سلسلة صفات عباد الرحمن: البعد عن الزور

الكاتب: المدير -
سلسلة صفات عباد الرحمن: البعد عن الزور
"سلسلة صفات عباد الرحمن
البعد عن الزُور




الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

فإن مما يجب على كل مؤمن ومؤمنة ألا يجالسوا ولا يشاركوا أهل الفسق والعصيان، وألا يكونوا شهود زور لأهل الباطل والعدوان، ولذلك نجد أن من صفات عباد الرحمن المؤمنين أنهم لا يشهدون الزور، قال سبحانه: ? وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ? [الفرقان: 72].

 

أيها الأحبة في الله:

هذه الآية لها معنيان: فشهد تأتي بمعنى: الحضور، كقوله تعالى: ? فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ? [البقرة: 185]، وتأتي بمعنى الشهادة، كقوله تعالى: ? وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ? [يوسف: 26][1].

 

قال القرطبي رحمه الله: (والزور: كل باطل وزخرف، وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد).

 

وقال السعدي رحمه الله: (أي: لا يحضرون الزور أي: القول والفعل المحرم، فيجتنبون جميع المجالس المشتملة على الأقوال المحرمة أو الأفعال المحرمة، كالخوض في آيات الله والجدال الباطل والغيبة والنميمة والسب والقذف والاستهزاء والغناء المحرم وشرب الخمر وفرش الحرير، والصور ونحو ذلك، وإذا كانوا لا يشهدون الزور فمن باب أولى وأحرى ألا يقولوه ولا يفعلوه، وشهادة الزور داخلة في قول الزور تدخل في هذه الآية بالأولوية).

 

فعباد الرحمن المتقون لا يحضرون المجالس التي فيها منكرات لأن من يقعد مع أهل المنكر حال وقوعهم فيه، ولا ينكر عليهم يكون شريكًا لهم في الإثم، ولو كان لا يرضى بهذا المنكر، فإن كان لا يستطيع الإنكار عليهم، فلا يقعد معهم، قال سبحانه:? وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ? [الأنعام: 140].

 

أيها الأحبة في الله:

ما أكثر مجالس الزور في هذا الزمان، وما أكثر من يجلس مع أهل الباطل، دون أن يأمرهم بمعروف أو أن ينهاهم عن منكر، ولا شك أن حضوره معهم من إعانتهم على الباطل والمنكر، وتشجيعهم وتشجيع غيرهم على هذه المعاصي.

 

أيها الأحبة في الله:

لقد نهانا ربنا سبحانه عن قول الزور ومما يدل على خطورة هذا الذنب أن الله تعالى قرنه في النهي بالشرك به فقال سبحانه: ? فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ? [الحج: 30].

 

فإيمان المؤمن يجب أن يمنعه من الجلوس مع أهل المنكرات، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان يؤمن باللهِ واليومِ الآخرِ؛ فلا يجلسْ على مائدةٍ تُدار عليها الخمرُ»؛ رواه الترمذي وصححه الألباني.

 

فلا يجوز للمسلم أن يحضر أماكن المنكرات إلا أن يكون حضوره لإنكار المنكر وتغييره، وقد كان من أسباب لعنة الله لبني إسرائيل أنهم كانوا لا يتناهون عن المنكر كما قال عنهم سبحانه: ? لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ? [المائدة: 78، 79].

 

أيها الإخوة الكرام...

كما أن حضور المجالس يكون بالبدن فإنه يكون أيضًا بمشاهدة القنوات الفضائية أو في وسائل التواصل الحديثة بالصوت والصورة، إما في بث مباشر، أو غيره أو بمشاهدة المقاطع المصورة والمشاركة بالكتابة والتعليق والتغريدات، ونحو ذلك مما يأخذ معنى الحضور وتحصل فيه مشاركة للغير، وللأسف الشديد نجد في وسائل التواصل كثيرًا من المسلمين يشتركون مع أهل الفساد والفسق في قنواتهم وحساباتهم وما يسمى بالجروبات، ويكثّرون سوادهم ولا شك أن هذا مما يشجعهم على المزيد من نشر المنكر ويدعمهم ماديًا فهو تعاون على الإثم والعدوان.

 

والله تعالى يقول: ? وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ? [المائدة: 2].

 

ولا شك أن الإنسان يتأثر بجلسائه وبمن يخالطهم فمع كثرة جلوسه معهم أو مشاهدته لهم يجد نفسه تميل إلى أفعالهم وإن كانت سيئة، وقد يصل به الحال إلى أن يفعل أفعالهم دون تردد فيكون مثلهم.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ والجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صاحِبِ المِسْكِ وكِيرِ الحَدَّادِ؛ لا يَعْدَمُكَ مِن صاحِبِ المِسْكِ إمَّا تَشْتَرِيهِ أوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أوْ ثَوْبَكَ، أوْ تَجِدُ منه رِيحًا خَبِيثَةً »؛ رواه البخاري ومسلم.

إِذَا كُنْتَ فِي قَوْمٍ فَصَاحِبْ خَيَارَهُمْ
وَلَا تَصْحَبِ الأَرْدَى فَتَرْدَى مَعَ الرَّدِي
عَنِ المَرءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ
فَكُلّ قَرِينٍ بالمُقَارِنِ يَقْتَدِي

 

فيا من أكرمه الله تعالى بالإيمان وحب الطاعات وكراهية الذنوب والآثام، أكرم نفسك وصنها ولا تدنسها بمجالس ومواقع الإثم والعدوان، ولا تجالس إلا الأخيار، وفي شبكة الأنترنت لا تتابع ولا تصادق ولا تشترك إلا مع الطيبين الذين ينشرون الخير ولا ينشرون المحرمات كصور المتبرجات، أو المعازف، أوالاستهزاء بالناس، أو غيرها من المنكرات، ولا تعطي إعجابك لكل من هب ودب حتى لا تعين صاحب باطل على باطله فتكون شريكًا له في الإثم.

 

أيها الإخوة الكرام..

كما أن عباد الرحمن لا يحضرون أماكن الباطل، فإنهم أيضًا لا يشهدون شهادة الزور وهذا هو المعنى الثاني لقوله تعالى: ? وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ?، وشهادة الزور: هي الشهادة بالكذب؛ ليتوصل بها إلى الباطل من إتلاف نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام، أو تحريم حلال، أو نحو ذلك.

 

قال ابن كثير رحمه الله:

(وقيل: المراد بقوله تعالى: ? وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ?؛ أي: شهادة الزور، وهي الكذب متعمدًا على غيره، كما ثبت في الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» ثلاثا، قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين» وكان متكئًا فجلس، فقال: «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور ألا وقول الزور وشهادة الزور»، فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت.

 

أيها الأحبة في الله:

وإذا كان الكذب ذنب جرمه عظيم، وآثاره خطيرة، فكيف إذا كان الكذب على صورة شهادة كاذبة تتعدى على حقوق الغير، تبطل الحق، وتؤيد الباطل، وتقف في صف الظالم، وتكذِّب المظلوم.

 

فشهادة الزور ليس ذنبًا هينًا بل هي من أكبر الكبائر، ومع ذلك تجرأ عليها بعض المسلمين، إما في المحاكم أو في غيرها كمن يشهد لموظف بأنه أهل لوظيفة معينة، أو أنه أولى من غيره من الناس، أو أنه يستحق امتيازات، أو بأن له عذرًا وهو كاذب في ذلك كله، إلى غير ذلك من صور شهادات الزور التي تقع في حياة الناس.

 

فما أقبح شهادة الزور فكم بسببها أكلت من حقوق وكم قهرت من نفوس، وكم من الناس يشهدون على أمر لا يعلمون عنه شيئًا، يشهدون زورًا وظلمًا، إما مجاملة لقريب أو صديق، أو لأجل حطام الدنيا الزائل، دون خوف من الله تعالى الذي يراهم ويعلم كذبهم.

 

شهادة الزور ظلم ظاهر، وقد توعد الله الظالم فقال سبحانه: ? وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ? [الفرقان: 19].

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ »؛ رواه مسلم.

 

ورضي الله عن أمير المؤمنين عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فقد عزَّر شاهدي الزور تعزيرًا يليق بجرمهم، فقد كان يَجْلِدُ شَاهِدَ الزُّورِ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً، وَيُسَخِّمُ وَجْهَهُ،- يعني يُسَوّده - وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَيَطُوفُ بِهِ فِي السُّوقِ[2].

 

فاتق الله يا عبدالله ولا تشهد على باطل، ولا تشهد بما لا تعلم يقينًا.

 

قال تعالى: ? وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ? [الإسراء: 36].

 

ولو سئلت الشهادة وأنت تعلم فلا تكتمها واشهد بالحق، ولا تجامل أحدًا بكتم الحق أو بشهادة زور ولو على نفسك أو الوالدين والأقربين.

 

قال سبحانه: ? وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ? [البقرة: 283].

 

وقال تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ? [النساء:135].

 

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الاتصاف بصفات عباد الرحمن، وأن يثبتنا على الدين والإيمان.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.




[1] انظر القاموس المحيط

[2] تفسير القرطبي.


"
شارك المقالة:
3 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook