سفر القلب

الكاتب: المدير -
سفر القلب
"سفر القلب




كم في الدنيا من أسفار!

كم سافرتَ مرَّاتٍ ومرات، وقطعت سهولًا وبحارًا!

لكن، هل سافر قلبُك يومًا ما؟

هل تعرفُ سفرَ القلب ومعناه؟

 

إنه سفرُ المشتاق إلى ربِّه، يسيرُ إليه فيه بقلبِه، يسلك كلَّ الدروب للوصول إلى محبوبه، ينتظر الرحيل مِن هذا العالم إلى لقائه، وعلى أعتاب عبوديَّته خضع قلبُه وسجد فؤاده، يقضي نهاره بالصلاة قائمًا وللآيات تاليًا، وليله ساجدًا، ولمولاه مناجيًا، يبغي للقلب طهرًا، وللروح أنسًا.

 

تراه منشغلًا بربه، مداومًا لذكره، قائمًا بحقوقه، ناظرًا إليه بقلبه، متقربًا إليه بالنوافل بعد الفرائض، مؤْثرًا محابَّه على محابِّ نفسه عند غلبات الهوى، مطالعًا لأسمائه وصفاته، مشاهدًا لبِرِّه وإحسانه، وآلائه وإنعامه، منكسرًا بكليَّته بين يديه، متوكلًا عليه، ممتثلًا أوامره، مجتنبًا نواهيَه، صابرًا على أقداره، لسان حاله يقول:

أحبك ربي، أبغي الوصول إليك، أشتاق إلى لقائك، أرجو رضاك وأخشى عذابك، أريد ألَّا يسبقني إليك أحدٌ، أتمنى لو تقوى قدماي على الوقوف بين يديك طيلةَ لَيْلي، وأن يلهجَ لساني بذكرك طيلة نهاري، جوارحي لا تساعدني، لكن قلبي إليك يسير، يجري مسرعًا بل يطير، لا يأنس إلا بالقرب منك، ولا يفرح إلا بالحديث عنك، أكاد أقول لمن يحدثني: لا تكلمني إلا عن ربي، إنه خالقي ورازقي ومدبِّر أمري.

 

يا له من مسافر! كلما زاد الشوق في قلبه، زهدت في الدنيا نفسُه، فيا لنعيم حياته، ويا لأنس فؤاده! وكيف لا؟ ولا يغني القلبَ، ولا يسد خَلَّتَه، ولا يُطفئ وحشته إلا الإقبالُ على ربه، فلا شيء أحب للقلب مِن مولاه وخالقه، ومعبوده ومالكه، وليس عند القلوب السليمة أحلى، ولا ألذ، ولا أطيب، ولا أسرَّ من محبته سبحانه والشوق إلى لقائه، إنه حبٌّ ليس فيه جفاء، وشوق ليس فيه شقاء، إنه سفر القلب إلى الله في كل حال، سفرٌ تفتح للقلب فيه أبوابُ السماء، فيجول في أقطارها وبين ملائكتها، فيرى عظمة ربه، وسَعَة ملكه، وجلاله ومجده؛ فيسجد بين يدي ربه سجدةً لا يرفع منها رأسه إلى يوم المزيد، فهذا سفر القلب وهو في داره ووطنه..

فيا له من سفر، ما أبركه وأَرْوَحه! سفرٌ هو حياة الأرواح، ونعيم الألباب، فهل من مشمِّر للسفر؟


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook