سلسلة صفات عباد الرحمن (واجعلنا للمتقين إماما)

الكاتب: المدير -
سلسلة صفات عباد الرحمن (واجعلنا للمتقين إماما)
"سلسلة صفات عباد الرحمن:

? وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ?

 

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فما أعظم وما أجمل أن يكون المسلم قدوة في الخير، وإمامًا في التقوى، يقتدي به غيره في طاعة الله والاستقامة على دينه فينال أجره وأجر من اقتدى به.

 

ولذلك نجد أن من صفات عباد الرحمن التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز أنهم يسألون الله تعالى أن يجعلهم للمتقين إمامًا قال سبحانه: ? وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ? [الفرقان: 74].

 

قال القرطبي رحمه الله: (قوله تعالى: ? وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ?؛ أي: قدوة يقتدى بنا في الخير، وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي متقيا قدوة؛ وهذا هو قصد الداعي. وفي الموطأ: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم، فكان ابن عمر يقول في دعائه: اللهم اجعلنا من أئمة المتقين.

 

وقال مكحول: اجعلنا أئمة في التقوى يقتدي بنا المتقون ا.هـ.

 

فهكذا تكون همة عباد الرحمن لا يقفون عند سؤال الله أن يجعلهم من المتقين، بل يطمحون ويسعون إلى أن يكونوا قدوة ليس لعامة الناس فحسب بل للمتقين أيضًا، وهذه مرتبة عالية لا تُنال إلا بالصبر واليقين.

 

قال ابن القيم - رحمه الله - في مدارج السالكين: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، ثم تلا قوله تعالى: ? وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ? [السجدة: 24]. ا.هـ.

 

نسأل الله تعالى أن يرزقنا يقين الصادقين، وصدق الموقنين، ونسأله قوة في دين، وحزمًا في لين.

 

أيها الإخوة الكرام:

ينبغي على المسلم أن يسعى إلى أعلى مراتب الدين في العمل، كما يطمح إلى أعلى الدرجات وأعظم التكريم في جنات النعيم، كما علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنها وسط الجنة وأعلاها وفوقها عرش الرحمن ومنها تفجر أنهار الجنة)؛ صححه الألباني.

 

وهذا الطُموح أيها الإخوة الكرام، ليس مجرد أماني، بل يجب أن يكون مقرونًا بالعمل الصالح الموصل إلى أعلى المراتب، وكل ذلك يُنال برحمة الله تعالى قبل كل شيء، ولكن الله تعالى جعل العمل الصالح سببًا فلا بد من القيام بالسبب، أما الأمنيات فكل الناس يتمنى، حتى الكافر يتمنى لنفسه الخير كما ذكر الله تعالى عن صاحب البستان أنه قال: ? وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ? [الكهف: 36].


يتمنى ويظن أنه سوف يكرم ولكن هيهات، قال الحسن البصري رحمه الله تعالى : ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن شيء وقر في القلب وصدّقه العمل ا.هـ.




فلنكن أصحاب همم عالية في الخير وأصحاب ههم عالية كبيرة في العمل الصالح فننافس الصالحين في صلاتهم في صيامهم في ذكرهم لله في بر الوالدين، في الإحسان إلى الناس في حسن الخلق، في جميع أبواب الخير، فهذا أبو بكر رضي الله عنه سيدعى يوم القيامة من أبواب الجنة الثمانية.

 

ففي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير؛ فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب كلها من ضرورة فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال نعم. وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر).

 

حتى غلمان الصحابة كانت همتهم عالية، تأمل ما جاء في صحيح مسلم أن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه، قال له النبي صلى الله عليه وسلم مرة سلني يا ربيعة، - وهذه غنيمة وفرصة تعرض على ربيعة رضي الله عنه، لكن ربيعة لم يتمن شيئًا من الدنيا بل اختار الجنة وليس أي مكان فيها بل اختار جوار النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم، فقد كان همه مرافقة نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك يا ربيعة قال: هو ذاك، قال فأعني على نفسك بكثرة السجود).

 

فانظر إلى تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه على عدم الركون إلى الأمنيات، وعدم الاكتفاء بمجرد الدعاء مع أهميته، فحثه على أن يجاهد نفسه على كثرة السجود، وكأنه يقول له بما أن طلبك كبير يجب أن يكون عملك وجهدك عظيم.

 

وحين يطلب عباد الرحمن أن يكونوا أئمة للمتقين لا يعني ذلك أنهم يسعون للرئاسة وحب التصدر، ولكنهم يحبون أن يقتدى بهم في الخير لأن أجرهم سيكون أعظم، فإنَّ (الدَّال على الخير كفاعلِه) كما قال صلى الله عليه وسلم؛ صححه الألباني.

 

فأجر من يقتدي به غيره ليس كأجر من يعمل العمل ولا يقتدي به أحد، إنها أجور ليس لها حد، فهنيئًا لمن كان قدوة في الخير.

 

قال ابن القيم رحمه الله: «والفرق بين حب الرياسة وحب الإمارة للدعوة إلى الله هو الفرق بين تعظيم أمر الله والنصح له، وتعظيم النفس والسعي في حظها، فإن الناصح لله المعظم له المحب له يحب أن يطاع ربه فلا يعصى، وأن تكون كلمته هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، وأن يكون العباد ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه، فقد ناصح الله في عبوديته، وناصح خلقه في الدعوة إلى الله، فهو يحب الإمامة في الدين، بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين إمامًا، يقتدي به المتقون، كما اقتدى هو بالمتقين.

 

أيها الكرام:

وكما أن من الناس من هم أئمة في الهدى فإن من الناس من هم أئمة في الضلال والعياذ بالله قال تعالى: ? وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ? [القصص: 41]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في كتابه الحسنة والسيئة:

(? وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ?؛ أي: فاجعلنا أئمةً لمن يقتدي بنا ويأتم، ولا تجعلنا فتنةً لمن يضل بنا ويشقى).

 

وكما أن من يكون قدوة لغيره في الخير يعطى مثل أجره فكذلك من كان قدوة في الشر وإمامًا في الضلال فإنه يحمل آثامه ومن آثام من يضلهم، قال سبحانه: ? لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ? أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ? [النحل: 25].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: (مَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَن عَمِلَ بهَا بَعْدَهُ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شيءٌ، وَمَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كانَ عليه وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَن عَمِلَ بهَا مِن بَعْدِهِ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أَوْزَارِهِمْ شيءٌ)؛ رواه مسلم.

 

فلنكثر من هذا الدعاء المبارك: ? وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ?، ولنبذل جهدنا ليحققه الله لنا، فإن الهداية تعطى لمن بذل الجهد وعمل بالأسباب، قال سبحانه: ? وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ? [العنكبوت: 69].

 

والمؤمن مطلوب منه أن يكون داعية إلى دينه وقدوة لغيره، قال تعالى: ? قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ? [يوسف: 108].

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بلغوا عني ولو آية... »؛ رواه البخاري.

 

فما أجمل أن يكون المؤمن داعيًا إلى الله يبلغ دين الله وينصر شريعته، ويدل الناس على الخير، فقد ذكر الله تعالى في القرآن نملة لأنها كانت ناصحة لأخواتها، وذكر هدهدًا لأنه غار على دين الله واستنكر عبادة غير الله، فكيف بالمؤمن الذي يدعو إلى الله تعالى، ويكون قدوة لغيره في الصلاح والاستقامة، لا شك أن هذا في أعلى المقامات.

 

نسأل تعالى أن يجعلنا للمتقين إمامًا، وأن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


"
شارك المقالة:
4 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook