ركائز العمل المؤسساتي في الإسلام: الواقعية

الكاتب: المدير -
ركائز العمل المؤسساتي في الإسلام: الواقعية
"سلسلة ركائز العمل المؤسساتي في الإسلام
خامسًا: الواقعية



وننطلق لمفهوم الواقعيَّة في العلاقات بين الناس من أساسين في غاية الأهمية، هما:

الأساس الأول: أنَّ الإنسان مخلوق، وأنَّ أهمَّ صفة للمخلوق أنَّه غير كامل، وغير الكامل تعتريه الكثير من صفات النَّقص المختلفة؛ كالجهل والطمع، والعجز والحسد، والنسيان والغفلة، والغيرة والبخل، وضعف النفس وغلبة الشهوة، وليس بالضرورة أن تظهر كلُّ هذه الصفات السلبيَّة مجتمعة مرَّة واحدة، ولكنها قد تظهر كلُّ واحدة منها حسب الحال الذي يكون عليه الفرد؛ كمثال على ذلك: فإنَّ البخل لا يظهر إلاَّ حين يمتلك الفرد المالَ ولا ينفقه في أبواب الخير، وسوء الخُلُق يَظهر عند السفر مثلاً.

 

ونذكر هنا بعضَ الصِّفات السلبيَّة والسيئة التي تُلازم الإنسان والتي جاء ذكرُها في القرآن الكريم، يقول تعالى: ? قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا ? [الإسراء: 100]، وقال تعالى: ? خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ? [الأنبياء: 37]، وقال تعالى: ? وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ? [الأحزاب: 72]، وقال تعالى: ? إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ? [المعارج: 19]، وقال تعالى: ? كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ? [العلق: 6، 7].

 

وفي العادة تؤثِّر في سلوك الفرد ظروفٌ مختلفة تحيط به؛ كالحرَج والخوف، والجوع والحاجة، وفقدان الأمن، فيظهر منه نتيجة لذلك سلوكٌ معيب عرفًا أو محرَّمٌ شرعًا، أو نراه نحن كذلك؛ لذلك لا بدَّ من مراعاة كل ذلك، واعتبار ذلك هو واقع الإنسان الذي لا مفرَّ منه.

 

وعلى هذا الأساس تعامَل رسولُ الله محمد صلى الله عليه وسلم مع ذلك الأعرابيِّ الذي كان يسيء له شخصيًّا؛ بسبب جهله، وطبعه الغليظ، الآتي من تأثيرات عمق الصحراء، فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: كنتُ أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بُردٌ نجرانيٌّ غليظُ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ فجبذه بردائه جبذةً شديدةً، حتى نظرتُ إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثَّرَت بها حاشيةُ البُرد من شدَّة جبذته، ثُمَّ قال: يا محمد، مُر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثُمَّ ضحك، ثُمَّ أمر له بعطاءٍ[1].

 

الأساس الثاني: أنَّ الناس قد كُتبَت لهم أقدار قدَّرها الله جلَّ جلاله لهم، ليسوا لها بمختارين؛ كالرزق والشَّكل، ولون البشرة، ومستوى الذَّكاء، واختيار الوالدين، فينبغي أن يكون التعامُل معهم وفق هذا الواقع، وألَّا يُتجاوز على حقوقهم البشريَّة بسبب ذلك، فعن المعرور بن سويد رضي الله عنه قال: لقيتُ أبا ذرٍّ بالربذة، وعليه حلَّة، وعلى غلامه حلَّة، فسألتُه عن ذلك، فقال: إنِّي ساببتُ رجلاً فعيَّرتُه بأمِّه، فقال لي النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر، أعيَّرتَه بأمِّه؟ إنك امرؤ فيك جاهليَّة، إخوانكم خوَلكم[2]، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليُطعِمه ممَّا يأكل، وليلبِسه ممَّا يلبس، ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلَّفتموهم فأعينوهم))[3].

 

أمام هذا الواقع أصبح من المنطق أن يكون التعامل مع الآخرين بواقعيَّة هذه الأسس، ومن هنا وجب التعامل مع الآخرين وفق الواقع المتاح لنا ولهم، ضمن المناخ الذي نعيشه، بمعنًى آخر: وفق الظُّروف التي نعيشها؛ لأنَّ الأمور التي نتعايش معها اليوم تختلف عن عصر الصحابة رضي الله عنهم وعن عصر صلاح الدين الأيوبي؛ فتلك العصور لها خصوصيتها، وعصرنا له خصوصيته (في أمور الدنيا).

 

إنَّ تقبُّل واقع الآخرين يَمنحنا فرصةً مناسبة للتعامل معهم، ونتقبَّل الواقع كما هو، بسلبيَّاته وإيجابياته، فنعمل لمعالجة السلبيَّات واستثمار الإيجابيَّات؛ لنجعل كلَّ هذه الأمور تصب في مشروع أهدافنا التي رسمناها.

 

فأصبح من موجبات العقل ألاَّ نطلب من النَّاس أن يكونوا كالملائكة في تصرُّفاتهم، فنحبُّهم ألا يخطئوا ولا يقصروا ولا يجزعوا، وإذا عملوا عملاً أن يتقنوه ويقدِّموه كاملاً رائعًا، فإذا طلبنا ذلك منهم سنكون قد تصرَّفنا بعيدًا عن الواقعيَّة؛ لأنَّهم ببساطة ليسوا ملائكة.

 

وعلينا أن نتذكَّر دائمًا أنَّ الآخرين بشر مثلنا، فنسمح لهم بنِسبة مقبولة من الخطأ ونَعذرهم في ذلك، مثلما نَسمح لأنفسنا في ذلك، ونساعدهم على تخطِّي عقبات الأخطاء بكلِّ الوسائل المتاحة لنا.

 

ولعلَّ هذا هو السَّبب الرئيس والمباشِر الذي دفع عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه لأن يقول: حدِّثوا الناسَ بما يعرفون؛ أتحبون أن يُكذَّبَ اللهُ ورسوله؟[4]، يقول الفضل بن الوليد:

لئن تكُ زلاتُ الكبارِ كبيرةً ??? فأكبرُ منها من عَفا وأقالَها

 

ويقول شاعر آخر:

إذا كان أصلُ الناسِ من حَمَأٍ فما
عسى أن يُرى في الفرعِ صفو المشاربِ
إذا كنتَ تبغي صاحبًا دون زلَّةٍ
أُجِئتَ إلى زلاتِ غير المصاحبِ

 

وحين نسمح للآخرين بالخطأ ولا نستعجل بالحكم على تصرُّفاتهم حتى نتبيَّن الأمر، فإنَّنا في تلك اللَّحظة نتصرَّف بغاية الواقعيَّة في الموضوع، ولكن قبولنا بنسبة مقبولة من أخطاء الآخرين لا يعني أن نترك لهم الحبلَ على الغارب فنقبل منهم كلَّ الأخطاء؛ لأنَّ هذا الأمر سيشجِّعهم على التمادي واقتراف المزيد من الأخطاء.

 

? ومن الواقعية ألاَّ نعيِّر أحدًا على خطأ ارتكبَه أو فِعل قام به؛ لأنَّ ذلك ليس دورنا في الحياة، وإنَّما النَّصيحة والتقويم؛ لأنَّنا ربَّما جاء اليوم الذي نفعل ما فعل ذلك الفرد، عن صالح المري قال سمعت الحسن البصري يقول: كنا نحدث أنه من عير أخاه بذنب قد تاب الي الله منه، ابتلاه الله عز وجل به.[5].

 

وتكون العلاقة واقعيَّة حين تكون منصِفة بين الطَّرفين أو الأطراف، وإنَّ إنصاف الآخرين من أنفسنا لهو من رفعة الأخلاق وتمامها، يقول عمَّار بن ياسر رضي الله عنه: ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: الإنفاق من الإقتار، وإنصاف الناس من نفسك، وبَذل السلام للعالم[6].

 

لقد مكَّن رسولُ الله محمد صلى الله عليه وسلم بعضَ الصحابة رضي الله عنهم من نفسه الشريفة الطَّاهرة الزكيَّة؛ وما فعل ذلك إلا أنَّه مؤمن أنَّ القدوة لا بدَّ أن يكون أول من يطبِّق ما يدعو له، وهنا موضع الإنصاف من النَّفس، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عدَّل صفوفَ أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدِّل به القوم، فمرَّ بسواد بن غزية رضي الله عنه حليف بني عدي بن النجار، قال: وهو مستنتل من الصفِّ، فطعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالقدح في بطنه، وقال: ((استوِ يا سواد))، فقال: يا رسول الله، أوجعتَني وقد بعثك الله بالعدل، فأقِدني، قال: فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ((استقِد))، قال: يا رسول الله، إنَّك طَعنتني وليس عليَّ قميص، قال: فكشف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه، وقال: ((استقِد))، قال: فاعتنقه، وقبَّل بطنَه، وقال: ((ما حملَك على هذا يا سواد؟))، قال: يا رسول الله، حضرني ما ترى، ولم آمَن القتل، فأردتُ أن يكون آخر العهد بك أن يمسَّ جلدي جلدك، فدعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم له بخير[7].

 

? عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث مهلِكات:

? شح مطاع.

? وهوًى متَّبَع.

? وإعجاب المرء بنفسه من الخيلاء.

 

وثلاث منجيات:

? العدل في الرضا والغضب.

? والقصد في الغنى والفاقة.

? ومخافة الله في السرِّ والعلانية))[8].

 

وليس من الواقعيَّة أن نعامل الجميعَ بنفس الطَّريقة أو بنفس المستوى؛ فالنَّاس مراتب ومنازل، مثلما هم متفاوتون في مستوى العمل وفي المسؤولية، فاقتضى أن نعطي كلَّ ذي قدر قدرَه، فعن أمِّ المؤمنين عائشة بنت الصدِّيق رضي الله عنها، قالت: أمَرَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن ننزِل الناسَ منازلَهم[9]، وهذه المنازل تتفاوت من حيث: العلم، الوظيفة، المكانة الاجتماعية، والراتب وفقًا لنوع العمل، ولكنها متساوية في الإنسانيَّة واستحقاقاتها، المتمثلة في الكرامة وحق الحياة، والمطعم والمأكل والمجلس، وغيرها.

 

? المشاورة: فالواقع يقول: إنَّ الإنسان يَحتاج إلى مشورة الآخرين، بل لا غنى له عنها، والسبب هو عدم كماله، فعجزه وقلَّة عِلمه ومحدوديَّة إمكاناته تُلجئه إلى من يقدِّم له المشورة، والمشاورةُ مع رفقاء المسيرة في الحياة، سواء في العمل أو في الدراسة أو أي مكان آخر - واجبةٌ؛ لذلك خاطَب بها الله جلَّ جلاله نبيَّه بصيغة فِعل الأمر (شاوِر)؛ حيث قال تعالى:? فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ? [آل عمران: 159]، والمشاورَة لها أصولها وطُرقها، فلا بدَّ أن يعي الفردُ لماذا يشاور؟ ومتى؟ ومَن يشاور؟ وفي أيِّ شيء؟

 

وللمشاورَة مقدِّمات أشارَت إليها الآيةُ الآنفة الذِّكر، وهذه المقدمات هي:

? أن تشاور أهلَ الله جلَّ جلاله، والسائرين في طريقه جلَّ جلاله، وأنَّ مجمل عمليَّة المشاورة يجب أن تكون في ذات الله جلَّ جلاله؛ لعلَّها تصيب رحمتَه جلَّ جلاله، ولهذا ابتدأت الآية: ? فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ? [آل عمران: 159]، ويستحسن ألا يُشاوِرَ أهلَ الفسوق والفجور إلاَّ مضطرًّا وفي الحالات الخاصَّة التي لا يتخصَّص بها غيرهم.

 

ومن هنا وجب على مَن كان في رأس هرَم - أي: فريق عمل - أن يشاوِر من يتَّصف بهذه الصِّفة ليكون أهلاً للمشورة، لقد كان عمر بن عبدالعزيز يطلب المشورةَ والنَّصيحة من الحسن البصري رحمه الله، فقد كتب عمر بن عبدالعزيز رحمه الله إلى الحسن البصري يسأله عن صِفة الإمام العادِل، فكتب له الحسن البصريُّ: اعلم يا أمير المؤمنين أنَّ الله جعل الإمامَ قوام كلِّ مائل، وقصد كلِّ جائر، وصلاح كلِّ فاسد، وقوة كل ضعيف، ونُصرة كلِّ مظلوم، ومَفزَع كل ملهوف، والإمام العادل كالرَّاعي الشفيق على إبله والرَّفيق بها، الذي يرتاد لها أطيبَ المراعي، ويذودها عن مراتع الهلَكة، ويحميها من السِّباع، ويكنُّها عن أذى الحرِّ والقرِّ.

 

والإمام العادِل كالأب الحاني على ولده؛ يسعى لهم صغارًا، ويعلِّمهم كبارًا، يَكتسب لهم في حياته، ويدَّخر لهم بعد مماته.

 

والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأمِّ الشَّفيقة البرَّة الرفيقة بولدها، حملَته كرهًا ووضعَته كرهًا، وربَّته طفلاً؛ تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، وترضعه تارة وتفطمه تارة أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتمُّ بشكايته.

 

والإمام العادل: كوصي اليتامى وخازِن المساكين؛ يربِّي صغيرَهم، ويمون كبيرهم.

والإمام العادل: كالقلب بين الجوارح؛ تصلُح الجوارحُ بصلاحه، وتفسد بفساده.

والإمام العادل: هو القائم بين الله وبين عباده؛ يسمع كلامَ الله ويُسمعهم، ويَنظر إلى الله ويُريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم.

 

فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملَّكك الله جلَّ جلاله كعبدٍ ائتمنه سيِّدُه واستحفظه مالَه وعياله، فبدَّد المال، وشرَّد العيال؛ فأفقر أهلَه، وفرَّق مالَه[10].

 

? المشاورة تكون مع الذين بين الفرد وبينهم تعامُل باللِّين والحسنى، وجاءت هذه في قول الله تعالى: ? لِنْتَ لَهُمْ ? [آل عمران: 159].

 

? ألاَّ تكون مع من حصل بينهم شَحناء وغِلظة وتشاجر؛ لأنَّ ذلك الأمر يؤدِّي إلى النفرة من المستشير، وقد لا يحصل على مراده، ? وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ? [آل عمران: 159].

 

? يفضَّل أن يكون هناك تعامل سابق، وأن تكون قد أسديتَ لهم معروفًا؛ كأن تكون قد عفوتَ عنهم سابقًا، أو أنَّك تدعو لهم؛ حتى يبعث فيهم الإحساس أنَّهم يقومون بردِّ الجميل، قال تعالى: ? فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ? [آل عمران: 159].

 

وبعد الأخذ بكلِّ هذه المقدِّمات، ينطلق الفرد فيشاور وفق الأسس التالية:

1- هناك استشارة عامَّة وخاصَّة؛ فالعامَّة أن يُستشار إنسان له خبرة في الحياة بشكلٍ عام وله معرفة بالناس، فيوجِّه المستشير توجيهًا عامًّا إلى ماذا يمكن أن يعمل؛ بمعنى أنَّه يضع له خارطة طريق.

 

وأمَّا الاستشارة الخاصَّة، فهي المتعلِّقة بموضوع الاستشارة؛ كأن يستشير طبيبًا في إجراء عملية جراحيَّة، ومهندسًا في بناء بيت، وميكانيكيًّا في شراء سيارة وهكذا، يقول الشاعر:

أُشاوِر أَهلَ الرَّأي فيما يَنوبُني
وَإن كان لِي رأيٌ أَحَدُّ صَليبُ
ولا أدَّعي بالجَهل عِلمًا لِسائلٍ
ولا أحسُدُ المَسؤول حين يُجيبُ

 

2- في الاستشارة الخاصَّة تفضَّل استشارة صاحب التجربة العمليَّة المشابهة لقضيَّة المستشير، يقول الشاعر:

 

ودَعِ المضلِّلَ والمُخاتِلَ إنَّنا ??? ضِقنا بتضليل الدعاةِ خِناقَا

 

3- الاستشارة أمانة، والأمانة حمل ثَقيل، فينبغي أن يَنتبه المستشير أين يضع أمانتَه، وينتبه المستشار إلى حَجم الأمانة الملقاة على عاتقه، فعن أبي مسعودٍ الأنصاري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المستشار مؤتمَن))[11].

 

4- عدم الاعتماد على ما يقدِّمه المستشار؛ لأنَّ الأمر بالتالي ليس بيده، وهو يُبدي للمستشير رأيًا ليس إلاَّ، وإنَّما التوكُّل يكون على الله جلَّ جلاله تحديدًا.

 

5- عدم الإكثار من المستشارين؛ فيكفي أن يُستشار واحد أو اثنان؛ لأنَّ مع الكثرة قد لا تتطابق الآراء، فيكون بجعبة المستشير أكثر من رأيٍ، فيتشتَّت أمام كثرة البدائل، ويصعب عليه اتِّخاذ القرار المناسِب في الوقت المناسب.

 

6- الانتباه إلى قضيَّة الوقت في المشاورة؛ لأنَّه قد تأتي المشورة مطابقة، ولكن بعد فوات الأوان.

 

7- الإيمان بأنَّ المشورة سبب، وأنَّ النتائج عند الله جلَّ جلاله، فوجب تعلُّق القلب بالله جلَّ جلاله.

 

8- الاستشارة لا يُقصد منها الاستفادة في موضوع معيَّن فقط؛ وإنَّما تُستثمر كرابطٍ جيد وفعَّال في توثيق العلاقة بين الأطراف أيضًا، وبذلك تكون مساعدًا عمليًّا في ضبط البوصلة.

 

? عدم استعجال النتائج؛ فمن الأخطاء التي يقع فيها معظَم النَّاس أنَّهم يَستعجلون نتائجَ الأشياء، فقد فقدوا الصَّبرَ على انتظار النتائج، ويرغبون في ظهور نتائج إيجابيَّة عن أي عملٍ يقومون به، ويرفضون بشدَّة النتائج السلبيَّة وإن كانت انعكاسًا لأخطائهم، وإنَّ ثمرة الصَّبر عظيمة، ولقد كافأ الله جلَّ جلاله نبيَّه يعقوب عليه السلام بعودة ولده نبيِّ الله يوسف عليه السلام بعد فترةِ صبرٍ عصيبة، ولكن النتائج كانت باهِرة، يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: كان بين فراق يوسف حجرَ يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة[12].

 

? مصاحبة أهل الإيمان: في الغالب حين تتوفَّر مواصفات متميزة للفرد من الجوانب الماديَّة أو الاجتماعيَّة أو الوظيفيَّة، يتحلَّق حول ذلك الشخص الآخرون طلبًا للمنفعة، والقليل من هؤلاء هم المخلصون الصادِقون من الذين همهم قضيتهم التي يعملون من أجلها، مِن هنا كان لا بدَّ للفرد من الانتباه والتمييز بين من يقترب من أجل المنفعَة، وسيتنازل عن العلاقة والمعيَّة في أقرب وقت أو تحت ضغط أي أَزمَة، وبين المخلِص الذي يسير مع الصديق حتى نهاية المطاف لا تؤثِّر فيه عوائقُ المسيرة ولا مطبات الأزمات، فعن أبي سعيد الخدري، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تصاحِب إلاَّ مؤمنًا، ولا يأكل طعامَك إلا تقي))[13].

 

لقد وضع رسولُ الله محمد صلى الله عليه وسلم الصحابيَّ أبا ذر الغفاري على طريق الواقعية في التعامل مع الآخرين عندما قدَّم له وصفة في التعامل معهم، فعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، قال: أوصاني خليلي صلَّى الله عليه وسلم، بخصالٍ من الخير: أوصاني:

? بأن لا أنظر إلى من هو فوقي.

? وأن أنظر إلى من هو دوني.

? وأوصاني بحب المساكين والدنوِّ منهم.

? وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرَت.

? وأوصاني ألاَّ أخاف في الله لومة لائم.

? وأوصاني أن أقول الحقَّ وإن كان مُرًّا.

? وأوصاني أن أُكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنَّها كنز من كنوز الجنة[14].

 

[1] متفق عليه، واللفظ لمسلم.

[2] الخول: الخدم والعبيد.

[3] صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب: المعاصي من أمر الجاهلية.

[4] صحيح البخاري - كتاب العلم باب من خص بالعلم قومًا دون قوم.

[5]كتاب الزهد، الإمام أحمد بن حنبل - أخبار الحسن بن أبي الحسن، الحديث 1628.

[6] جامع معمر بن راشد - باب إفشاء السلام.

[7] معرفة الصحابة؛ لأبي نعيم الأصبهاني - باب السين - من اسمه سفيان - سواد بن غزية الأنصاري.

[8] المعجم الأوسط للطبراني - باب الميم - من اسمه: محمد.

[9] مسند أبي يعلى الموصلي - مسند عائشة.

[10] الحكمة والحوار علاقة تبادلية؛ د. عباس محجوب، ص 86 - 87.

[11] سنن الدارمي - كتاب السير - باب: المستشار مؤتمن.

[12] المستدرك على الصحيحين للحاكم - كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين - ذكر يوسف بن يعقوب صلوات الله عليهما.

[13] صحيح ابن حبان - كتاب البر والإحسان - باب الصحبة والمجالسة - ذكر الأمر للمرء أن لا يصحب إلا الصالحين.

[14] صحيح ابن حبان - كتاب البر والإحسان باب صلة الرحم وقطعها - ذكر وصية المصطفى صلى الله عليه وسلم بصلة الرحم.


"
شارك المقالة:
2 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook