فضل الرفق.

[12] السنن الكبرى للبيهقي، كتاب النكاح، جماع أبواب الترغيب في النكاح وغير ذلك، باب: ما جاء في قبلة الجسد.

[13] توكي: تدخري، أي: لا تمسكي وتدخري مالك، ولا تنفقيه في سبيل الله؛ فتحرمي الخير.

[14] صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب: التحريض على الصدقة والشفاعة فيها.

[15] صحيح البخاري، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب: من لم يقبل الهدية لعلة.

[16] سنن الترمذي الجامع الصحيح، الذبائح، أبواب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب: ما جاء في الإحسان والعفو.

[17] سنن الترمذي الجامع الصحيح، كتاب الرقائق، باب فضل مخالطة الناس والصبر عليهم.


"
شارك المقالة:
6 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook