زيارة الرحيل

الكاتب: المدير -
زيارة الرحيل
"زِيارةُ الرَّحِيل

 

في صِغَري كنت أستطيع ذكر الأشخاص الذين ماتوا ممن كنتُ أعرفهم لقلَّتِهم، كانوا لا يتجاوزون عدد أصابع يدي، فلم أكن أعرف الكثير، وكم كان يزداد بي الخوف حين يكثُر ذلك العدد! حين طال بي العُمُر الآن زادوا كثيرًا، ولو حاولت حصر مَن رحلوا لَمَا استطعت؛ إنهم كثيرون، رجال ونساء كبار وصغار، أقارب وأباعد، كلُّهم زارهم الموت، وكانت زيارته لهم على غير ميعاد، وكم للموت من وقْعٍ في النفس حين يكون الرَّاحل قريبًا أو معروفًا!

 

البعض لم يكن بين لقائي به وبين زيارة الموت له إلا ساعات معدودة، رغم أنه كان في أَوْجِ شبابه وكمال صحته؛ وهذا ما يجعل الموت مخيفًا، أنه يأتي بَغتة، لا يخبرنا بموعد الرحيل، ولا يُحدِّثنا عن لحظة المغادرة، ولا يسألنا: هل نحن مستعدُّون للقاء؟

 

مع أنني على يقينٍ بأني يومًا ما سأرحل عن هذه الدار ولا بُدَّ؛ لكني أخاف زيارة الرحيل؛ لأن معركتي مع نفسي سجال، ولا أدري لمن الغلبة حين تأتي تلك الزيارة، أخاف زيارة الرحيل أن تأتي ونيَّتي لا يزال فيها دخنٌ، ورُوحي لم تطمح بعدُ للرقي نحو السماء، ونفسي لم تُقدِّم شيئًا جديدًا في الحياة، أخاف زيارة الرحيل أن تأتي قبل أن أعتذر لذلك الشخص الذي أساءت إليه، ولذلك الإنسان الذي ظلمته، ولذلك العبد الذي آذيته، إنني أخاف زيارة الرحيل أن تأتي وأنا ما زلت مُقصِّرًا في طاعة ربي، ولست مستعدًّا للقائه.

 

ما يبعث في النفس الطمأنينة تجاه هذه الزيارة - أن من عاش على شيء مات عليه، فمن أحسن العمل في حياته، هانت عليه تلكم الزيارة: ? فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ? [الواقعة: 88 -90].

 

يا رب، أسألك حُسنَ الخاتمة.


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook